جددت المملكة المغربية، في أعقاب التطورات الخطيرة التي يشهدها قطاع غزة، إدانتها الشديدة للعدوان الإسرائيلي المتواصل، مؤكدة أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قصف عشوائي وتدمير للبنى التحتية وتهجير قسري للمدنيين، يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ومساسًا خطيرًا بحقوق الإنسان وكرامة الشعوب.
وأكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ورئيس لجنة القدس، يواصل موقفه الثابت والداعم للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، داعيا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل من أجل وقف نزيف الدم، وضمان حماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية دون قيود.
كما يعكس موقف المغرب التزامه التاريخي والمبدئي بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، وتمسكه بحل الدولتين كأساس لتحقيق سلام عادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط، في ظل تسارع السياسات الإسرائيلية الأحادية التي تُقوض فرص التفاوض والاستقرار.
ويبرز موقف المغرب في الآن ذاته حرص المملكة على الجمع بين الإدانة الصريحة للعدوان، والسعي الهادئ للمساهمة في جهود التهدئة والحوار، انطلاقًا من دورها كفاعل مسؤول ومتزن يحظى بالمصداقية والثقة الإقليمية والدولية.
♦إدانة العدوان الإسرائيلي
في سياق التطورات المأساوية التي يشهدها قطاع غزة، والعدوان العسكري الإسرائيلي المتواصل على المدنيين العزّل، أكّد محمد العابدة، المحلل السياسي، وأستاذ القانون الإداري بجامعة القاضي عياض محمد العابدة، أن موقف المملكة المغربية يُجسّد انحيازًا تاريخيًا ثابتًا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وانخراطًا مسؤولًا في دعم مسار السلام العادل والشامل بالمنطقة.
وقال العابدة، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن رفض المغرب للاعتداءات الإسرائيلية يعكس تاريخه الدبلوماسي المستمر في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ويُترجم تمسكه بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تؤكد كلها على ضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأوضح المحلل السياسي، أن المغرب لطالما اعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية في سياسته الخارجية، مشيرًا إلى أن هذا الموقف يتجلى في مختلف المبادرات التي أطلقها المغرب، سواء على المستوى السياسي أو الميداني، خصوصًا من خلال رئاسة جلالة الملك محمد السادس للجنة القدس، التي تقوم بأدوار ملموسة في حماية الطابع العربي والإسلامي للقدس الشريف، وتثبيت الفلسطينيين في أرضهم عبر دعم قطاعات التعليم والصحة والسكن.
وشدد العابدة على أن إدانة المغرب للعدوان الإسرائيلي ليست ظرفية أو موسمية، بل تنطلق من ثوابت استراتيجية راسخة، مضيفًا: “ما يتعرض له المدنيون في غزة من قصف وقتل جماعي، وتدمير للبنى التحتية، وتهجير قسري، يمثل خرقًا صارخًا لكافة القوانين والمواثيق الدولية، ويُعبّر عن سياسة ممنهجة ترمي إلى طمس الحق الفلسطيني، وهو ما ترفضه المملكة بشكل قاطع”.
وأشار المتحدث إلى أن الموقف المغربي الرسمي، الذي عبّر عنه بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، يُبرز بوضوح التزام المغرب بنُصرة الحقوق الكاملة وغير المنقوصة للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
♦انحياز تاريخي للحقوق الفلسطينية
وفي معرض حديثه عن التوازن الذي تُمارسه الدبلوماسية المغربية بين إدانة الانتهاكات الإسرائيلية وسعيها إلى لعب دور الوسيط الفاعل، أبان العابدة أن هذا التوازن ليس ضعفًا أو تردّدًا، بل يُمثّل رُقيًا في الأداء السياسي والدبلوماسي، ويُظهر قدرة المغرب على الجمع بين المبدأ والواقعية، وبين التضامن والدعوة إلى الحوار، وبين الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والانخراط في مسار الحل السلمي.
وأردف العابدة قائلًا: “المغرب لا يُدين فقط، بل يُبادر، ويتحرك في اتجاه الحل، مستفيدًا من رصيده التاريخي، ورمزيته الدينية، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.”
واستطرد المتحدث على أن المغرب حين يُندد بانتهاكات الاحتلال، فهو يفعل ذلك انطلاقًا من قناعاته السياسية والإنسانية، مردفا أنه حين يدعو إلى التهدئة والحوار، فإنه يُقدّم بديلًا دبلوماسيًا مسؤولًا وفعّالًا يُراهن عليه في إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.
كما أكّد المتحدث أن تمسّك المغرب بحل الدولتين في زمن تزداد فيه السياسات الإسرائيلية الأحادية يُبرز مصداقية المملكة واتساق مواقفها، مضيفًا أن “إسرائيل اليوم، عبر توسعها الاستيطاني، وتشريعاتها العنصرية، ومحاولات تغيير الوضع القانوني والديموغرافي في القدس، تُجهز عمليًا على حل الدولتين، وتُقوض أسس السلام، وتُقحم المنطقة في نفق مظلم لا يمكن التنبؤ بتداعياته”.
واعتبر المحلل السياسي، أن الرد العقلاني والمبدئي للمغرب يتمثل في الاستمرار بالدفاع عن هذا الحل، باعتباره الخيار الوحيد الذي يضمن الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، ويحمي المنطقة من الانزلاق نحو الفوضى والتطرف، ومؤكدًا أن أي تسوية لا تقوم على حل الدولتين هي تسوية زائفة، ولن تُفضي إلا إلى المزيد من التصعيد والغليان.
وتابع العابدة موضحًا أن “المغرب ينطلق في مواقفه من المرجعيات الدولية، ولا يقبل الحلول المنفردة أو الصفقات المنحازة، ويُدرك جيدًا أن العدالة لا تتجزأ، وأن الكيل بمكيالين في القضايا الدولية لن يُنتج سلامًا، بل سيُعيد إنتاج الأزمات”.
♦دعوة للتهدئة والحوار
وفي سؤال حول دور المغرب في تعزيز جهود التهدئة وفتح قنوات الحوار، أشار العابدة إلى أن المملكة تمتلك من المؤهلات السياسية والدبلوماسية والتاريخية ما يجعلها طرفًا موثوقًا به دوليًا.
وأوضح أن الدبلوماسية المغربية واقعية ومرنة، لكنها مبدئية أيضًا، وهي تُراكم تجربة هامة في وساطات إقليمية ودولية سابقة، ما يجعلها مؤهلة اليوم لاقتراح مبادرات حقيقية لإعادة إطلاق مفاوضات السلام، إذا توفرت إرادة سياسية لدى الفاعلين الدوليين.
واختتم العابدة تصريحه بالقول: “المغرب يظل وفيًا لمبادئه، مناصرًا للحق الفلسطيني، وداعمًا للحوار السياسي، ورافضًا للعدوان والاحتلال.”
وأضاف أن المغرب كلما أُتيحت له فرصة لتقريب وجهات النظر أو التخفيف من معاناة المدنيين، فإنه لا يتردد في القيام بدوره الكامل، انطلاقًا من إيمانه بعدالة القضية، ومن مسؤوليته كدولة ذات مكانة واحترام في المجتمع الدولي.

