يتكرر كل سنة، ومع اقتراب شهر رمضان، تسجيل ارتفاع في أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية التي يزداد عليها الطلب بشكل ملحوظ، غير أن هذا المنحى الموسمي يبرز هذه المرة بشكل أوضح حجم المعاناة التي تكابدها الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود والمتوسط، في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
ويجد عدد متزايد من المواطنين أنفسهم أمام صعوبة متزايدة في تلبية الحاجيات اليومية، مع اضطرارهم إلى تقليص كميات الاستهلاك أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بما ينعكس بشكل مباشر على نمط عيشهم خلال شهر يرتبط تقليديا بكثرة المصاريف.
وتكشف هذه الوضعية عن ضغط اجتماعي متنام، حيث تتحول الاستعدادات لشهر رمضان، بالنسبة لشرائح واسعة من الأسر، من مناسبة للاطمئنان والسكينة إلى مصدر قلق بسبب غلاء الأسعار وعدم استقرارها.
ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة مطلب تعزيز آليات حماية القدرة الشرائية، وتكثيف المراقبة على الأسواق، وضمان ولوج المواطنين إلى المواد الأساسية بأسعار معقولة، بما يخفف من وطأة الأعباء المتزايدة على الأسر.
♦ارتفاع الأسعار قبل رمضان يثير قلق المستهلكين
يرى علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، أنارتفاع أسعار المواد الأساسية الأكثر استهلاكًا قبل شهر رمضان وأثناءه يشكل مصدر قلق متزايد لدى الأسر المغربية، في ظل ما يرافق هذه الفترة من ضغط إضافي على القدرة الشرائية، وتزايد الطلب على مواد غذائية بعينها، من قبيل الخضر والفواكه واللحوم والحبوب والزيوت والسكر ومشتقات الحليب. وأوضح شتور في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المؤشرات المسجلة في الأسواق الوطنية خلال الأسابيع الأخيرة تعكس منحى تصاعديا للأسعار، لا يوازيه تحسن في مستوى الدخل، الأمر الذي يضع شريحة واسعة من المواطنين أمام صعوبات حقيقية في تلبية حاجياتهم الأساسية.
وأكد رئيس الجمعية أن هذه الوضعية لا ترتبط فقط بعوامل موسمية، بل تعكس أيضا اختلالات بنيوية في منظومة التسويق والتوزيع، حيث تظل هوامش الربح مرتفعة في عدد من حلقات الوساطة، في مقابل غياب توازن واضح بين العرض والطلب في بعض المواد.
واعتبر أن أي مقاربة لمعالجة هذا الواقع ينبغي أن تنطلق من تشخيص دقيق لأسباب الارتفاع، سواء تعلق الأمر بكلفة الإنتاج، أو بتقلبات الأسواق الدولية، أو بالممارسات غير المشروعة لبعض المتدخلين.
وأشار شتور إلى أن الأسر المغربية تعيش خلال هذه المرحلة ضغطا مضاعفا، بحكم خصوصية شهر رمضان وما يرتبط به من عادات استهلاكية، ما يجعل ارتفاع الأسعار أكثر تأثيرا على الاستقرار الاجتماعي. و
دعا في هذا السياق إلى استحضار البعد الاجتماعي في كل القرارات المرتبطة بتدبير الأسواق، والتعامل مع القدرة الشرائية باعتبارها أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
♦تشخيص اختلالات السوق الوطنية
ذهب علي شتور إلى أن جزءا مهما من الارتفاع المسجل في الأسعار يعود إلى ضعف فعالية آليات المراقبة، وعدم انتظام عمليات التتبع الميداني للأسواق، خاصة في الفترات التي تعرف ارتفاعًا في الطلب.
وإبان أن وجود قوانين منظمة للتجارة وحماية المستهلك لا يكفي لوحده، ما لم يتم تفعيلها بشكل صارم ومستمر، وبما يضمن ردع كل الممارسات التي تضر بالتوازن الطبيعي للسوق.
وأظهر أن تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك يساهم في تضخيم الأسعار، إذ تنتقل بعض المواد عبر عدة حلقات قبل وصولها إلى السوق النهائية، مع تسجيل زيادات متتالية في كل مرحلة.
وأضاف أن غياب الشفافية في تحديد هوامش الربح يفتح المجال أمام استغلال الظرفية لتحقيق أرباح غير مبررة، خصوصا في مواد تعرف طلبا واسعا خلال رمضان.
كما لفت رئيس الجمعية إلى أن بعض المتدخلين يلجؤون إلى تخزين السلع أو حجبها مؤقتا بهدف خلق ندرة مصطنعة، ما يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل آلي.
وكشف أن هذه الممارسات تندرج في خانة المضاربة التي تقتضي تدخلا حازما من الجهات المختصة، حمايةً للمستهلك وللاقتصاد الوطني على حد سواء.
وشدد شتور على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية المعنية، من تجارة وفلاحة وداخلية ومالية، لضمان مقاربة شمولية تعالج الإشكالات من جذورها، بدل الاقتصار على حلول ظرفية سرعان ما يتلاشى أثرها.
وحث على أن معالجة اختلالات السوق تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستهدف إعادة تنظيم مسالك التوزيع، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليص الكلفة النهائية للمواد الأساسية.
♦مطالبة بتفعيل حماية المستهلك
طالب علي شتور بتشديد العقوبات في حق كل من يثبت تورطه في ممارسات احتكارية أو مضاربات تمس بالمواد الأساسية، مع تسريع مساطر المتابعة القضائية، حتى تكون الرسالة واضحة بأن استغلال حاجة المواطنين خط أحمر، مبرزا أن الردع القانوني يشكل عنصرا أساسيا في أي سياسة ناجحة لضبط الأسعار.
وأكد أن حماية المستهلك لا تقتصر على الجانب الزجري فقط، بل تشمل أيضًا تمكين المواطن من المعلومة الصحيحة، وتعزيز وعيه بحقوقه وواجباته.
ودعا إلى تكثيف الحملات التحسيسية، خاصة قبل رمضان، لشرح طرق التبليغ عن المخالفات، وتعريف المستهلك بالآليات المتاحة للدفاع عن حقوقه.
وأورد شتور أن الجمعيات العاملة في مجال حماية المستهلك مستعدة للانخراط في كل المبادرات الرامية إلى تخفيف العبء عن الأسر، سواء عبر التوعية أو عبر التنسيق مع السلطات المختصة، غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بتوفر إرادة حقيقية لدى مختلف المتدخلين.
وخلص رئيس الجمعية إلى أن التحكم في الأسعار خلال شهر رمضان ليس مسألة تقنية فقط، بل هو رهان اجتماعي وأخلاقي يعكس مدى التزام الدولة بحماية مواطنيها، داعيا إلى الانتقال من منطق الاجتماعات والتصريحات إلى منطق الفعل الميداني والنتائج الملموسة، بما يضمن ولوج جميع المواطنين إلى مواد أساسية بأسعار معقولة تتناسب مع قدرتهم الشرائية.

