أعاد التصعيد المرتبط بالهجوم المنسوب إلى جبهة البوليساريو على مدينة السمارة ملف الصحراء إلى واجهة التوترات الإقليمية والدولية، في توقيت دقيق يتزامن مع تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.
ويكشف هذا التطور عن تحولات عميقة في طبيعة المقاربة الدولية للنزاع، حيث لم يعد الملف يقارب فقط من زاوية التجاذبات السياسية التقليدية، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر باعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار الجيوسياسي بمنطقة الساحل والصحراء.
♦تصاعد التوترات الإقليمية المعقدة
اعتبر مولاي هشام معتضد، الخبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي، أن توقيت الهجوم يحمل دلالات استراتيجية واضحة، بالنظر إلى تزامنه مع الزخم الدبلوماسي الذي تحققه المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل عدد من العواصم الغربية والإفريقية والعربية، مقابل تقلص هامش التحرك السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو خلال السنوات الأخيرة.
وأبرز الخبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا المعطى يجعل التصعيد الحالي أقرب إلى محاولة لإعادة إدخال النزاع إلى دائرة التوتر الأمني، بعدما بدأت العديد من القوى الدولية تتعامل معه باعتباره ملفا مرتبطا بالتسوية الواقعية والاستقرار الإقليمي.
وأوضح أن التحولات الجارية داخل المنتظم الدولي دفعت عددا من الفاعلين الدوليين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم في المنطقة، خاصة في ظل تنامي المخاطر الأمنية العابرة للحدود وتزايد القلق المرتبط بانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب بمنطقة الساحل والصحراء.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري أو استهداف لمحيط مدني قد يضع البوليساريو أمام تحديات متزايدة على مستوى صورتها داخل المؤسسات الدولية، خصوصا في ظل الحساسية المتنامية تجاه كل ما يرتبط بالتهديدات غير التقليدية.
وأشار إلى أن العالم بات ينظر بقلق متزايد إلى هشاشة الفضاء الساحلي الإفريقي، باعتباره أحد أكثر المجالات عرضة للتقلبات الأمنية والتداخلات المسلحة، وهو ما يجعل أي توتر جديد في الأقاليم الجنوبية للمغرب محط متابعة دقيقة من قبل القوى الكبرى.
كما لفت إلى أن التطورات الأخيرة قد تدفع بعض العواصم المؤثرة إلى مراجعة تقييمها لطبيعة الجبهة، ليس فقط باعتبارها طرفا سياسيا في نزاع إقليمي، وإنما أيضا كفاعل قد يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في توسيع دائرة عدم الاستقرار داخل المنطقة.
♦تحولات المقاربة الدولية الراهنة
رجح المحلل السياسي أن يعزز هذا التصعيد داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن المقاربة الداعية إلى إعطاء الأولوية لمنطق الأمن والاستقرار الإقليمي، بدل الاستمرار في تدبير نزاع مفتوح دون أفق سياسي واضح، مؤكدا أن القوى الكبرى أصبحت تنظر إلى ملف الصحراء من زاوية إدارة المخاطر الجيوسياسية أكثر من ارتباطه بالشعارات الأيديولوجية التقليدية التي طبعت مراحل سابقة من النزاع.
وبين أن هذا التحول يمنح الطرح المغربي أفضلية متقدمة داخل النقاش الدولي، لكون الرباط تقدم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا مؤسساتيا قائما على التنمية والاستقرار والحكامة الترابية، في مقابل تصاعد المخاوف الدولية من عسكرة التوتر وتوسيع دائرة الاضطرابات الأمنية بمنطقة تعاني أصلا من هشاشة بنيوية معقدة.
وسجل أن العديد من الدول الغربية باتت تعتبر استقرار الأقاليم الجنوبية للمغرب جزءا من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع، بالنظر إلى ارتباط المنطقة بالعمق الساحلي الإفريقي وبالممرات الاستراتيجية في غرب المتوسط والمجال الأطلسي، موضحا أن أي انزلاق نحو مواجهات متكررة قد يفتح المجال أمام شبكات عابرة للحدود أو جماعات متطرفة لاستغلال مناخ الهشاشة والفراغ الأمني.
وأظهر أن القراءة الدولية الجديدة للنزاع لم تعد تفصل بين الأمن والتنمية، بل أصبحت تربط بينهما بشكل وثيق، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بالمشاريع التنموية والبنيات التحتية التي أطلقها المغرب بالأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، مشددا على أن هذه الدينامية تمنح الرباط قدرة أكبر على تسويق مقاربتها باعتبارها نموذجا للاستقرار داخل محيط إقليمي مضطرب.
♦توظيف الزخم الدبلوماسي المتصاعد
أكد معتضد أن الدبلوماسية المغربية تمتلك في المرحلة الحالية فرصة استراتيجية مهمة لتحويل موجة الإدانات الدولية المرتبطة بالهجوم الأخير إلى رافعة سياسية داخل المؤسسات الأممية والمحافل الدولية.
وأفاد أن المغرب قادر على استثمار هذا المناخ عبر تعزيز صورته كفاعل مسؤول يربط بين الأمن والتنمية والاستقرار، مع تكثيف التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إبراز مخاطر استمرار منطق التصعيد العسكري في منطقة توصف بأنها من أكثر المناطق حساسية على المستوى الجيوسياسي.
وذهب إلى أن اتساع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي يمنح الرباط هامشا أكبر لتثبيت السردية القائمة على الواقعية السياسية والحل العملي القابل للتطبيق، خاصة في ظل تزايد القناعة الدولية بصعوبة استمرار النزاع في صيغته التقليدية.
كما اعتبر أن التطورات الأخيرة قد تساهم في إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بالقضية، من خلال بروز تمييز أوضح داخل المنتظم الدولي بين مشروع يقدم باعتباره مدخلا للاستقرار الإقليمي، وممارسات تنظر إليها باعتبارها مصدرا للتوتر والتهديد الأمني.
وقال إن المرحلة الحالية تكشف عن تحول نوعي في طبيعة التعاطي الدولي مع ملف الصحراء، بعدما كانت غالبية القوى الدولية تفضل سابقا الحفاظ على توازن دبلوماسي حذر بين مختلف الأطراف، مضيفا أن هناك ميل متزايد نحو تبني مقاربة أكثر وضوحا ترتكز على دعم الحلول الواقعية القادرة على ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين.
وخلص إلى أن نجاح المغرب في استثمار هذا التحول يظل رهينا بقدرته على مواصلة التحرك الدبلوماسي بذكاء وفعالية، مع الحفاظ على التوازن بين المقاربة الأمنية والتنموية والسياسية، بما يسمح بتعزيز موقعه داخل المعادلة الدولية وإعادة رسم ملامح النزاع خلال السنوات المقبلة بصورة أكثر وضوحا لصالح المقاربة المغربية.

