لا يزال التضخم يلقي بظلاله الثقيلة على الأسر المغربية، حيث تراجعت القدرة الشرائية بفعل الارتفاع المستمر للأسعار، وهذا الوضع انعكس سلبًا على النشاط التجاري، إذ تكافح العديد من المقاولات المهنية للحفاظ على استمراريتها في ظل ضعف الإقبال وتراجع المداخيل.
وفي محاولة لمواجهة هذه التحديات، خصصت الحكومة في قانون المالية لسنة 2025 غلافًا ماليًا إضافيًا يقدر بـ 15 مليار درهم لتعزيز التشغيل ودعم الاستثمار، لتبرز تساؤلات حول إن كانت هذه التدابير كافية لكبح نزيف القدرة الشرائية وإنعاش سوق الشغل، أم أن الأزمة الاقتصادية تحتاج إلى مقاربات أكثر جرأة وفعالية.
المغرب يتذيل ترتيب مؤشر التنمية البشرية بشمال إفريقيا.. أين يكمن الخلل وما هو الحل؟
♦ الأسباب الرئيسية
يبرز عثمان الدخيسي، الأستاذ الباحث بكلية الاقتصاد والتدبير بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن أسباب تراجع النشاط الاقتصادي تعود إلى مجموعة من العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على المقاولات.
وقال الدخيسي في تصريح لجريدة “شفاف”، إن أول هذه العوامل يرتبط بارتفاع معدلات التضخم، الذي وصل إلى6.1% في 2023، حيث ساهم بشكل كبير في زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ولفت إلى أن هذا التضخم أدى إلى تقليص القدرة الشرائية لدى المواطنين، مما أثر على الطلب الداخلي، وهو ما انعكس سلبًا على المقاولات، خاصة في قطاعات مثل الاتصالات والنقل الجوي والعقارات.
وأردف أنه بالإضافة إلى ذلك، شهدت الاستثمارات تراجعًا نتيجة لحالة عدم اليقين الاقتصادي، حيث أصبح العديد من المستثمرين أكثر تحفظًا بسبب المخاوف من المستقبل، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في بعض القطاعات الرئيسية.
ولفت إلى أنه فيما يتعلق بتأثير التضخم وضعف القدرة الشرائية، يمكن ملاحظة أن الأسواق شهدت انخفاضًا في الطلب على السلع والخدمات، مما أدى إلى تراجع في النشاط الاقتصادي لدى العديد من المقاولات.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
وتابع أنه على سبيل المثال، فقطاع العقارات شهد انخفاضًا في الطلب على الوحدات السكنية نتيجة لارتفاع أسعار المواد الخام، مما أدى إلى تباطؤ كبير في حركية السوق.
في الجانب ذاته، يؤكد إدريس العيساوي، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط حول نتائج بحوث الظرفية لدى المقاولات العاملة بقطاعي الخدمات التجارية غير المالية وتجارة الجملة، يعكس صورة غير متجانسة عن أداء الاقتصاد المغربي.
وأضاف أن البيانات المرتبطة بما سبق أظهرت أن ثلثي المستجوبين عبّروا عن رؤية إيجابية، بينما الثلث الآخر أكد أن الوضع مستقر، لافتا إلى أنه مع ذلك، فإن 49% من أرباب المقاولات المستجوبين أشاروا إلى تراجع نشاطهم الاقتصادي خلال الربع الأخير من عام 2024.
وأوضح العيساوي في تصريح لـ”شفاف” أن هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل، أبرزها الظرفية الاقتصادية التي شهدها المغرب في نهاية العام، والتي أثرت على قطاعات رئيسية مثل الاتصالات، والنقل الجوي، والأنشطة العقارية، مبرزا أنه في المقابل، شهدت قطاعات أخرى مثل السياحة والفندقة تحسنًا ملحوظًا.
تعليمات ملكية بإحداث لجنة موسعة لإنجاح المونديال.. فكيف سينعكس تنظيم العرس العالمي على المملكة؟
وأشار الخبير والمحلل الاقتصادي إلى أن 74% من المقاولات المستجوبة أكدت أن قدرتها الإنتاجية تعمل في حدود الثلثين، مما يدل على مرونة الاقتصاد المغربي رغم التحديات.
♦ التحديات والمبادرات الحكومية
حول الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع، يرى العيساوي أن عام 2024 كان عامًا انتقاليًا بالنسبة للمستثمرين، إذ اتسمت الأشهر الأخيرة بحالة من الانتظارية والتريث لدى أرباب المقاولات.
وشدد الخبير ذاته، على أن التضخم كان له دور رئيسي في هذا التراجع، حيث ارتفعت نسبته إلى 8%، مما أثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للأسر، وأضعف مستوى الاستهلاك الداخلي.
ورغم هذه الصعوبات، أكد العيساوي على أن الحكومة المغربية بذلت جهودًا كبيرة منذ 2019 لدعم الاقتصاد، من خلال تقديم مساعدات مباشرة للشركات، لا سيما في القطاعات المتضررة مثل السياحة والصناعة الفندقية، حيث ساهمت هذه التدابير في تخفيف تأثيرات الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ جائحة “كوفيد-19”.
حكومة أخنوش بين تحديات الواقع وتصعيد المعارضة والنقابات.. قراءة في حيثيات الأزمة السياسية
بدوره، أشار عثمان الدخيسي إلى أن الحكومة تبنت عدة تدابير لمواجهة الأزمة الاقتصادية، مثل الدعم المباشر، والاستمرار في دعم بعض السلع الأساسية، وتقديم تسهيلات ضريبية للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والتخفيض من الضريبة على الدخل، دون نسيان الزيادات الأخيرة في الأجور.
واستطرد أنه رغم هذه الجهود، لا تزال النتائج أقل من المتوقع، حيث لم تتمكن التدابير من تحفيز الطلب الداخلي بشكل كافٍ أو من التخفيف من تداعيات ارتفاع التضخم، في ظل قصور السياسة النقدية للبنك المركزي، وذلك نظرا لطبيعة التضخم الذي يعرفه المغرب بل والعالم بأكمله.
ونبه الأستاذ الباحث بكلية الاقتصاد والتدبير إلى أنه في هذا السياق، يبقى التأثير الفعلي لهذه السياسات محدودًا بالنظر إلى الوضع العالمي الذي يشهد ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.
♦ النظرة المستقبلية
يرى عثمان الدخيسي أن التوقعات تشير إلى إمكانية تحقيق انتعاش اقتصادي طفيف خلال الفصل الأول من 2025 وتحسنا أوضح خلال الفصل الثاني، بشرط تحسن بعض العوامل الرئيسية.
وأبرز أن من أبرز هذه العوامل، التساقطات المطرية الحالية التي قد تساهم في زيادة الإنتاج الزراعي (الزراعات الربيعية بالخصوص)، مما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي، لافتا إلى أنه يُتوقع أن يشهد التضخم استقرارًا تدريجيًا مع حلول عام 2025.
وأوضح أنه في ذات السياق، تقوم الحكومة بتنفيذ استثمارات عمومية كبيرة في البنية التحتية تحضيرًا لاستضافة كأس أفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، وهو ما يمكن أن يُحسن من المناخ الاقتصادي ويسهم في تحفيز القطاعات ذات الصلة.
بخصوص آفاق الاقتصاد المغربي لعام 2025، أعرب العيساوي عن تفاؤله، معتبرًا أن السنة المقبلة ستكون نقطة انطلاق قوية بفضل المشاريع الكبرى التي ستشهدها البلاد، لا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل المدن المغربية استعدادًا لاحتضان بطولة كأس أمم إفريقيا 2025، والتي ستليها تحضيرات المملكة لاستضافة كأس العالم 2030.
تنظيم “كان 2025” بالمغرب.. ماهي المكاسب التي ستجنيها المملكة؟
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي على أن هذه المشاريع ستوفر دفعة قوية لعدة قطاعات، مثل البنية التحتية والسياحة والخدمات، مما سيساهم في تحفيز الاستثمار، الحد من البطالة، والسيطرة على التضخم.
وشدد على أن المغرب مقبل على مرحلة اقتصادية واعدة، حيث يُتوقع أن تحقق البلاد نموًا اقتصاديًا أكثر استقرارًا، بدعم من المشاريع التنموية الكبرى والسياسات الحكومية الرامية إلى تعزيز بيئة الاستثمار.

