تثير وضعية حركة “جيل زد” في المغرب نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والبحثية، عقب فترة من التراجع الواضح في حضورها الميداني.
ويتمحور الجدل حول مدى قدرة هذا الحراك الشبابي على إنتاج رؤية سياسية واجتماعية متماسكة، في ظل تنوع المقاربات وتعدد الخلفيات الاجتماعية والفكرية للمنخرطين فيه.
ومع ترقب ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة، يظل مستقبل الحركة رهينا بقدرتها على إعادة ترتيب أولوياتها، وبلورة موقعها داخل المشهد العام، وصياغة بدائل عملية تستجيب لتطلعات جيل واسع يبحث عن أفق سياسي واجتماعي أكثر وضوحا واستقرارا.
خطاب بلافريج وجيل “زيد”… هل تكسر المؤسسات التقليدية والأحزاب حاجز التغيير؟
♦الغياب المؤقت للحركة
أكد جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن حركة “جيل زِد” لم تغادر المشهد العام بالمملكة، موضحا أن ما تراجع هو حضورها الميداني فقط نتيجة ما واجهته من تضييق، مبينا أن الشباب ما يزالون متمسكين بمطالبهم الاجتماعية، غير أن تعبيرهم عنها بات أقل بروزاً مقارنة بفترة انطلاق الحركة.
ويشير الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن هذا الابتعاد عن الشارع ظرفي وليس نهائيا، مؤكدا أن عودة النشاط مرجّحة فور توفّر شروط أكثر ملاءمة.
ويوضح المتحدث أن عوامل التراجع متعددة ومتشابكة ولا يمكن حصرها في سبب واحد، مبرزا أن أبرزها يرتبط بما وصفه بالقمع المفرط الذي طال آلاف الشباب، ومضيفا أن معطيات صادرة عن النيابة العامة تشير إلى أنّ أكثر من خمسة آلاف شخص خضعوا للاعتقال، فيما جرى متابعة ما يزيد عن ألفي شاب بأحكام وُصفت بالقاسية.
جيل زد والاحتجاجات العنيفة… هل يعكس التخريب شعورا بالحرمان أم خللا مؤسسيا في التأطير الاجتماعي؟
وبيّن أن حجم القوة التي استُخدمت في مواجهة حركة جيل زِد أثّر مباشرة في الروح المعنوية للشباب، وأضعف قدرتهم على التنظيم الجماعي، مؤكدا أنهم لم يكونوا يتوقعون ذلك المستوى من العنف ومقدار الرد الأمني، ومضيفا أن التدخلات الرسمية وغير السمية لعبت دورا في تراجع الحركة الأمر الذي أفضى إلى تشتيت انتباه الشباب وتشويش استراتيجياتهم.
وأظهر العسري أن هذه التدخلات كانت نوعا من الالتفاف على مطالب الشباب، إذ أدت إلى تراجع الزخم، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحركة لن تختفي، وأن الشباب سيعودون إلى التظاهر والنشاط الميداني بمجرد ظهور فرصة مناسبة للتعبير عن مطالبهم.
♦الاختراقات والصراعات الداخلية
يرى جمال العسري أن حركة جيل زِد تعرضت لاختراقات من جهات متعددة، سواء من بعض مكوّنات المعارضة أو من أطراف داخل الأغلبية، إضافة إلى الدولة، فضلاً عن أجهزة خارجية سعت إلى توجيه الشباب أو التأثير عليهم، ومؤكدا أن هذه التدخلات استهدفت خدمة مصالح سياسية معينة على حساب المطالب الجوهرية التي رفعتها الحركة.
ولمّح إلى أن تلك التدخلات أفرزت صراعات داخلية بين الشباب أنفسهم، بعدما انقسموا بين من يعتبر أن الأولوية يجب أن تُمنح للمطالب الاجتماعية المباشرة، مثل التعليم والصحة والسكن والعمل، وبين من يرى أن الاستجابة لهذه المطالب لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مسار إصلاح سياسي شامل ومستدام.
وذهب إلى أن جزءا من الخلافات التي برزت داخل الحركة كان مرتبطا بغياب مركز قيادي يجمع مكوّناتها، إذ لم تتوفر آليات تضبط التنسيق بين المجموعات أو تحدد كيفية اتخاذ القرار بشكل مشترك، مبرزا أنه نتيجة لهذا الفراغ التنظيمي، ظهرت بيانات متباعدة، كما انسحبت بعض المجموعات، ومنها المجموعة الأمازيغية، من عدد من المدن.
وأبرز أن هذا التشتت انعكس بشكل مباشر على الزخم الاجتماعي والانتشار المكاني للحركة، وقلل من قدرة الشباب على توحيد الصفوف والتحرك في مسارات احتجاجية منسقة.
“إسقاط” حكومة أخنوش ..هل يضع الخطاب الملكي حداً للتأويلات حول صلاحيات إعفاء رئيس الحكومة ؟
وكشف العسري أن التحديات التي واجهت الحركة لم تكن ذات طابع داخلي فقط، بل ارتبطت أيضا بتباين الخلفيات الاجتماعية والفكرية لأعضائها، حيث تضم شباباً ينحدرون من طبقات اجتماعية مختلفة، ويحملون مستويات تعليمية وثقافات ورؤى فكرية متباينة، وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق حول البدائل المستقبلية أمرا أكثر تعقيدا، ومؤكدا أن الجامع المشترك بينهم يتمثل في رفضهم للواقع الحالي، في حين تختلف تصوراتهم بخصوص طبيعة الإصلاحات والحلول التي ينبغي تبنيها.
♦التحديات البنيوية للحركة
أبرز جمال العسري أنّ حركة جيل زد تتعاطى اليوم مع اختلالات بنيوية عميقة، يتقدّمها غياب إطار فكري وسياسي محدّد، مبينا أن الشباب وإن كانوا يستبصرون ما يرفضونه في الواقع القائم، إلا أنهم لا يتوافقون حول البدائل الممكنة أو المسارات الإصلاحية التي يفترض تبنّيها، وموضحا أن هذا التبايُن في الرؤية يعرّض الحركة لاهتزازات داخلية وصدامات تنظيمية، ويُضعِف قابليتها على موضعة مطالبها ضمن أجندة واضحة وفاعلة.
وقال الفاعل السياسي إن الحركة مطالبة باستيعاب أسس الإصلاح داخل القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم والصحة، مبرزا أن الإصلاح لا ينبغي أن يظل محصوراً في الجانب المادي أو في تحسين البنيات التحتية فقط، بل يتوجب أن يمتد ليشمل تجديد المناهج، والارتقاء بجودة التعلم، ودعم منظومة الصحة العمومية، مع ضبط الممارسات غير المنصفة داخل القطاع الصحي الخاص.
كما نبّه إلى أن ضعف التكوين السياسي لدى جزء من المنخرطين يحُدّ من قدرتهم على مجاراة الضغوط التنظيمية، بخلاف تجربة حركة 20 فبراير التي أحسنت تدبير الزخم الشبابي ضمن نسق سياسي أكثر تماسكا.
الاحتجاجات الشبابية في المغرب المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية… كيف ستتعاطى الحكومة معها؟
وأردف أن التنوّع الاجتماعي داخل الحركة—من الفئات الميسورة إلى الشرائح الكادحة، ومن المثقفين والمتعلمين إلى الطلبة—يُراكِم طبقات إضافية من التعقيد؛ فتصوّراتهم للواقع والبدائل ليست دائمًا منسجمة، وإن كان يجمعهم قاسم مشترك واحد وهو استنهاض واقع جديد يقوم على إصلاح شامل ومستدام.
♦استعادة الزخم وبناء المستقبل
ذكر العسري أن استعادة الزخم تقتضي امتلاك رؤية دقيقة ومحدّدة، تسمح بـتمييز ما ينبغي تغييره بشكل محكم، واستحداث بدائل واقعية يمكن البناء عليها في المستقبل.
وأفاد بأن صياغة مشروع سياسي واجتماعي صريح، مع ترسيخ قيادة ديمقراطية ذات مرجعية واضحة، يشكّل ركيزة ضرورية لـتحصين الشباب من الارتباك الداخلي والتأثيرات الخارجية، ولـتوليد قرارات جماعية أكثر تماسكًا وفعالية.
وأكد أن الشباب قادرون على استخلاص الدروس من التجارب السابقة، بما في ذلك لحظات التوتر والانقسام، مما يتيح لهم إعادة تنشيط الحراك بطريقة أكثر نضجا وتنظيما، مشددا على أن المطالب الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة والسكن والعمل يجب أن تتكامل مع رؤية سياسية واضحة لضمان تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
وأشار إلى أن أي مسار إصلاحي يجب أن يراعي التنوع الاجتماعي والفكري داخل الجيل الشاب، لضمان أن تكون الحلول شاملة وغير مجتزأة.
وعبر العسري عن ثقته الكاملة في حركة جيل زد، مؤكدا أن الشباب قادرون على تحويل مشاعر الغضب إلى مشروع تغييري طويل المدى، يرتكز على وضوح الرؤية، وانسجام القيادة، واحترام التعدد القيمي داخل المجتمع.
وخلص إلى أن استدامة الوضع الحالي قد تستدعي عودة الاحتجاج إذا استمرت الإصلاحات في التعثر، معتبرا أن الحركة ستواصل ابتكار مسارات بديلة وفعالة، تُعزز المصلحة العامة وتُطلق طاقات الشباب نحو مستقبل أكثر عدلا ورسوخا.

