أعلنت وزارة السياحة المغربية أن عدد السياح الوافدين إلى المملكة خلال عام 2025 بلغ نحو 20 مليون شخص، مسجلا بذلك رقما قياسيا جديدا وارتفاعا بنسبة 14% مقارنة بعام 2024.
ويعكس هذا الرقم، بحسب الوزارة، استمرار النمو الإيجابي للقطاع والتحول العميق الذي شهده في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالاستثمارات في البنية التحتية السياحية وتعزيز جودة الخدمات.
وأوضحت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور أن هذا الأداء يعكس الرؤية الاستراتيجية للمملكة لتعزيز مكانة المغرب كوجهة سياحية جاذبة ومنافسة، مع التأكيد على أثر القطاع الإيجابي على الاقتصاد المحلي.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن السياحة تواصل تصدر مصادر النقد الأجنبي بعد تحويلات المغتربين، حيث استقبل المغرب 17.4 مليون سائح في 2024، ما يعكس مكانته كأحد أبرز الوجهات السياحية في شمال إفريقيا.
♦مفهوم الوافدين والإحصاء السياحي
أكد الزبير بوحوت، الخبير في المجال السياحي، أن الرقم الذي تروّج له وزارة السياحة بخصوص استقبال نحو 20 مليون وافد إلى المغرب يجب التعامل معه بحذر مهني، لأنه رقم إحصائي إجمالي لا يعكس بدقة حجم السياحة الدولية الفعلية ولا مستوى الاستهلاك السياحي الحقيقي، مشددا على ضرورة التمييز بين عدد الوافدين وبين عدد السياح الذين يساهمون فعليا في الدورة الاقتصادية للقطاع.
وأوضح بوحوث في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأرقام التي تعلنها وزارة السياحة ليست جديدة من حيث المنهجية، بل تعتمد مقاربة معتمدة دوليا تقوم على احتساب كل شخص يدخل التراب الوطني قادما من بلد آخر ضمن فئة “الوافدين”.
وبيّن أن هذا التعريف ينسجم مع المعايير المعتمدة من طرف منظمة السياحة العالمية، التي تعتبر كل شخص يعبر الحدود الدولية زائرا، بغض النظر عن دوافع الزيارة أو طبيعتها.
وشدد المتحدث على أن هذا التعريف الإحصائي لا ينبغي الخلط بينه وبين مفهوم “السائح بالمعنى الاقتصادي”، أي الشخص الذي يستهلك المنتوج السياحي من خلال الإقامة الفندقية، واستعمال خدمات النقل، والمطاعم، والأنشطة الترفيهية.
ونبه إلى أن مغاربة العالم يشكلون جزءا مهما من الوافدين، إذ يمثلون في الغالب حوالي 50 في المائة من مجموع الأرقام المعلنة سنويا، موضحا أن رقم 19.8 أو 20 مليون وافد يتضمن تقريبا ما بين 9 و10 ملايين من مغاربة العالم، الذين لا يدخل جزء كبير منهم ضمن دائرة الاستهلاك السياحي الكلاسيكي، بحكم إقامتهم لدى عائلاتهم أو في مساكنهم الخاصة.
وأضاف أن السياحة الدولية الصرفة، المرتبطة بالزوار الأجانب من جنسيات غير مغربية، تظل في حدود 10 ملايين سائح تقريبا، وهو الرقم الذي يعكس بصورة أدق حجم الطلب السياحي الخارجي.
أخنوش في “سردينيا”.. هل يقوض رئيس الحكومة صورة السياحة الداخلية بقضاء عطلته في “جزر الأثرياء”؟
وأشار بوحوت إلى أن الإشكال لا يكمن في الإعلان عن رقم الوافدين في حد ذاته، بل في تقديمه للرأي العام دون تفصيل أو شرح يوضح توزيع هذا الرقم بين السياح الأجانب ومغاربة العالم، ودون ربطه بمؤشرات أخرى أكثر دلالة، مثل عدد ليالي المبيت الفندقي، ونسب الملء، وحجم الإنفاق السياحي، ومعتبرا أن غياب هذا التفصيل قد يخلق انطباعا مبالغا فيه حول الأداء الحقيقي للقطاع، في حين أن التقييم الدقيق يستوجب قراءة متكاملة لمختلف المؤشرات.
♦تركيبة الأسواق المصدرة للسياح
يرى الزبير بوحوت أن بنية السوق السياحية المغربية ما تزال تعتمد بشكل أساسي على الأسواق الأوروبية، التي تشكل العمود الفقري للتدفقات السياحية نحو المملكة، مبينا أن حوالي 85 في المائة من السياح الأجانب القادمين إلى المغرب ينحدرون من القارة الأوروبية، وهو معطى يعكس عمق الروابط الجغرافية والتاريخية والثقافية بين المغرب وعدد من الدول الأوروبية.
وسجّل بوحوت أن فرنسا وإسبانيا تحتلان موقع الصدارة ضمن هذه الأسواق، حيث تمثلان معا قرابة 50 في المائة من مجموع السياح الأوروبيين الوافدين، مستفيدتين من عامل القرب الجغرافي وسهولة الربط الجوي، فضلا عن العلاقات التاريخية والثقافية، خصوصا في حالة السوق الفرنسية التي تظل أول سوق مصدر للسياح إلى المغرب.
وتابع أن أسواقاً أوروبية أخرى، مثل المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا، تشهد بدورها تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، لكنها تبقى ضمن الإطار الأوروبي العام، ما يعني أن الاعتماد على أوروبا لا يزال كبيرا.
واعتبر الخبير أن هذا الواقع يمنح القطاع السياحي المغربي نوعا من الاستقرار النسبي، لكنه في المقابل يحدّ من قدرته على التوسع السريع، ويجعله أكثر عرضة لتقلبات الظرفية الاقتصادية والسياسية داخل القارة الأوروبية.
وزيرة السياحة تتغنى بالأرقام وترسم صورة وردية عن واقع القطاع السياحي بالمغرب.. فأين الحقيقة؟
وشدد بوحوت أن رفع عدد السياح الوافدين مستقبلا يقتضي العمل على تنويع الأسواق المصدرة، عبر استهداف مناطق جديدة كآسيا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، دون التفريط في الأسواق التقليدية التي تمثل ركيزة أساسية للقطاع.
وذكر بأن تنويع الأسواق لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الترويج، بل يحتاج إلى تكييف العرض السياحي، وتحسين الربط الجوي، وتطوير منتجات سياحية تستجيب لانتظارات هذه الأسواق الجديدة.
♦البنية التحتية والعرض السياحي
اعتبر الزبير بوحوت، في حديثه عن العوائق التي تحدّ من تحقيق أرقام سياحية تضاهي تلك المسجلة في دول رائدة كفرنسا وإسبانيا، أن الإشكال لا يكمن في نقص المؤهلات، مبرزاً أن المغرب يتوفر على ثروة متكاملة من المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية، إلى جانب تنوع مناخي واعتدال حراري يمنح الوجهة السياحية جاذبية مستمرة على امتداد مختلف فصول السنة.
وفسر أن التحدي الأساسي لا يرتبط بالمؤهلات، بقدر ما يتصل بضعف البنية التحتية السياحية، خاصة على مستوى الطاقة الاستيعابية الفندقية، موضحا أن دولا مثل فرنسا تتوفر على ما يقارب مليون غرفة فندقية، في حين لا يتجاوز الرصيد الفندقي بالمغرب نحو 200 ألف غرفة، وهو تفاوت كبير يؤثر بشكل مباشر على قدرة القطاع على استقبال أعداد أكبر من السياح.
وأظهر بوحوت أن محدودية العرض تتسبب في ضغط قوي خلال فترات الذروة السياحية، وهو ما ينعكس في ارتفاع الأسعار وتقلص هامش تقديم عروض تنافسية، في حين تستفيد دول مثل إسبانيا من وفرة الطاقة الاستيعابية التي تتيح لها تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب، وتمكين الفاعلين من اقتراح عروض سياحية جذابة بأسعار مناسبة، بما يعزز قدرتها على استقطاب أعداد أكبر من السياح.
وأفاد الخبير أن توازن العرض والطلب يشكل عنصرا حاسما في الاقتصاد السياحي، مبرزا أن محدودية العرض تفضي إلى ارتفاع الأسعار، بينما تتيح الوفرة إمكانية ضبط الأثمنة وتعزيز جاذبية الوجهة السياحية.
وحث على أن تطوير البنية التحتية ينبغي أن يكون مقاربة شمولية لا تقتصر على القطاع الفندقي، بل تشمل أيضاً تعزيز النقل الجوي، وتوسيع طاقة المطارات، وتحسين جودة الربط الجوي والبرامج المرتبطة به.
وخلص بوحوت إلى أن تحقيق قفزة نوعية في السياحة المغربية يمر عبر مقاربة شمولية تجمع بين توسيع الطاقة الاستيعابية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز التكوين المهني، وتطوير العروض السياحية، إلى جانب ترويج فعال وموجه.
وأقر أن تجاوز منطق الندرة وخلق وفرة مدروسة في العرض السياحي هو السبيل لرفع عدد السياح، ليس فقط من حيث الكم، بل أيضاً من حيث القيمة المضافة الاقتصادية والتنموية للقطاع.

