يشهد المشهد المغاربي في الآونة الأخيرة حراكا دبلوماسيا متسارعا أعاد إلى الواجهة الحديث عن احتمال قيام المملكة العربية السعودية بوساطة بين المغرب والجزائر، في ظل مؤشرات على رغبة متبادلة في تخفيف التوتر القائم منذ سنوات.
واستقبل الملك محمد السادس في الرباط الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز آل سعود، مبعوث القيادة السعودية، بينما استقبل الرئيس الجزائري في وقت سابق السفير السعودي في بلاده، في خطوات متقاربة زمنيا اعتبرها مراقبون دليلا على تحرك منسق يسعى إلى فتح قنوات تواصل غير مباشرة بين الطرفين.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي حساس، يتداخل فيه الملف المغاربي مع حسابات أمنية واقتصادية أوسع، في وقت لا يزال الخلاف حول قضية الصحراء يشكل محور التباين الرئيسي بين الرباط والجزائر.
وبينما تسعى الرياض إلى ترسيخ موقعها كفاعل توازني قادر على جمع الفرقاء، يطرح هذا الحراك تساؤلا محوريا حول هل ستنجح الدبلوماسية السعودية في كسر الجمود وفتح مسار جديد للحوار بين الجارتين؟
♦الحراك السعودي ودلالاته الأولى
يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي، عبد الله أبو عوض، أن التحرك السعودي يندرج ضمن توجه استراتيجي يهدف إلى تعزيز حضور الرياض كفاعل إقليمي متوازن، يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين دولتين مؤثرتين في شمال إفريقيا.
ويشير أبو عوض في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هذا الحراك يتزامن مع إرسال السفير السعودي في الجزائر رسالة من الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما يعكس – حسب قوله – رغبة سعودية في دعم الاستقرار وتعزيز الحوار بين الجانبين.
ويضيف أن هذا التوجه يبرز وعيا متزايدا لدى صانعي القرار الإقليمي بأهمية المغرب والجزائر في التوازنات الجيوسياسية المرتبطة بحوض المتوسط والقارة الإفريقية، في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة على مستوى الاتحاد الأوروبي.
♦الوساطة السعودية ومضمونها السياسي
ويعتبر أبو عوض أن التحرك السعودي يتجاوز الإشارات البروتوكولية المعتادة، ويمكن قراءته كلغة وساطة دبلوماسية فعلية، حيث طبيعة العلاقة بين المغرب والجزائر – كما يوضح – تتسم بالتعقيد والتراكم التاريخي، وتحتاج إلى تدخلات متوازنة من أطراف ذات مصداقية سياسية.
ويكشف أن المملكة العربية السعودية، بالنظر إلى موقعها الإقليمي وعلاقاتها المتوازنة مع الطرفين، تمتلك المقومات اللازمة للقيام بدور الوسيط، خصوصا في مرحلة دولية تتسم بعدم اليقين وبتزايد الحاجة إلى قنوات حوار عربية داخلية قادرة على معالجة الخلافات بآليات دبلوماسية هادئة.
ويحلل أبو عوض خلفيات هذا الحراك من زاويتين؛ إقليمية ودولية، مظهرا أنه على الصعيد الإقليمي، تبرز الحاجة إلى استقرار شمال إفريقيا والساحل بعد تزايد التحديات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
ويظهر المتحدث أن التقارب العربي، الذي توليه السعودية اهتماما خاصا، يشكل جزءا من سياسة تهدئة أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب البيت العربي وتعزيز التنسيق بين الدول.
أما على المستوى الدولي، فيذهب المحلل السياسي إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة تعكس دعما واضحا لمسار التسوية في ملف الصحراء المغربية، في إطار رؤية تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي “واقعيا وجديا”، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجزائر، بما يضمن استقرار المنطقة في مواجهة تنافس النفوذ بين القوى الكبرى كروسيا والصين في القارة الإفريقية.
♦التقارب المغاربي وآفاق الاستقرار
ويستطرد أبو عوض في تحليله، مؤكدًا أن المبادرة السعودية تأتي في سياق دبلوماسي جديد يعتمد على الانفتاح والتدرج في إدارة الأزمات، حيث المملكة، وفق رأيه، لا تتعامل مع الخلافات العربية من زاوية التهدئة المؤقتة، بل تسعى إلى إرساء مسار طويل المدى يقوم على بناء الثقة وتهيئة الظروف لحوار مستدام.
ويفسر الأستاذ الجامعي أن هذه المقاربة تتناسب مع المتغيرات الراهنة التي تشهدها المنطقة، حيث تفرض الأوضاع الاقتصادية العالمية والمنافسة الجيوسياسية على دول المنطقة البحث عن آليات تعاون جديدة، بعيدا عن لغة القطيعة أو التوتر الدائم.
ويبين أبو عوض أهمية هذا التحرك السعودي من خلال قدرته على إعادة إدماج المغرب والجزائر في معادلة الاستقرار الإقليمي، بالنظر إلى موقعهما الجغرافي ودورهما في العمق الإفريقي والمتوسطي.
ويؤكد أن أي تقارب بينهما من شأنه أن يسهم في تخفيف التوترات الإقليمية، ويفتح آفاقا جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، بما يعزز الاستقرار الجماعي في شمال إفريقيا.
ولفت المتحدث إلى أن التحديات المشتركة، مثل الهجرة غير النظامية والطاقة والأمن الغذائي، تتطلب معالجة جماعية لا يمكن تحقيقها في ظل استمرار القطيعة السياسية.
♦دبلوماسية سعودية برؤية متزنة
وخلص أبو عوض إلى أن استمرار التحركات الدبلوماسية السعودية في هذا المسار يعكس رغبة واضحة في ترسيخ دورها كجسر للتواصل الإقليمي، لا كطرف منحاز لأي جهة.
وشدد على أن طبيعة المرحلة لا تسمح بأن تكون هذه التحركات مجرد مجاملات دبلوماسية، بل تستدعي استمرارية ومتابعة مؤسساتية تفتح الباب أمام تسوية مستدامة.
ويعتبر أبو عوض أن أي مبادرة من هذا النوع ينبغي أن تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة ترابها، وهي ثوابت يلتزم بها المغرب بوضوح في سياسته الخارجية، في مقابل ضرورة أن تنخرط الجزائر في مقاربة أكثر انفتاحا تعيد الأولوية إلى المصالح المشتركة.
ويذهب عبد الله أبو عوض على أن التحرك السعودي يقدم نموذجا لدبلوماسية هادئة تراهن على بناء توازنات جديدة في المنطقة المغاربية، استنادا إلى الحوار والمسؤولية المشتركة.
ويختم المحلل السياسي تصريحه بالتأكيد أن العالم يتغير بوتيرة سريعة، والمنطقة المغاربية بحاجة إلى آليات جديدة لتدبير اختلافاتها، لا إلى مزيد من الجمود، مردفا أن الرياض تسعى إلى أن تكون أحد العوامل المساعدة في هذا التحول، انطلاقا من مقاربة متزنة تجمع بين الواقعية السياسية والحس العربي المشترك.

