بمناسبة الأيام الأممية لمناهضة العنف ضد النساء واليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة، نظمت المنظمة المغربية للنساء في وضعية إعاقة، بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أمس الجمعة بالرباط، ندوة حول موضوع “الإعاقة والمقاربة الجندرية في الأهلية القانونية: الملاءمة والممارسات” بمعهد إدريس بنزكري لحقوق الإنسان.
وشهدت الندوة مشاركة واسعة لمجموعة من الخبراء والفاعلين في مجال حقوق الإنسان والإعاقة، حيث تمّ تسليط الضوء على التحديات والفرص المرتبطة بتفعيل الأهلية القانونية وفق مقاربة جندرية شاملة.
♦رهانات الإعاقة والحقوق
قالت بشرى العمراوي، ممثلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمتدخّلة نيابةً عن رئيسة المجلس،آمنة بوعياش، إن المشاركة في هذه الندوة تكتسي أهمية خاصة لأنها تتقاطع مع مسار وطني يهدف إلى تعزيز حماية حقوق الإنسان وترسيخ مقاربة أكثر شمولاً تجاه قضايا الإعاقة والعنف المبني على النوع.
وأوضحت في مداخلتها أن المجلس يعتبر هذا الفضاء مناسبة مفتوحة لتجديد النقاش حول التحديات الحقوقية المطروحة اليوم، خصوصاً تلك التي تهم الفئات الأكثر عرضة للهشاشة.
وأضافت أن تنظيم هذه الندوة يتزامن مع محطتين وطنيتين ودوليتين بارزتين؛ أولهما النقاش المجتمعي حول العنف ضد النساء الذي اتسعت رقعته ليشمل الفضاء الرقمي بفعل التطور التكنولوجي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالا جديدا يُمارس فيه العنف بأشكال أكثر تعقيدا وحدّة، ومفصحة على أن المجلس أطلق قافلة وطنية عبر 12 جهة لفتح نقاش عمومي واسع حول خطورة هذا النوع من الانتهاكات.
أما المحطة الثانية، تضيف العمراوي، أنها تتعلق باليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة، الذي اعتمد هذا العام شعار “بناء مجتمعات تُبرز الأشخاص في وضعية إعاقة”.
وأشارت إلى أن هذا الشعار يعكس واقعا دوليا ومحليا ما يزال يواجه عقبات عدة؛ من بينها ارتفاع معدلات الفقر، التمييز في سوق الشغل، ضعف الحماية الاجتماعية، وقصور السياسات العمومية في رفع الحواجز المرتبطة بالبيئة المادية والصور النمطية.
وأكدت أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان يعتمد منهجية ترتكز على تقوية دور المجتمع المدني وإشراكه في الترافع وفي بلورة الحلول، إلى جانب العمل التشريعي الهادف إلى ملاءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، خصوصاً في المجالات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وبيّنت أن المجلس اشتغل خلال السنوات الأربع الماضية على هذه الإشكالات من خلال الآلية الوطنية الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، مستفيدا من التجارب الدولية وأدوات الرصد والتتبع، كما ظهر ذلك في تقاريره السنوية.
وذكرت أن ما يرصده المجلس من شكايات، إضافة إلى المتابعة الإعلامية لما ينشر في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، شكّل مؤشرات حقيقية على استمرار تحديات ترتبط بالحق في الولوج، واحترام الكرامة، وحماية الحقوق الأساسية لهذه الفئة من المواطنين.
وأبانت أنه من خلال ما يعانيه الأشخاص في وضعية إعاقة جاءت توصيات تدعو إلى مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية، وتنقيتها من كل المصطلحات والمضامين التمييزية، سواء في مدونة الأسرة أو القانون التجاري أو التشريع الاجتماعي.
وشددت العمراوي على أن الهدف هو تحقيق توازن فعلي بين حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التمتع الكامل بحقوقهم على قدم المساواة، وواجب الدولة في اتخاذ تدابير تضمن الولوجيات والإمكانية الفعلية لممارسة تلك الحقوق، مؤكدة أن هذه المقاربة هي الأساس الذي تبني عليه المؤسسة الوطنية اشتغالها في مجال الحماية القانونية وتعزيز السياسات العمومية.
وعبرت في نهاية مداخلتها عن أملها في أن تُسهم المناقشات والتوصيات الصادرة عن هذه الندوة في دعم مسار الإصلاح التشريعي، وتقوية الترافع المدني، وتطوير مقاربات جديدة أكثر عدلاً وفعالية في صون حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
♦نساء ذوات الإعاقة تتحدّث
كشفت سميرة بختي رئيسة المنظمة المغربية للنساء في وضعية إعاقة أن أصوات الأشخاص ذوي الإعاقة كثيرا ما لا تصل إلى الجهات المعنية، مشددة على أهمية حضور جميع القطاعات للاستماع إلى هذه الإشكاليات.
وأبرزت في مداخلتها إلى أن النساء ذوات الإعاقة الحسية يواجهن صعوبات كبيرة في التنقل، مثل مراجعة الطبيب، ما يستلزم وجود شخص ثالث يوضح وضعيتهم للطبيب، حتى وإن كان الطبيب نفسه على دراية بها، مضيفة أنه في كثير من الحالات، يصبح من الضروري الاعتماد على الأقارب أو الجيران الذين يفهمون لغتهم لضمان إيصال المعلومات بدقة.
وذهبت بختي إلى أن هذه التحديات تمتد أيضا إلى مجالات الأمن، النيابة العامة، والإدارة، مؤكدة أن النساء ذوات الإعاقة يتعرضن لعنف مركب ونوعي، ويواجهن صعوبات مضاعفة في حماية حقوقهن.
وشددت أن الاستجابة الطارئة للشرطة أو الجهات الرسمية غالبا ما تكون محدودة، كما أن الوصول إلى المحاكم أو المباني الرسمية يمثل تحديًا كبيرًا، رغم وجود بعض التسهيلات في المدن الكبرى.
ولفتت إلى وجود نقص واضح في ولوج المراكز والمؤسسات للنساء ذوات الإعاقة، موضحة أن بعض مراكز الإيواء ترفض استقبالهن بسبب غياب قوانين واضحة، وأن بعض الجمعيات النسائية لا تتعامل مع قضايا الإعاقة، ما يضاعف تعقيد الوضع.
وتابعت أن القيود تتجلى أيضا في الإجراءات الرسمية، مثل فتح الحسابات البنكية أو ممارسة الأهلية القانونية، ما يعيق تحقيق المساواة الكاملة مع باقي المواطنين.
وقالت في نهاية مداخلتها إلى إن حضور جميع القطاعات الحكومية ضروري لمعالجة هذه الإشكاليات بشكل جدي، مشيرة إلى الجهود التي تبذلها وزارتا الصحة والعدل، وإلى عمل المنظمة على توثيق القضايا المتعلقة بالإعاقة لضمان حمايتها ومتابعتها، ومعتبرة أن الهدف النهائي هو جمع المعلومات وتقديم توصيات عملية تمكن النساء ذوات الإعاقة من ممارسة حقوقهن كاملة في جميع المجالات.
♦حماية الحقوق أولوية اليوم
وفي السياق ذاته، أكد حميد بلغيت أستاذ القانون بجامعة محمد الخامس أنّ جوهر النقاش اليوم يتمحور حول ضرورة الاعتراف القانوني الكامل بالأشخاص ذوي الإعاقة، موضحا أن التطور الأخلاقي أو توسّع نظرتنا للإنسان لا يكفي وحده، وأن الانتقال إلى مستوى الإقرار القانوني بحقوق الإنسان هو الحاسم، مشددا على أن البشر، ليسوا فقط كائنات بيولوجية، بل كائنات قانونية أيضا، والاعتراف القانوني هو ما يمنح الفرد القدرة على اكتساب الحقوق والتمتع بها.
وأوضح بلغيت في مداخلته أن مفهوم الأهلية القانونية ليس تفصيلا بسيطا، لأنه يترجم بشكل مباشر مدى الاعتراف بالشخص كصاحب حقوق كاملة، ومبينا أن كل الحقوق ــ من المشاركة السياسية، إلى التعاقد، والعمل، وغيرها ــ تتوقف على الاعتراف بالأهلية القانونية. لذلك وفق تعبيره يصبح “الحق في الأهلية القانونية هو نفسه الحق في اكتساب الحقوق”.
وتوقف بلغيت عند المادة 12 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرا إلى أنها كانت محور جدل كبير خلال الأشغال التحضيرية للاتفاقية، إلى درجة دفعت بعض منظمات المجتمع المدني إلى إعلان الانسحاب آنذاك، مبرزا أنه رغم الاتفاقية أُعدّت في فترة قصيرة مقارنة باتفاقيات دولية أخرى، فإن المادة 12 تحديدا خلقت توترا كبيرا، بسبب خلافات حول مضمونها وصياغتها.
وأضاف أن الصياغة النهائية للمادة 12 اتجهت نحو نوع من “الغموض المقصود”، حتى تحافظ على الحد الأدنى من التوافق بين الدول والمنظمات، ومبينا أنه لو كانت الصياغة أكثر مباشرة وصرامة، لكان مسار اعتماد الاتفاقية استغرق سنوات أطول وربما واجه رفضا واسعا.
وأشار بلغيت إلى أن هذا النقاش عاد بقوة عند صياغة التعليق العام الأول للجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حول المادة 12، حيث برز اختلاف واضح في التفسيرات، حيث بعض الدول اعتبرت أن المادة ما تزال تسمح بشكل من أشكال الوصاية، بينما دفعت اللجنة نحو تجاوز نظام الوصاية وتعويضه بنظام الدعم في اتخاذ القرار.
وأوضح أن جوهر النقاش في التعليق العام هو رفض الاختبار الوظيفي أو الطبي الذي يربط بين الأهلية العقلية والأهلية القانونية، مؤكّدا أن هذا الربط غير سليم وغير منصف، ومبرزا أن الاختبار الطبي لا يقيس مدى صحة القرارات التي يتخذها الشخص، بل فقط يفحص “حدود قدرته على اتخاذ القرار”.
وهذا، في نظر أحمد بلغيت، مقاربة تمييزية، لأن كل الناس قد يواجهون حدودا معرفية تمنعهم من فهم أو اتخاذ قرارات صحيحة في بعض المجالات، كالصحة، أو المعاملات المالية، أو العقار.
وشدد على أن الاعتماد على الاختبار الوظيفي يقود إلى تمييز واضح، لأنه لو طُبق على الجميع، سنكتشف أن حتى الأشخاص غير الحاملين للإعاقة قد يظهرون “اختلالات وظيفية” في عملية اتخاذ القرار، وهذا ما يجعل هذا النظام غير عادل وغير متوافق مع فلسفة الاتفاقية.
وذهب الأستاذ الجامعي إلى أن البديل هو نظام الدعم في اتخاذ القرار، باعتباره المقاربة التي تنسجم مع روح الاتفاقية وتهدف إلى تمكين الشخص بدل الحد من حقوقه.
♦المشاركة الفعالة واستقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة
أفاد أحمد آيت إبراهيم، الخبير في الهندسة الاجتماعية والإعاقة، أن موضوع الأهلية القانونية للأشخاص في وضعية إعاقة هو في جوهره قضية معيارية وحقوقية دقيقة، تقوم على مبدأ المشاركة الكاملة والفعالة واحترام الإرادة والاختيار وعدم التمييز.
وأشار الخبير في مداخلته إلى أن المادة 12 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أحدثت نقلة حقيقية لأنها اعترفت بالشخص في وضعية إعاقة كصاحب أهلية كاملة أمام القانون، رغم تحفظ العديد من الدول المتقدمة، فيما تبنى المغرب هذا المبدأ دون أي تحفظ.
وشرح أن الإشكالات الكبرى في التطبيق ترتبط بتداخل المفاهيم بين القدرة العقلية والأهلية القانونية وأهلية التصرف، إضافة إلى اعتماد القضاء على الخبرة النفسية بشكل يجعل قرارات إسقاط الأهلية مبنية على نموذج متجاوز لا يعكس روح الاتفاقية، موضحا وجود خلط بين الرغبة والإرادة والأفضليات والمصلحة الفضلى، وهو ما اختارت الاتفاقية تجاوزه بالتركيز على إرادة الشخص وتفضيلاته الذاتية.
ونبه إلى أن أنظمة تقييم الإعاقة الثلاثة المعتمدة عالميا، سواء القائم على الإعاقة أو النهج الوظيفي أو نهج النتيجة، كلها تحمل مخاطر إذا لم تُبنَ على معايير دقيقة، خصوصاً أن المغرب ما زال ينتظر صدور القرار المشترك المتعلق بالمعايير الاجتماعية.
واعتبر أن الانتقال من نظام الوصاية والحجر إلى نظام القرار المدعوم ضروري وواقعي، لكن يحتاج إلى تكوين للقضاة والعاملين الاجتماعيين، وإلى إدماج ثقافة حقوقية جديدة في الممارسة القضائية والإدارية.
ولفت إلى أن الممارسة الوطنية تكشف مفارقات واضحة، إذ تُمنح الأهلية عملياً في مجالات مثل اجتياز امتحانات البكالوريا دون الحاجة إلى أي شهادة أهلية، في حين تُفرض قيود في سياقات أخرى كالتشغيل والعقود.
ورأى أن تجاوز هذه الفجوة يتطلب إصلاحاً متدرجاً، يشمل اعتماد نظام جديد لتقييم الإعاقة، وتطوير العمل الاجتماعي بقانون واضح، وتوفير خبراء اجتماعيين مؤهلين لمساعدة القضاء، إضافة إلى إدخال موضوع الأهلية المدعومة في تكوين القضاة.
وخلص إلى أن المغرب قطع خطوة مهمة على مستوى الاعتراف التشريعي، لكن التحدي الحقيقي اليوم هو المرور من الاعتراف إلى الممارسة، وترسيخ نموذج يضمن استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة ويحمي حقوقهم دون إفراط في الحماية أو تقييد غير مبرر للإرادة.
♦اختصاصات وزارة العدل في الإعاقة
قال عبيد الحليمي، إطار بمديرية الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة- وزارة العدل في مستهل مداخلته إن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة تعد من الحقوق الفئوية التي تستوجب جهدا خاصا من الدولة لضمان حمايتها والتمتع الفعلي بها، من خلال تطوير الإطار القانوني الوطني وملاءمته مع المعايير الدولية، واعتماد سياسات عمومية تراعي مبدأ المساواة وعدم التمييز وطبيعة الإعاقة ونوعها.
وصرح عبيد أن المساواة وعدم التمييز يشكلان الأساس في تمتع الأشخاص ذوي إعاقة بحقوقهم الإنسانية، وأن التعامل مع هذه الفئة يجب أن يتم على اعتبارهم أشخاصا ذوي أهلية قانونية كاملة في مختلف التصرفات القانونية، مع توفير جميع الضمانات التي تكفل لهم ممارسة حقوقهم دون أي تمييز.
وانتقل المتحدث إلى التأكيد على أن حماية حقوق الأشخاص ذوي إعاقة تقتضي منظومة شاملة تشمل قوانين مواكِبة، وسياسات مندمجة، ومؤسسات ضامنة لإعمال الحقوق، وبرامج موجهة لهذه الفئة أسوة بباقي فئات المجتمع ودون أي شكل من أشكال التمييز.
وفي هذا الإطار، قدم عبيد عرضا يوضح الدور الذي تضطلع به وزارة العدل باعتبارها القطاع الحكومي المكلف بمنظومة العدالة، مبرزا أهم الإجراءات القانونية التي تم اعتمادها، وموضحا أن الوزارة اشتغلت على عدد من مشاريع القوانين، منها ما دخل فعلا حيّز التنفيذ، ومنها ما يزال قيد المناقشة داخل البرلمان.
وفيما يتعلق بقانون العقوبات البديلة، أكد عبيد أنه تم التنصيص على استثناء الجنح المرتكبة ضد الأشخاص في وضعية إعاقة من إمكانية الاستفادة من هذه العقوبات، مع التأكيد على ضرورة مراعاة وضعية الأشخاص ذوي الإعاقة عند تطبيق عقوبة العمل لفائدة المنفعة العامة.
أما بخصوص قانون المسطرة الجنائية، فقد أبرز أن المستجدات الأساسية التي جاءت لتعزيز حماية الأشخاص ذوي إعاقة، حيث نصّت المادة 43 على تكريس ضمانات حماية الضحايا، خاصة النساء والقاصرين والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
كما حمّلت المادة 83-5-3، وفق مداخلته، مكتب المساعدة الاجتماعية مسؤولية إنجاز الأبحاث الاجتماعية في حالات الاعتداءات الجنسية التي يتعرض لها الأشخاص ذوو إعاقة، ومضيفا أن المادة 317-1 تلزم بتعيين محامٍ لفائدة الضحايا من ذوي الإعاقة، وتمكينهم من الاستفادة من المساعدة الاجتماعية في جميع مراحل المسطرة
وتوقّف عبيد عند قانون التنظيم القضائي، موضحا ما تنص عليه المادة 50 بشأن الأدوار الأساسية لمكاتب المساعدة الاجتماعية، والتي تشمل الاستقبال والاستماع والتوجيه، وإنجاز الأبحاث الاجتماعية، والقيام بالوساطة أو الصلح، إضافة إلى زيارة أماكن الإيداع والإيواء، وتتبع تنفيذ العقوبات والتدابير القضائية، ومواكبة وضعية ضحايا الجرائم والنساء ضحايا العنف.
وانتقل المتحدث بعد ذلك إلى مشروع قانون 24-29 المتعلق بالوكالة الوطنية لحماية الطفولة، موضحا أنه يتضمن عددا من المستجدات المرتبطة بحقوق الأطفال في وضعية إعاقة، من بينها تكريس مبادئ المساواة وعدم التمييز، وتوفير الولوجيات للنزلاء في وضعية إعاقة وفق ما تنص عليه المادة 3، وضمان حق التعليم الملائم لقدرات الأطفال كما ورد في المادة 4.
وأضاف أن المشروع يشمل حق التظلم أمام اللجان التأديبية (المادة 120)، وإمكانية طلب الإيداع بالمراكز المفتوحة (المادة 127)، وطلب الاستفادة من الرخصة الاستثنائية للخروج (المادة 128)، وطلب الإيداع بالمراكز المحروسة (المادة 150)، كما حددت المادة 153 المؤسسات المكلّفة بالأطفال المتسولين أو في وضعية تشرد أو المتخلى عنهم من ذوي الإعاقة.
ولفت عبيد إلى أن الوزارة تعمل أيضا على مراجعة شاملة لعدد من القوانين الأساسية المرتبطة بالأهلية القانونية، وعلى رأسها مدونة الأسرة، وقانون المسطرة المدنية، والقانون الجنائي.
وفي الجانب المتعلق بالولوجيات، أوضح عبيد أن وزارة العدل تواصل تكييف بنايات المحاكم مع المعايير الدولية من خلال تهيئة الممرات والمرافق الخاصة واعتماد تشوير ملائم، مؤكدا أن الوزارة تتفاعل بشكل مستمر مع توصيات اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب لضمان احترام حقوق الأشخاص ذوي إعاقة داخل معاقل المحاكم.
أما على مستوى الآليات، فقد عرض مختلف الوسائل المعتمدة لضمان الحماية والدعم لهذه الفئة، من بينها مكاتب المساعدة الاجتماعية ودورها في تقديم المواكبة الضرورية، إلى جانب خلايا العنف المنتشرة بـ113 محكمة ابتدائية واستئنافية، مع العمل على تهيئتها وتعزيزها بالوسائل التقنية والبشرية.
كما تطرق إلى آليات مكافحة الاتجار بالبشر التي تشمل مركزين للإيواء في فاس وطنجة، مع تخصيص فضاء خاص بالأشخاص ذوي إعاقة داخل مركز فاس، ومشيرا أيضا إلى دور المرصد الوطني للإجرام في رصد وتحليل الظواهر الإجرامية، بما فيها العنف ضد النساء، وجنوح الأحداث، والجرائم التي تستهدف الأشخاص في وضعية إعاقة.
وأضاف أن منظومة الحماية تشمل كذلك مراكز حماية الطفولة بنظاميها المحروس والمفتوح، إلى جانب مؤسسات الرعاية الاجتماعية المخصّصة للأطفال.
وشدد عبيد الحليمي على أن ما تحقق من مكتسبات يعد أمرا مهما، وهذه المرحلة تقتضي المزيد من العمل الجماعي لضمان الحقوق الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة، مؤكدا أن المرحلة تستدعي تضافر جهود مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاعات الحكومية.
وقدم في هذا السياق خمس توصيات اعتبرها أساسية، أولها تعزيز جهود التوعية والتحسيس لمناهضة الوصم الاجتماعي وخطاب التمييز، والتصدي للتمثلات الخاطئة والأحكام الجاهزة.
كما دعا إلى تطوير المنظومة القانونية المتعلقة بالأهلية القانونية بما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي هذا الصدد شدد على أهمية تقديم مقترحات عملية وحلول قابلة للتطبيق حول الإشكاليات المتعلقة بالأهلية القانونية من أصحاب المصلحة؛ إضافة إلى تقوية قدرات الفاعلين المتدخلين بشكل مباشر مع الأشخاص ذوي إعاقة.
وطالب أيضا بضرورة تعزيز الموارد البشرية داخل المؤسسات، بما في ذلك إدماج أشخاص من ذوي الإعاقة ضمن هذه الأطر، ومشددا على أهمية تعزيز التنسيق المؤسساتي، ودعم جمعيات المجتمع المدني وتشجيعها على الانفتاح والتواصل مع الهيئات الوطنية.
وأبرز عبيد الحليمي، إطار بمديرية الشؤون الجنائيةعبيد الحليمي، إطار بمديرية الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة- وزارة العدل، أن اختصاصات المديرية فيما يتعلق بقضايا الإعاقة محدودة وتقتصر فقط على المجالات التي تدخل في نطاق تدخل وزارة العدل، سواء على مستوى التشريع أو ما يرتبط بالبنيات التحتية للمحاكم والموارد البشرية التابعة لها، ومشددا على أن القضاء كمؤسسة مستقلة لا يدخل ضمن صلاحيات المديرية، وهو ما يستوجب توضيحه لتفادي أي خلط في الأدوار.
وأبان الحليمي خلال مداخلته أن تدخل الوزارة يشمل الجوانب التشريعية المتصلة مباشرة بملف الإعاقة، إضافة إلى ما يتعلق بالمحاكم من حيث البنايات، واللوجستيك، والموظفين التابعين للوزارة، من مساعدين اجتماعيين وهيئات مرتبطة بخطة العدالة، ومبينا أن المراكز الاجتماعية أو مؤسسات الرعاية فهي لا تدخل ضمن مسؤوليات المديرية، مؤكدا أن القانون 65.15 المتعلق بهذه المؤسسات لم يدخل بعد حيّز التنفيذ.
وأشار إلى وجود مؤسسات تُعنى بالإعاقة، غير أن تفعيلها وتدبيرها لا يدخلان ضمن اختصاصات القطاع، وهو ما وجب توضيحه، ومسجلا أن بعض المراكز التي يُعتقد أنها تابعة لوزارة العدل، مثل مركز “فاس”، ليست كذلك، بل قد تكون مراكز اجتماعية أو فضاءات للإيواء المؤقت لضحايا الاتجار بالبشر.
وأضاف الحليمي أن تجربة إحداث مراكز لإيواء ضحايا الاتجار بالبشر تُعدّ تجربة رائدة ينبغي الافتخار بها، بعد تمكن المغرب من إنشاء مركزين إثنين مخصصين لهذا الغرض.
ولفت إلى أن أحد هذه المراكز أُعدّ وفق معايير تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك الإعاقة المؤقتة، وهو ما اعتبره خطوة إيجابية في إطار الجهود الوطنية، ومعبرا عن تقديره للنقاش والتفاعل باعتباره مهما وضروريا لتوضيح الأدوار وتعزيز الفهم المشترك.
♦الأهلية القانونية والإعاقة
وفي ذات الاتجاه، أكد أنس سعدون قاض، وعضو مؤسس لنادي قضاة المغرب، وللمرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية، أن اللحظة التي تعيشها هذه الندوة هي فرصة حقيقية لطرح سؤال جوهري: إلى أي مدى تُؤخذ وضعية الإعاقة في صلب الأجندة التشريعية والقضائية؟ .
وقال سعدون في مداخلته إن المرحلة الحالية تأتي بالتزامن مع دخول عدد من القوانين الجديدة حيّز التنفيذ، من بينها قانون المسطرة المدنية وقانون العقوبات البديلة، وهي نصوص تثير أسئلة عميقة حول مدى استفادة الأشخاص في وضعية إعاقة من مضامينها.
ورأى أن النقاش يطرح مجموعة من الإشكالات المركزية، أولها مدى قدرة المنظومة القانونية على ضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، خصوصا في ظل تحديات التشريعات الحالية التي تحتاج إلى مراجعات لاستيعاب البعد المرتبط بالإعاقة، سواء داخل القانون نفسه أو عبر تفاعل جمعيات المجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين.
وأظهر أن من بين أهم الإشكالات المعروضة على القضاء اليوم تلك المتعلقة بالزواج، الأهلية، والحياة الأسرية، حيث القانون يسمح من حيث المبدأ بزواج الشخص الذي يستطيع التعبير عن إرادته، لكن الواقع يُظهر حالات عديدة لأشخاص يعانون من إعاقة ذهنية تم تزويجهم رغم غياب قدرتهم الحقيقية على اتخاذ القرار المستقل، مبينا أن هذه الوضعية تبرز الخوف من استغلال الأشخاص في وضعية هشاشة، وهو ما دفع بعض الجمعيات إلى المطالبة بتشديد الضوابط القانونية حمايةً لهؤلاء.
وأضاف أن النقاش لا يتعلق فقط بالزواج، بل أيضا بالطلاق، وإنهاء العلاقة الزوجية، والتصرفات المدنية، حيث يبقى التساؤل مطروحا حول ما إذا كان الشخص في وضعية إعاقة يتوفر فعلا على القدرة القانونية لمباشرة هذه الإجراءات.
وانتقل سعدون إلى إشكال الحضانة، مؤكدا أن عدد من الأحكام القضائية اعتمدت الخبرة الطبية لإسقاط الحضانة عن أشخاص ذوي إعاقة، رغم أن التشريعات لا تعتبر الإعاقة سببا لإسقاط الحضانة.
وبيّن أن بعض التقارير الطبية بنت خلاصاتها على تصورات اجتماعية متحيزة، وليس على تقييم موضوعي لقدرة الشخص على رعاية الطفل، مستعرضا عددا من القضايا الواقعية التي خسر فيها أحد الوالدين حضانة أبنائه فقط لأنه يعاني من شلل أو إعاقة حركية، رغم أن القانون لا يجيز هذا النوع من التمييز.
وأشار أيضا إلى حالات مضادة، حيث قامت محاكم أخرى برفض إسقاط الحضانة، معتبرة أن الإعاقة في حد ذاتها ليست مانعا، وأن المعيار الأساسي يجب أن يكون المصلحة الفضلى للطفل، وقدرة الحاضن الحقيقية على رعايته.
وتوقف عند قضايا أخرى معقدة تتعلق بالنفقة والعمل والوضعية الاقتصادية، مُبرزا أن بعض الأشخاص في وضعية إعاقة يُعاملون من طرف القضاء على أساس أن إعاقتهم تمنعهم تلقائياً من الكسب، دون تقييم فعلي لواقعهم المهني وقدراتهم العملية.
ثم انتقل سعدون إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية: العلاقة الجنسية والمسؤولية الجنائية، موضحا أن الاجتهاد القضائي يتجه ــ غالبا ــ إلى اعتبار أي علاقة جنسية بين شخص راشد وشخص يعاني من إعاقة ذهنية بمثابة جناية، لأن الشخص ذي الإعاقة الذهنية يُعتبَر غير قادر على التعبير عن الرضا الجنسي الحر، وبالتالي فهو في وضع يحميه القانون من أي استغلال.
واستعرض قضية لامرأة تعاني من إعاقة، وُجّه إليها اتهام بالمشاركة في الخيانة الزوجية، قبل أن تُظهر الخبرة أنها كانت ضحية اغتصاب، وأنها غير قادرة على الإدراك الكامل للعلاقة، ما دفع المحكمة إلى إعادة التكييف وتصحيح مسار المتابعة القضائية.
وخَلُص سعدون إلى أن كل هذه الملفات ــ من الزواج إلى الحضانة، ومن الأهلية المدنية إلى المسؤولية الجنائية ــ تكشف حجم التعقيدات التي يطرحها موضوع الإعاقة داخل المنظومة القانونية، وأن المطلوب اليوم هو نقاش عميق يعيد النظر في كيفية صياغة القوانين وتطبيقها بما يحمي حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، ويرفع عنهم كل أشكال التمييز أو الاستغلال.
وأنهى المتحدث مداخلته بأن هذه الأسئلة ليست لها إجابات جاهزة، بل تتطلب عملا تشريعيا، قضائيا ومجتمعيا منسجما، حتى نضمن أن الأشخاص في وضعية إعاقة يحظون فعلا بالاعتراف بأهليتهم وبحقوقهم، وفق ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية والدستور والقوانين الوطنية.
♦تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة
وفي نفس الاتجاه ذهب أحمد برقية، رئيس المنتدى المغربي لحقوق الأشخاص في وضعة إعاقة وعضو المنتدى العربي للإعاقة، أن تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من ممارسة أهليتهم القانونية يتطلب أولا توفير الدولة لشروط وإجراءات عملية تجعل هذه التدابير تخدم فعليا حقوقهم وتضمن قدرتهم على ممارستها، ومشددا على أن المنظومة الحالية ما زالت تعاني من تعقيدات وشروط صعبة، خصوصا ما يتعلق بربط الأهلية بالقدرة النفسية والعقلية.
وأوضح أحمد برقية في مداخلته أن ضمان ممارسة الأشخاص ذوي الإعاقة لحقهم في الأهلية القانونية يستدعي من الدولة توفير التدابير الضرورية التي تجعل هذه الآليات فعالة وتصب في مصلحتهم.
وقال في مداخلته، إن العودة إلى التفاصيل القانونية، سواء في المرجعية الدولية أو التشريعات الوطنية، تكشف عن وجود شروط صعبة ومعقدة، خصوصا حين يفترض المشرّع أن الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية يجب أن يمتلكوا قدرة نفسية وعقلية كاملة لممارسة حقوقهم، وهو تصور يشكّل أحد أبرز الإشكالات في المنظومة الحالية.
وذهب برقية إلى أن الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة قدّمت بدائل واضحة، من بينها المساعدة القانونية والدعم المصاحب لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة أهليتهم، مبينا أنه على المستوى الوطني، ما تزال تُطرح إشكالات مرتبطة بالوصم والتشكيك في أهلية الشخص، سواء في التعاملات اليومية أو في الإجراءات الإدارية، كالتشكيك في الشهود أو رفض الوثائق بدعوى “عدم الأهلية”، وهي ممارسات تكرّس التمييز وتُضعف ثقة الأشخاص بأنفسهم.
وأضاف أن هناك تناقضا ملحوظا في الممارسة داخل بعض القطاعات الحيوية، مثل قطاع التعليم، حيث يُسمح ــ بوعي أو بدون وعي ــ لأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية باجتياز مباريات تتطلب أصلا أهلية في التصرف، معتبرا أن هذا الواقع كان يجب أن يشكّل نقطة انطلاق لبناء نموذج يُعمّم على باقي الحقوق والتصرفات، بدل أن يظل استثناءً معزولًا.
واعتبر أن جزءا كبيرا من هذه الإشكالات مرتبط بالتمييز، حيث هذه الأخيرة ليست فقط فعلا مباشرا، بل هو نتيجة لتحيزات متجذرة لدى الأفراد، وهذه التحيزات تُنتج تمييزا صريحا أو ضمنيا، وداعيا إلى تعزيز الوعي، سواء لدى الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم أو لدى العاملين في المرافق العمومية المكلفين بتقديم الخدمات.
وأنهى برقية مداخلته بالتأكيد على أن ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقية الدولية ما تزال تصطدم بصعوبات تتعلق بالإمكانات البشرية والمادية، خصوصا فيما يخص توفير الدعم والمساندة التي تتطلب تكوينًا وكفاءة وموارد كافية.
♦غياب الأهلية القانونية للأشخاص المعاقين
شدد الباحث في مجال الإعاقة منير خير الله على أن جوهر الإشكال في المغرب يكمن في غياب الأهلية القانونية الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، معتبرا أن أي نقاش حول حقوقهم يظل ناقصا ما دامت البنيات الاجتماعية والمؤسساتية تعيد إنتاج الوصاية والتمييز، ومؤكدا أن المطلوب اليوم ليس التدرج، بل تغيير جذري وهيكلي يُنهي هذا النموذج التقليدي.
وقال خير الله في مداخلته إنه يتبنى مقاربة تنطلق من اعتبار الإعاقة صراعا بين الأشخاص المعاقين والبنيات الاجتماعية المتحكمة، وأن استمرار هذه البنيات في فرض وصايتها يعرقل كل إصلاح حقيقي.
وأضاف أنه فضّل إعادة صياغة عنوان مداخلته ليعكس هذا التصور: “الأهلية القانونية للأشخاص المعاقين في المغرب: تقاطعات الوصاية الاجتماعية وهشاشة المجتمع المدني، وسلبيات الفعل المؤسساتي”.
وانتقل للحديث عن دور المجتمع المدني، مشيرا إلى أن تاريخه في مجال الإعاقة هو تاريخ صراع بين أصحاب المصلحة المباشرة ــ الأشخاص المعاقون والداعمون لهم ــ وبين فاعلين آخرين مستفيدين من الوضع القائم، بينهم جمعيات ومهنيون، وأحيانا حتى أشخاص معاقون، معتبرا أن جزءا من هذا الصراع يدور حول “من يستفيد من الكعكة”.
واعترف، في المقابل، بأن المجتمع المدني قام بأدوار كبيرة، حيث كان عينا راصدة للانتهاكات، وشارك في تقديم خدمات عمومية بعدما تخلّت الدولة عنها، عبر مراكز متخصصة تلعب اليوم دور “البديل الاضطراري”، ومشددا على أن هشاشة المجتمع المدني نفسه تطرح تحديات حقيقية تشمل في ضعف التملك المفاهيمي لقضايا الإعاقة، وتفاوت فعلي في فهم مضامين الاتفاقية الدولية رغم التقارب الظاهري في الخطاب، وهشاشة بنيوية تتمثل ضعف التنظيم، غياب رؤية استراتيجية، وأزمات في القيادة، إضافة إلى إعادة إنتاج خطاب تقليدي بعبارات حقوقية “لامعة” لا تعكس دائماً حاجيات الأشخاص المعاقين.
وتوقف عند مشكلة الوصاية داخل المجتمع المدني، مبرزا أن العديد من الجمعيات ــ ومن ضمنها جمعيات الآباء ــ تتحدث باسم الأشخاص المعاقين دون ضمان أن صوتهم الحقيقي حاضر في القرار. وهذا، بحسبه، يعيد طرح سؤال الأهلية القانونية من جديد: “هل مكّنا الأشخاص المعاقين من أهلية حقيقية قبل أن نتحدث باسمهم؟“
وأضاف أن تقارير الهيئات الوطنية، خصوصا الآلية الوطنية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، نبّهت إلى هذا الخلل في تمثيل المصالح، مشيرا إلى أن بعض جمعيات الإعاقة ما تزال أسيرة المقاربة الإحسانية والطبية، رغم التوصيات الواضحة الداعية للتخلي عنها نهائيا، ومضيفا أنها تركّز في الغالب على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية على حساب الحقوق المدنية والسياسية، ومن ضمنها الحق في الأهلية القانونية، رغم أن هذه الأخيرة هي التي تُحدث التحول الهيكلي الحقيقي، حيث المعطيات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 60% من الشكايات تتعلق بالخدمات الاجتماعية، وهو ما يعكس انزياحاً عن جوهر المعركة الحقوقية.
وأوضح أن هذا التركيز على الحقوق الاجتماعية لا يختلف كثيرا عن المقاربة المؤسساتية للدولة التي تميل بدورها إلى “الحقوق السلبية” الأقل كلفة، في حين تظل الحقوق البنيويةــ مثل إمكانية الولوج ـــ مهملة. واستشهد خير الله بنموذج النقل السككي، حيث يستمر التعامل مع الموضوع كمسألة مالية بدل اعتباره مسألة إمكانية وصول تكفلها الاتفاقيات الدولية، ومتحدثا أيضا عن تداخل النماذج داخل الجمعيات: خطاب حقوقي يقابله سلوك يميل نحو الرعاية، الخدمات، والإحسان. وهذا التناقض يشتت الجهود ويُضعف قدرة المجتمع المدني على إحداث تحول اجتماعي حقيقي.
وأكد أن غياب الترتيبات التيسيرية داخل الجمعيات نفسهاــ من لغة الإشارة إلى أدوات التواصل لذوي الإعاقة الذهنية والتوحدــ يكشف أن الإقصاء يُعاد إنتاجه حتى في الفضاءات المفترض أنها تدافع عن الحقوق.
ورأى أن هذه الاختلالات تفرز مفارقة النوايا الحسنة: جمعيات تعمل بحسن نية، لكن ممارساتها تكرس الوصاية والاستبعاد بدون قصد، ملفتا إلى أن التحديات تتعمق بسبب صعوبات بنيوية: ضعف الإمكانيات، نقص الرؤية، وأزمة في القيادات.
وختم خير الله بأن التركيز على الأهلية القانونية ليس ترفا فكريا، بل هو جوهر الصراع ومفتاح تغيير البنيات الاجتماعية، ومعتبرا أن تجاوز النموذج التقليدي للرعاية هو الطريق الوحيد لتمكين الأشخاص المعاقين من ممارسة حقوقهم بأنفسهم، داخل مجتمع مدني ودولة يتعاملان معهم باعتبارهم فاعلين كاملين، وليس موضوعاً للرعاية أو الإحسان.













