كرست مديرية أملاك الدولة خلال سنة 2025 موقع العقار العمومي كأحد أهم أدوات تنفيذ السياسات العمومية والأوراش الاستراتيجية التي تشهدها المملكة، بعدما نجحت في توسيع الرصيد العقاري للدولة إلى ما يقارب 12 مليون هكتار، وتعبئة آلاف الهكتارات لفائدة مشاريع استثمارية ومرافق عمومية كبرى، في سياق يتسم بتسارع وتيرة الإصلاحات المرتبطة بالتنمية الترابية والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة.
وجسدت هذه النتائج التوجهات الملكية الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الترابية، حيث أصبح العقار العمومي عنصرا مركزيا في تنزيل البرامج التنموية وتوفير الأرضية الضرورية لإنجاز المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية المهيكلة بمختلف جهات المملكة.
وأفرزت جهود التحفيظ والتطهير العقاري نموا استثنائيا في الملك الخاص للدولة، إذ ارتفعت مساحته بنسبة 119 في المائة مقارنة بالسنة السابقة. كما يعكس هذا التطور تحولا عميقا في منهجية تدبير الرصيد العقاري العمومي، بعدما انتقل من مجرد وعاء عقاري إلى رافعة استراتيجية لتوجيه الاستثمار وتوفير شروط التنمية المستدامة.
واستحوذت العقارات الفلاحية والقروية على النصيب الأكبر من هذا الرصيد بنسبة تجاوزت 95 في المائة، بينما توزعت النسبة المتبقية بين العقارات شبه الحضرية والحضرية، وهو توزيع يعكس طبيعة الرهانات التنموية المرتبطة بالعالم القروي والأمن الغذائي والاستثمار الفلاحي.
وعززت عمليات التحفيظ من مستويات الحماية القانونية للأملاك العمومية، بعدما أصبحت نسبة مهمة من العقارات تتوفر على رسوم عقارية نهائية، فيما تراجعت العقارات غير المحفظة إلى مستويات شبه منعدمة، الأمر الذي يحد من النزاعات ويمنح المستثمرين والإدارات العمومية ضمانات قانونية أكبر.
♦الاستثمار في صلب الأولويات
وجهت الدولة جزءا مهما من رصيدها العقاري نحو دعم الاستثمار المنتج، حيث صادقت اللجان المختصة على 308 مشاريع استثمارية جديدة تطلبت تعبئة نحو 32 ألف هكتار، باستثمارات مرتقبة تتجاوز 71 مليار درهم، ما يؤكد الدور المتنامي للعقار العمومي في جذب الرساميل وتحفيز النمو الاقتصادي.
وراهنت السلطات العمومية على العقار الفلاحي كأحد مفاتيح تنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر”، إذ تمت تعبئة أكثر من ألفي هكتار لفائدة مشاريع الشراكة الفلاحية التي أفرزت عشرات الاتفاقيات الاستثمارية بقيمة تناهز نصف مليار درهم، بهدف تعزيز الإنتاج الفلاحي وخلق فرص الشغل بالمناطق القروية.
ووفرت مديرية أملاك الدولة أوعية عقارية واسعة لفائدة القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، حيث استفادت قطاعات التعليم والداخلية والصحة والتعليم العالي والثقافة من مئات الهكتارات المخصصة لإنجاز المؤسسات والتجهيزات العمومية الضرورية لمواكبة النمو الديمغرافي والاقتصادي.
وأعادت الإدارة ضخ آلاف الهكتارات في الدورة الاقتصادية بعد استرجاع عقارات كانت موضوع مشاريع متعثرة أو لم تحترم الالتزامات التعاقدية، وهو إجراء يهدف إلى ضمان الاستغلال الأمثل للرصيد العقاري ومنع تجميد الأراضي المخصصة للاستثمار.
وواكبت عمليات الاقتناء العقاري حاجيات الدولة المتزايدة من العقارات، سواء عبر الشراء بالتراضي أو من خلال مساطر نزع الملكية للمنفعة العامة، بالتوازي مع صرف تعويضات مالية مهمة لفائدة أصحاب الحقوق بلغت مئات الملايين من الدراهم.
وسخرت المملكة العقار العمومي لخدمة مشاريع استراتيجية مرتبطة بالبنيات التحتية الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالتحضير لكأس أمم إفريقيا وكأس العالم 2030، إضافة إلى مشاريع المطارات والسكك الحديدية والمنشآت المائية وشبكات الطرق.
وفعلت السلطات المختصة آليات قانونية لإعادة توظيف العقارات غير المستغلة، سواء عبر إسقاط صفة المنفعة العامة عن بعض الأوعية العقارية أو من خلال منح استثناءات من النظام الغابوي لفائدة مشاريع الطاقات المتجددة والتعليم والصحة، بما يسمح بتعبئة موارد عقارية إضافية لخدمة التنمية.
♦حماية الملك العام
وحققت عمليات التحفيظ العقاري خلال سنة 2025 أرقاما غير مسبوقة، بعدما شملت ملايين الهكتارات التي أودعت بشأنها مطالب تحفيظ جديدة، في خطوة تهدف إلى استكمال مسلسل تأمين الرصيد العقاري للدولة وحمايته من النزاعات والاستغلال غير المشروع.
وخاضت المصالح القانونية التابعة لمديرية أملاك الدولة معارك قضائية واسعة للدفاع عن الملك العمومي، حيث أصدرت المحاكم أكثر من ألف حكم خلال السنة، انتهى أغلبها لصالح الدولة، ما يعكس فعالية المقاربة القانونية المعتمدة في حماية العقارات العمومية.
واعتمدت الإدارة مقاربة تجمع بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الحكامة العقارية، من خلال مواصلة تفويت الوحدات السكنية لساكنيها وفق الشروط القانونية المعمول بها، بما يتيح تسوية وضعيات عقارية عمرت لعقود طويلة.
وشملت عمليات التفويت مئات الوحدات السكنية التابعة للدولة وشركة “ديار المدينة”، التي تعود إلى فترات تاريخية سابقة، في إطار سياسة تروم تحسين ظروف الاستقرار السكني لفائدة المستفيدين وإنهاء عدد من الملفات العقارية العالقة.
وعالجت المديرية عددا من الملفات الاجتماعية المرتبطة بالاحتلال أو الاستغلال غير القانوني للعقارات، كما تفاعلت مع عشرات الشكايات وطلبات الوساطة الرامية إلى إيجاد حلول توافقية للنزاعات العقارية.
وأنجزت المصالح المختصة آلاف الخبرات والتقييمات التقنية والعقارية التي شكلت قاعدة أساسية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالتفويت والاقتناء والتخصيص وتسوية الوضعيات القانونية المختلفة.
♦الرقمنة وتعزيز الحكامة
وسجلت المداخيل العقارية للدولة مستويات مرتفعة خلال سنة 2025، سواء عبر المداخيل المباشرة المحولة إلى الميزانية العامة أو من خلال صندوق إعادة توظيف أملاك الدولة، ما يعكس الأهمية المالية المتزايدة للعقار العمومي داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية.
ودفعت مشاريع التحول الرقمي نحو إحداث تغيير نوعي في طرق تدبير العقارات العمومية، حيث تم تطوير النظام المعلوماتي المندمج للمديرية وإدماج تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين دقة المعطيات وتسريع معالجة الملفات.
وبلغت نسب الرقمنة مستويات متقدمة شملت الرسوم العقارية ومطالب التحفيظ والخرائط والأرشيف الإداري، وهو ما ساهم في تسهيل الولوج إلى المعلومة العقارية وتقليص آجال معالجة الملفات الإدارية.
وفتحت هذه التحولات الرقمية المجال أمام تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين ومغاربة العالم، عبر إرساء آليات حديثة تتيح تدبيرا أكثر شفافية وفعالية للرصيد العقاري العمومي.
ودعمت المديرية مواردها البشرية من خلال توظيف أطر جديدة وتوسيع برامج التكوين المستمر، بما يواكب متطلبات التحديث الإداري والتحول الرقمي ويرفع من كفاءة الموارد البشرية العاملة في قطاع العقار العمومي.
وسعت المؤسسة شراكاتها الدولية وتعاونها التقني مع عدد من الهيئات الأجنبية المتخصصة، مستفيدة من تبادل الخبرات والتجارب في مجالات الحكامة العقارية والتدبير المالي والرقمنة.
وتستعد مديرية أملاك الدولة لمرحلة جديدة تمتد بين 2027 و2030، تراهن خلالها على استكمال الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية وإخراج مدونة أملاك الدولة، مع تعزيز مساهمة العقار العمومي في دعم الاستثمار وتحقيق التنمية الترابية المستدامة، بما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.

