يتواصل الجدل داخل الحزب الاشتراكي الموحد حول أسلوب تدبير الخلافات الداخلية ومسار تطوره التنظيمي، في ظل بروز تيار يعبر عن رفضه لعدد من الممارسات السياسية والتنظيمية المعتمدة داخل الحزب.
ويعكس هذا الحراك تصاعد التوتر بين مكونات التنظيم، في سياق نقاش أوسع يرتبط بأسس التسيير وآليات اتخاذ القرار داخل الهياكل الحزبية.
كما يأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الوطني ديناميات اجتماعية متسارعة، أعادت طرح أسئلة حول أدوار الأحزاب في تمثيل المطالب المجتمعية وقدرتها على مواكبة التحولات الجارية، مع إبراز إشكالية التوازن بين وحدة التنظيم وتعدد الآراء داخله.
♦خلفية الاجتماع السياسي الحزبي
أكد المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد وعضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، العلمي الحروني، أن البلاغ الصادر جاء عقب اجتماع التنسيقية الوطنية المنعقد يوم 10 أبريل الجاري، باعتباره اجتماعا جاء نتيجة غياب النقاش، وغياب الحوار، وغياب التواصل من الجهة الأخرى، خصوصا من طرف المكتب السياسي.
وفسر الحروني في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا البلاغ لم يأت في سياق معزول، بل نتيجة مسار طويل من التوتر داخل الحزب، حيث اعتبر أن المكتب السياسي فشل تنظيميا وسياسيا وفكريا، بل وانحرف عن الخط السياسي الأصلي للحزب، ما عمق الأزمة بدل حلها، مشددا على أن الخلاف ليس تنظيميا فقط بل سياسي في العمق.
واسترجع المتحدث سياق ما قبل المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في أكتوبر 2023، حيث كان هناك حراك داخلي نشط داخل الحزب الاشتراكي الموحد يطالب بإعادة البناء، مع وجود تعبئة واسعة داخل المناضلين من أجل تغيير المسار التنظيمي والفكري، استعدادا لمواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية بالمغرب.
وسجل أن هذا السياق مرتبط بتحولات اجتماعية كبرى عرفها المغرب منذ حراك 20 فبراير 2011، مرورا بحركات الريف، جرادة، إيمضر، الأساتذة المتعاقدين، القطاع الصحي، وطلبة الطب والصيدلة، معتبرا أن هذه الديناميات تجاوزت الأحزاب التقليدية التي بقيت منغلقة وغير قادرة على التجاوب.
♦أزمة التنظيم والخلاف الداخلي
انتقد العلمي الحروني ما وصفه بتقادم الحزب الاشتراكي الموحد، باعتباره امتدادا لليسار الجديد المغربي منذ السبعينات، وخاصة من بعد انتفاضة 23 مارس، موضحا أن هذا الامتداد التاريخي يفرض ضرورة التأقلم مع الوضع الجديد بدل الجمود أو التراجع نحو الماضي.
واتهم المتحدث القيادة الحالية بعدم الالتزام بمشروع إعادة البناء، مشيرا إلى أنها لجأت إلى طرد مناضلين، وإغلاق فروع تنظيمية، والاستقواء بقرارات إدارية، بما في ذلك التبليغ لوزارة الداخلية، إضافة إلى ما وصفه بالدوس على القانون الأساسي والقانون الداخلي للحزب.
وأبرز أن المؤتمر الوطني الخامس عرف فشلا كبيرا، حيث لم تتم مناقشة أي مشروع ورقة داخل الجلسات الافتتاحية أو الختامية أو العامة، وتم الاكتفاء بتمرير التقريرين الأدبي والمالي فقط، ثم تحويل الأوراق إلى المجلس الوطني دون نقاش فعلي داخل الفروع والقطاعات.
كما شرح اختلالات القانون الأساسي، موضحا أنه تم تغييره وإرساله للسلطات دون احترام حقوق المناضلين، حيث جرى إلغاء مبدأ التعبير عن الرأي المخالف بين مؤتمرين، وتأجيل النقاش حول التيارات، قبل أن يعاد تغييره لاحقا تحت ضغط داخل المجلس الوطني.
وأوضح أن القانون الداخلي تم تعديله بشكل مخالف للتوافقات السابقة، حيث تم فرض شرط 40 توقيعا من المجلس الوطني لتقديم المبادرات، بدل الاتفاق السابق الذي كان يحدد 3 أعضاء من المجلس الوطني والباقي من خارجه، وهو ما اعتبره إخلالا بالتعاقد التنظيمي.
ونقل المتحدث تفاصيل التوقيعات التي بلغت 40 رفيقا ورفيقة على الأرضية، مع تسجيل ضغوط على بعض المناضلين لسحب توقيعاتهم، حيث لم يسحب أحد باستثناء اثنين فقط داخل الآجال القانونية، وتم تعويضهما وفق المساطر التنظيمية.
وأضاف العلمي الحروني أن التنسيق أحال الأرضية التنظيمية إلى لجنة التحكيم والمكتب السياسي وسكرتارية المجلس الوطني، مؤكدا أنها عالجت خمسة محاور رئيسية تشمل الوضع الدولي، والوضع الوطني وآفاقه، والبرنامج الحزبي، والتحالفات السياسية، إلى جانب محورين إضافيين يرتبطان بالقضية الأمازيغية والهوية الثقافية.
وتابع بأن التنسيق قدم رؤية فكرية تعتبر الهوية المغربية أمازيغية منفتحة ومتلاقحة مع باقي الثقافات، بما فيها العربية، مع قراءة يسارية للدين تقوم على اعتباره دين جميع المغاربة، ورفض احتكاره من طرف الإسلام السياسي أو الدولة، مع التأكيد على مبدأ حرية المعتقد والفصل بين الدين والدولة.
♦إعلان التيار ومسار المواجهة
كشف أن غياب التفاعل مع المراسلات المتكررة والمبادرات التنظيمية، بما فيها أربع مبادرات من رفاق خارج التيار، إلى جانب تجاهل المكتب السياسي، خلق حالة انسداد سياسي وتنظيمي داخل الحزب، رغم محاولات متعددة للحوار والتواصل.
وأفاد أنه بعد انتظار دام حوالي عامين، تم تنظيم ندوة صحفية ناجحة بنادي المحامين بالرباط، تم خلالها الإعلان عن تأسيس تيار جديد متجدد داخل الحزب الاشتراكي الموحد، معتبرا أن هذا القرار جاء نتيجة طبيعية لمسار طويل من التعثر والتأجيل.
وأكد أن هذا الإعلان تم بشكل علني وضمن النقاش الحزبي، وليس في إطار سري، مشيرا إلى أن القرارات كانت موضوع نقاش داخل المجلس الوطني الثالث، وأن ما تم هو تعبير عن أزمة حقيقية في تدبير الاختلاف داخل التنظيم.
وأبان أن التيار يضم 41 مناضلا ومناضلة يعتبرهم من المؤسسين والأيقونات داخل الحزب، مؤكدا أنهم لن يغادروا الحزب، بل سيواصلون النضال من داخله وإعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية.
وذهب العلمي الحروني إلى أن الهدف ليس مغادرة الحزب، بل إنقاذه من الانغلاق والتراجع، مع التأكيد على أن استمرار غياب الحوار والالتزام بالتعاقدات التنظيمية قد يفرض مستقبلا خيارات نضالية أخرى أكثر تنظيما ووضوحا، مع بقاء خيار الإصلاح من الداخل هو الأساس.

