سلط رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، الضوء على التحولات الكبرى التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة، محذرا من أن تأثير هذه التكنولوجيا تجاوز الجانب التقني ليشمل أنماط التفكير والسلوك وطرق اتخاذ القرار، داعيا إلى بناء مقاربة وطنية تضمن للمغرب التحكم في بياناته وبنياته الرقمية وتعزيز قدراته البشرية.
وأبرز اعمارة أن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح رهانا استراتيجيا لا يرتبط فقط بتوفير التجهيزات والاستثمارات، بل يستند أساسا إلى القدرة على تعبئة الكفاءات الوطنية وتثمين الرصيد المعرفي المغربي، سواء داخل المملكة أو لدى المغاربة المقيمين بالخارج.
وأوضح خلال لقاء نظمه المنتدى المغربي للكفاءات والنخب بالرباط، أن المغرب يتوفر على طاقات بشرية مؤهلة في مجالات البحث العلمي والتطوير والابتكار الرقمي، مؤكدا أن هذه الكفاءات تمثل رافعة أساسية لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة ودعم المشاريع الوطنية في هذا المجال.
ولفت إلى أن حضور الخبرات المغربية في الجامعات العالمية ومراكز البحث والشركات التكنولوجية الكبرى والمقاولات الناشئة يمنح المملكة فرصة لتعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي، مشيرا إلى أن مغاربة العالم يمكن أن يساهموا في نقل المعرفة وتأطير المبادرات المبتكرة وربط جسور التعاون العلمي.
وأكد أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في اختيار الانخراط في الذكاء الاصطناعي من عدمه، باعتبار أن هذه التكنولوجيا أصبحت واقعا عالميا، وإنما في امتلاك شروط استخدامها والتحكم في مساراتها وتوجيهها لخدمة التنمية وإنتاج المعرفة وتحسين الخدمات وتعزيز استقلالية القرار الوطني.
وحذر رئيس المجلس من أن الاستخدام غير المؤطر للذكاء الاصطناعي قد يفتح المجال أمام تأثيرات غير مباشرة على الأفراد والمجتمعات، خصوصا مع انتقال هذه الأنظمة من معالجة المعلومات إلى التفاعل مع المستخدمين عبر محاكاة أشكال من التواصل الإنساني، وهو ما يطرح تحديات اجتماعية وثقافية جديدة.
واستند اعمارة إلى نتائج أبحاث حديثة كشفت توسع أدوار الذكاء الاصطناعي لتشمل وظائف تتجاوز تقديم المعلومات، حيث أصبحت بعض التطبيقات تؤدي أدوارا تواصلية تجعل المستخدم يشعر بوجود طرف قادر على التفاعل معه، معتبرا أن هذه التحولات تستوجب مواكبة فكرية ومجتمعية استباقية.
واستعرض جهود المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مواكبة التحولات الرقمية، من خلال إصدار تقارير وآراء تناولت قضايا الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والبحث والابتكار، بهدف المساهمة في بلورة رؤية وطنية حول مستقبل التكنولوجيا بالمغرب.
واعتبر أن الذكاء الاصطناعي ينبغي التعامل معه كأولوية وطنية تتطلب سياسات عمومية تشجع على استعماله بشكل مسؤول، والعمل على تطوير صناعة مغربية في هذا المجال بحلول 2030، تقوم على البحث العلمي والشراكات بين القطاعين العام والخاص وإنتاج حلول مبتكرة قابلة للتنافس.
وحدد المجلس عددا من المجالات التي يمكن أن تشكل أرضية خصبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها قطاعات التربية والصحة والفلاحة، بالنظر إلى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة وتحسين الأداء والخدمات.
كما شدد اعمارة على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلا عن الإنسان، مؤكدا أن نجاح التحول الرقمي يظل مرتبطا بتطوير القدرات الفكرية والإبداعية وتعزيز مهارات التحليل والنقد وإنتاج المعرفة، باعتبارها عناصر أساسية لتحقيق السيادة الرقمية.
ودعا إلى اعتماد برنامج وطني للتربية الرقمية والخوارزمية والإعلامية يرافق المواطن منذ مراحل التعليم الأولى وصولا إلى الحياة المهنية، بما يسمح بفهم أفضل للتكنولوجيا والتعامل معها بوعي واستقلالية.
وطالب كذلك بتقوية منظومات التكوين المستمر وتطوير البحث العلمي عبر ربط الجامعات ومراكز الابتكار بالقطاع الاقتصادي، بهدف خلق بيئة وطنية قادرة على إنتاج حلول رقمية تلائم خصوصيات المغرب.
وأبرز أن الكفاءات المغربية المنتشرة عبر العالم تمثل رصيدا استراتيجيا يمكن استثماره في بناء اقتصاد المعرفة، مشيرا إلى أن العديد من الخبراء المغاربة يساهمون اليوم في تطوير مشاريع وتكنولوجيات متقدمة داخل مؤسسات دولية مرموقة.
وشدد على أن الأولوية لا ينبغي أن تقتصر على استعادة هذه الكفاءات، بل على خلق آليات دائمة للتعاون معها والاستفادة من خبراتها، عبر شبكات رقمية وشراكات علمية تسمح بمساهمتها في المشاريع الوطنية من مواقع إقامتها.
واستحضر اعمارة توصيات المجلس المتعلقة بتعزيز ارتباط المغرب بكفاءاته بالخارج، من خلال تسهيل مشاركة الأكاديميين والباحثين المغاربة المقيمين بالخارج في التدريس وتأطير الأبحاث والمساهمة في تطوير المنظومة العلمية الوطنية.
وأكد أن بناء القوة الرقمية لا يتحقق فقط عبر امتلاك التجهيزات والبيانات، بل يتطلب استثمارا متواصلا في الإنسان، باعتباره العنصر الأساسي القادر على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة مضافة اقتصادية ومجتمعية.
وخلص رئيس المجلس إلى أن المغرب مطالب بالانتقال من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاج حلول رقمية مبتكرة، قادرة على الاستجابة لحاجياته والمساهمة في تطوير المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي.
وجدد دعوته إلى تعبئة كفاءات مغاربة العالم والانخراط في مشروع التحول الرقمي الوطني، باعتبارها شريكا أساسيا في تعزيز السيادة الرقمية ودعم التنمية ومواجهة التحولات التكنولوجية القادمة.

