منذ أن اهتزت الأرض من تحت أقدامنا ليلة الجمعة الماضي، اهتزت معها مشاعر التضامن الفياضة من كل بقاع المملكة المغربية. هكذا هم المغاربة عبر القرون. شعب متضامن، معطاء، كريم ولا يتوان في التعبير عن تضامنه اللامشروط مع أخواته إخوانه وقت المحن.
الشاحنات المتوجهة للحوز وورزازات ودواوير مراكش، محملة بالأغطية والأكل والخيام، بمبادرات فردية وجماعية لمواطنين مغاربة تمثل أسمى قيم التضامن بيننا كأمة واحدة متضامنة فيما بينها.
في طريق الشاحنات إلى الحوز تمت عرقلة سيارات الإسعاف التي كانت تتجه إلى إنقاذ الأرواح التي تئن تحت أنقاذ التراب. شاحنات محملة بالياغورت بالعشرات، فيما أن شركة الياغورت نفسها تقوم بالتنسيق مع مؤسسات الدولة من أجل إيصال موادها إلى الناجين، وهو الأمر نفسه ينطبق على باقي المواد كالخبز والحليب ومواد أخرى. نعم، هناك تضامن عفوي بين الشعب المغربي، ولكن أين الدولة من كل هذا؟.
عندما انشقت الأرض في دولة هايتي، قبل ثلاثة عشر سنة، وابتلعت من هم فوقها، كانت الدولة قد انهارت قبل انهيار القصر الرئاسي في الزلزال الأليم الذي أصاب هذا البلد. فكانت الدولة فريسة سهلة لبعض الأطماع الخارجية من منظمات ودول أجنبية.
هنا في المغرب، ومنذ إعلان الزلزال عم شعور بيننا أن رئيس حكومتنا، عزيز أخنوش، غير موجود، وهو الذي كان يفترض أن يتوجه للمغاربة في الساعات الأولى للكشف عن ما يقع بالبلد. تبريره أنه ينتظر أن يتولى الملك محمد السادس الأمر، وهي محاولة اختباء اعتادها المغاربة من السياسيين الجبناء الذين لا يحترمون هذا الشعب العظيم. الملك محمد السادس مكانته فوق الجميع واحترام شخصه ومسؤوليته لا مجال للخوض فيها أو النقاش فيها، وبالتالي كفى من اختباء المسؤولين وراء الملك.
الحكومة هي من عليها تنظيم فوضى التضامن لأنها هي من تسهر على تنظيم الدولة ومؤسساتها وأجهزتها أيضا. عندما يشرع مواطنون عاديون في جمع الهبات المادية والمساعدات العينية ويتكلفون بنقلها إلى الناجين، فنحن نتساءل: أين الدولة؟.
المساعدات، جميعها، كلها، يجب أن تمر عبر الدولة وأجهزتها. مؤسسة محمد الخامس التي أبانت عن تنسيق فعال أثناء زلزال الحسيمة يفترض أن تقوم بنفس الدور خلال هذه الأزمة التي يبدو أن هناك بعض الارتباك الذي يشوب تدبيرها.
محيط الفاجعة يفترض أن يتم حمايته من طرف أصحاب الزي النظامي، وأن تستعيد الدولة السيطرة على الوضع. عندما نشاهد منظمات محلية وأجنبية تصل بشكل مباشر للناجين وتقوم بتصوير من هم تحت الأنقاض في غياب تام لأصحاب الزي الرسمي من قوات عمومية، فنحن نتساءل: أين الدولة؟.
هل عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، لم يطلع على التجربة الإندونيسية في مواجه التسونامي، والتي فاضت فيها إندونيسيا بالمساعدات وتم دك أعلام أجنبية بها، من طرف مستغلي الأزمات وتجارها. ألم يشعر بعد بجنون فرنسا من أجل دخول التراب المغربي قصد تقديم المساعدات، ونحن نعرف، جميعنا، أنها – قليلة النية-؟.
كما أظهر المغرب تصديا واضحا لتجار الأزمة الخارجيين عليه اليوم أن يكون أكثر حزما مع الجبهة الداخلية، فليس كل الذين يعبرون عن تضامنهم في مواقع التواصل الاجتماعي صادقون. هناك الانتهازيون والوصوليون وهناك الوطنيون، وما أكثرهم. تجربة تدبير ملف زلزال الحسيمة تعتبرا نموذجا لتحكم الدولة في زمام الأمور نفتقدها اليوم، كما نفتقد الفعالية والحزم الذي أبانت عليه الدولة خلال أزمة كورونا.
إن لهذا البلد رب وملك يحميه من جبن المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الحكومة، لذلك أمل المغاربة في ملكهم لاسترجاع هيبة الدولة، لأن كل ما حدث خلال الأيام الثلاثة الماضية جعلت الناس تتساءل: أين الدولة؟.
خالص العزاء لجلالة الملك ولوطننا في فقدان أحبتنا وعسى أن لا نفقد دولتنا.

