يرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية يشكل مدخلا أساسيا لإعادة بناء الثقة الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي، باعتباره ركيزة مباشرة لتحسين جودة العيش المشترك ودعم التنمية المستدامة.
ويؤكد المجلس في رأيه الأخير، أن الفضاء العمومي ليس مجرد مجال مادي للتنقل أو الاستعمال، بل فضاء مشترك تتقاطع فيه الحقوق والواجبات وتختبر فيه فعليا قيم المواطنة.
ويبرز المجلس أن هذا السلوك يستند إلى مرجعيات قيمية متداخلة، تتشكل من المعايير الدينية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب المنظومة القانونية والمؤسساتية.
ويشير إلى أن الدين الإسلامي في السياق المغربي يرسخ مبادئ الاحترام، والمسؤولية، والتعايش، وهي عناصر تعتبر أساسا للسلوك المدني في الحياة اليومية.
كما يوضح أن هذه القيم لا تظل مجرد مبادئ نظرية، بل يتم نقلها عبر مؤسسات التنشئة، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام.
ويضيف المجلس أن المدرسة تضطلع بدور محوري في تشكيل المواطن منذ المراحل الأولى، من خلال التربية على المواطنة، وتنمية الحس النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
ويجدد التأكيد على أن المنظومة التعليمية، رغم الإصلاحات المتتالية، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بضعف التنسيق بين القيم المعلنة والممارسات اليومية داخل الفضاء المدرسي، وهو ما يحد من الأثر الفعلي للتربية على السلوك المدني.
ويسجل المجلس أن الفضاء الإعلامي، خصوصا الرقمي، أصبح فاعلا مركزيا في تشكيل التمثلات والسلوكيات، إذ يساهم في نشر ثقافة المواطنة كما قد يساهم في إعادة إنتاج سلوكيات غير مدنية إذا غاب التأطير والتوجيه معتبرا أن التحول الرقمي السريع يفرض إعادة التفكير في أدوات التربية والتنشئة بما يتلاءم مع الواقع الجديد.
♦الحكامة المدنية وتكامل الأدوار
يبين المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن السلوك المدني لا يمكن أن يبنى بشكل فردي أو معزول، بل يحتاج إلى منظومة مؤسساتية منسقة تشمل الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، مشددا على أن ضعف التنسيق بين هذه الفاعلين يؤدي إلى تشتت المبادرات، ويحد من فعاليتها في إحداث أثر مستدام.
ويبرز المجلس أن المؤسسات العمومية مطالبة بتجسيد “القدوة الحسنة” من خلال تحسين جودة الخدمات، وتبسيط المساطر، وتكريس احترام المرتفق، باعتبار أن سلوك الإدارة ينعكس مباشرة على سلوك المواطن داخل الفضاء العمومي، مشيرا إلى أن غياب الانسجام بين القواعد القانونية والتطبيق العملي يساهم في انتشار بعض الممارسات غير المدنية.
وأورد التقرير أن التدخلات العمومية الحالية، رغم تعددها، تظل في الغالب قطاعية وغير مندمجة، مما يحد من قدرتها على معالجة الأسباب العميقة للسلوكيات غير المدنية، مؤكدا على ضرورة اعتماد رؤية شمولية تقوم على التنسيق بين السياسات التربوية والثقافية والحضرية والأمنية.
ووثق المجلس أن عددا من التجارب المؤسساتية، خصوصا في مجالات التربية وإعادة الإدماج والسجون، أظهرت أهمية البرامج الموجهة لإعادة تأهيل السلوك المدني، غير أنها تبقى محدودة من حيث الموارد البشرية واللوجستية، مما يعيق توسيع أثرها.
♦جودة الفضاء وصناعة السلوك
يركز المجلس على أن الفضاء العمومي بمختلف أنواعه يشكل المجال الحقيقي الذي يترجم فيه السلوك المدني إلى ممارسة يومية ملموسة، مجددا التأكيد على أن هذا الفضاء في الشوارع، والحدائق، ووسائل النقل، والمرافق العمومية، والفضاءات الرياضية، وكل الأماكن التي يتقاسمها المواطنون.
ويظهر أن جودة الفضاء الحضري تلعب دورا مباشرا في تشكيل السلوك، إذ إن النظافة، والإنارة، والبنية التحتية، وتنظيم المجال العام، كلها عناصر تؤثر على مدى احترام القواعد الجماعية، مضيفا أن الفضاءات غير المنظمة أو المتدهورة قد تنتج سلوكيات غير مسؤولة، بينما الفضاءات المنظمة تعزز الانضباط والاحترام المتبادل.
وأورد المجلس أن التحول الرقمي أصبح جزءا من إدارة الفضاء العمومي، من خلال التطبيقات الذكية ومنصات التبليغ، التي تسمح للمواطنين بالمشاركة في تحسين محيطهم، مبينا أنه يسجل أن هذه الأدوات لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي، رغم قدرتها على تعزيز التفاعل بين المواطن والإدارة.
ولفت التقرير أيضا إلى أن الفضاءات الرياضية، خصوصا ملاعب كرة القدم، تمثل مجالا مزدوج الأثر، حيث تعزز الروح الجماعية والانتماء، لكنها قد تتحول في بعض السياقات إلى فضاءات للتوتر والعنف، مؤكدا أن هذه الظواهر تبقى معزولة، لكنها تكشف الحاجة إلى تأطير أفضل للجمهور وتطوير ثقافة التشجيع المسؤول.
ويكشف التقرير كذلك أن المؤسسات السجنية تعتبر فضاء لإعادة تأهيل السلوك المدني، من خلال برامج تعليمية ومهنية ونفسية، رغم التحديات المرتبطة بالاكتظاظ وضعف الموارد. ويعتبر أن إعادة الإدماج تمثل حلقة أساسية في بناء مواطنة مسؤولة بعد الإفراج.
♦مشروع وطني لترسيخ المواطنة
يدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إطلاق مشروع وطني شامل للسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يقوم على ميثاق وطني يحدد القواعد الأساسية للسلوك المشترك، ويضمن التزام مختلف الفاعلين به على المستويين الوطني والترابي.
ويوصي المجلس بتعزيز التربية على المواطنة داخل المنظومة التعليمية، من خلال إدماجها بشكل عملي في المناهج، وليس فقط كمضامين نظرية، مع تقوية الأنشطة الموازية التي تكرس القيم عبر الممارسة اليومية داخل المدرسة.
ويحث على ضرورة توحيد المرجعيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بالفضاء العمومي، وتفعيلها بشكل صارم، مع اعتماد مقاربة تربوية إلى جانب المقاربة الزجرية، بما يسمح بتغيير السلوك بدل الاكتفاء بالعقاب.
ويقترح تطوير نموذج حكامة جديد يقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات العمومية، وإشراك الجماعات الترابية والمجتمع المدني، وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية في تدبير الفضاءات العمومية وتحسين خدماتها.
ويؤكد المجلس على أهمية جعل الفضاء الرياضي رافعة لتعزيز السلوك المدني، عبر تأطير الجماهير، وتشجيع التشجيع الإيجابي، وإدماج مجموعات المشجعين كشركاء في نشر ثقافة الاحترام والمسؤولية.
ويخلص المجلس بأن ترسيخ السلوك المدني ليس مشروعا ظرفيا، بل مسارا طويل الأمد يتطلب تحولا ثقافيا ومؤسساتيا متكاملا، يجعل من الفضاء العمومي مجالا للثقة، والتعايش، والمواطنة الفعلية.

