يشهد القطاع السياحي المغربي خلال الربيع وبداية الصيف انتعاشا متصاعدا مدفوعا بتزامن العطل المدرسية في عدد من الأسواق الأوروبية، ما يعزز تدفق السياح نحو مختلف الوجهات الوطنية.
ومع دخول فصل الصيف، تتقاطع عوامل إضافية تتمثل في عودة مغاربة العالم، وتكثف المهرجانات والأنشطة الثقافية، إلى جانب تحسن الربط الجوي وتوسع العرض السياحي، وهو ما يرفع من جاذبية المغرب كوجهة سياحية متنوعة.
وفي المقابل، يظل هذا الزخم مرتبطا بتقلبات السياق الدولي، خاصة أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، التي قد تنعكس على حركة السفر والطلب السياحي.
وأمام هذا التوازن بين دينامية واعدة ومخاطر خارجية متغيرة، يطرح سؤال استمرارية هذا الانتعاش وقدرته على الصمود خلال الموسم.
♦انتعاش أوروبي
أكد الزبير بوحوت أن المغرب يمر حاليا بمرحلة تعد من أبرز فترات النشاط السياحي خلال السنة، موضحا أن الفترة الممتدة من أبريل إلى مطلع ماي تمثل أول ذروة فعلية للموسم، بالنظر إلى تزامنها مع العطل المدرسية والربيعية في عدد من الأسواق الأوروبية الرئيسية، خاصة فرنسا وإسبانيا.
وأوضح الخبير السياحي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن السوق الفرنسية تظل المصدر السياحي الأهم بالنسبة للمغرب خلال هذه الفترة، ليس فقط بسبب عدد الوافدين، ولكن أيضا بفعل طريقة تنظيم العطل داخل فرنسا، مبينا أن العطل عند هذه الأخيرة لا تمنح بشكل موحد، بل توزع على ثلاث مناطق جغرافية، تستفيد كل واحدة منها من أسبوعين من العطلة في موعد يختلف عن المنطقتين الأخريين.
وأشار إلى أن هذا التنظيم يمنح المغرب أفضلية واضحة، لأنه يسمح بتدفق السياح بشكل تدريجي ومتوازن، بدل تسجيل ضغط كبير خلال أسبوع واحد، مضيفا أن كل منطقة فرنسية تدخل عطلتها في توقيت مختلف، ما يؤدي إلى استمرار وصول السياح على مدى عدة أسابيع.
وأبان أن هذا التوزيع الزمني يمنح الفاعلين السياحيين فرصة أفضل لتدبير العرض، سواء تعلق الأمر بالفنادق أو وكالات الأسفار أو النقل، كما يساعد على الحفاظ على جودة الخدمات، ويجنب الوجهات السياحية الاكتظاظ.
وسجل بوحوت أن إسبانيا وإنجلترا تسهمان بدورهما في تعزيز هذه الدينامية، بحكم أن العطل فيهما تتزامن تقريبا مع الفترة نفسها، مبرزا أن عددا متزايدا من السياح الأوروبيين بات يبحث عن وجهات قريبة وآمنة ومستقرة، تتميز بطقس جيد وكلفة أقل مقارنة ببعض الوجهات المتوسطية المنافسة.
واعتبر أن المغرب يستفيد مباشرة من هذه المعطيات، لأنه يتوفر على عناصر جذب متعددة خلال هذه المرحلة، من بينها القرب الجغرافي من أوروبا، والاستقرار، وتنوع العرض السياحي، إلى جانب تحسن الظروف المناخية خلال شهري أبريل وماي يكون الطقس في معظم المدن المغربية معتدلا ومناسبا للسياحة.
ولفت إلى أن انتهاء العطل الأوروبية مع بداية ماي لا يعني نهاية النشاط السياحي، لأن المرحلة التالية تبدأ مباشرة مع انطلاق العطل المغربية، حيث تبدأ الأسر في التوجه نحو الوجهات الداخلية، ما يخلق انتقالا مهما بين السياحة الأجنبية والسياحة الوطنية.
♦مهرجانات صيفية تدعم الموسم
أبرز الزوبير بوحوت أن الموسم السياحي يدخل مرحلة أكثر قوة مع حلول يوليوز، حيث ترتفع وتيرة الحركة بشكل كبير بفعل تداخل عدة عوامل، في مقدمتها تنظيم المهرجانات الصيفية، وعودة مغاربة العالم، وتطور النقل الجوي.
وأوضح أن يوليوز يمثل الانطلاقة الكبرى للموسم الصيفي، لأن عددا من المدن المغربية تبدأ خلاله في احتضان مهرجانات فنية وثقافية وتراثية تستقطب آلاف الزوار، مؤكدا أن هذه التظاهرات تمنح الزائر سببا إضافيا لاختيار وجهة معينة أو تمديد مدة إقامته.
ولفت إلى أن المهرجانات لا تنشط القطاع السياحي فقط، بل تحرك أيضا قطاعات موازية، مثل النقل والمطاعم والتجارة، كما تمنح المدن المغربية فرصة لإبراز خصوصيتها الثقافية.
وأورد أن العنصر الأهم خلال فصل الصيف يظل مرتبطا بعملية “مرحبا”، التي تشهد عودة أعداد كبيرة من المغاربة المقيمين بالخارج، مبرزا أن هذه العملية أصبحت جزءا أساسيا من الموسم السياحي المغربي، لأن مغاربة العالم يشكلون قوة استهلاكية وسياحية مهمة داخل مختلف جهات المملكة.
وشدد على أن عدد أفراد الجالية المغربية العائدين خلال الصيف قد يتجاوز أحيانا حجم السياحة الداخلية التقليدية، ما يجعلهم أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي والسياحي، لأنهم يستهلكون خدمات الإيواء والنقل والمطاعم والتسوق.
وسجل أن المغرب أصبح أكثر استعدادا لاستقبال هذه التدفقات مقارنة بالسنوات الماضية، بفضل التحسن الذي عرفته البنية التحتية، سواء على مستوى الطرق أو المطارات أو خدمات النقل.
وأبان أن النقل الجوي يشهد بدوره تطورا لافتا، خاصة مع توسع شركات الطيران منخفضة التكلفة داخل المغرب، معتبرا أن دخول شركة ريان إير إلى خطوط داخلية جديدة، إلى جانب تطوير قواعدها الجوية، يمثل أحد أبرز المستجدات الإيجابية خلال الموسم الحالي.
وتابع أن هذا التطور لا يسهل فقط تنقل السياح الأجانب بين المدن المغربية، بل يمنح أيضا للمغاربة إمكانية السفر داخليا بكلفة أقل، كما يسمح لوجهات كانت تعاني سابقا من ضعف الربط الجوي بالاستفادة بشكل أكبر من الحركة السياحية.
وقال إن مختلف هذه المؤشرات تجعل التوقعات الخاصة بالموسم الصيفي إيجابية، خاصة إذا استمر الطلب الخارجي، وتواصلت عودة مغاربة العالم، وواصلت شركات الطيران توسيع عروضها.
♦تطورات خارجية تهدد الموسم
حذر الزوبير بوحوت، في المقابل، من أن هذه القراءة الإيجابية لا تعني أن الموسم مضمون بالكامل، لأن القطاع السياحي يظل مرتبطا بعوامل خارجية قد تؤثر بسرعة في حركة السفر.
وأفاد أن أبرز مصدر للقلق حاليا يرتبط بتطورات الوضع في الشرق الأوسط، لأن أي تصعيد جديد أو اتساع للتوترات ستكون له انعكاسات اقتصادية مباشرة على مختلف الأسواق، بما فيها الأسواق الأوروبية التي يعتمد عليها المغرب.
وذهب إلى أن أول أثر محتمل لهذه التطورات يتعلق بالقدرة الشرائية، موضحا أنه إذا ارتفعت مستويات التضخم أو تراجعت القدرة على الإنفاق داخل فرنسا أو إسبانيا أو إنجلترا، فإن عددا من الأسر قد يضطر إلى تقليص ميزانية العطل أو تأجيل السفر.
وأضاف أن أسعار المحروقات تظل عاملا حاسما، لأن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس تلقائيا على أسعار النقل الجوي والبحري، وبالتالي على تكلفة السفر نحو المغرب، مبينا أنه إذا ارتفعت أسعار التذاكر بشكل كبير، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب، خصوصا لدى الفئات التي تبحث عن وجهات منخفضة التكلفة.
ونبه إلى أن المغرب مطالب، في هذا السياق، بمواصلة الجهود الترويجية، مع التركيز على إبراز صورة المملكة كوجهة آمنة ومستقرة، مبرزا أن السائح لا يختار فقط الوجهة الأقرب أو الأرخص، بل يبحث أيضا عن الاستقرار وجودة الخدمات وسهولة الوصول.
ورأى بوحوت أن جميع المؤشرات الحالية تسمح بالتفاؤل، لكن دون مبالغة، موضحا أن المغرب يتوفر على كل المقومات لتحقيق موسم سياحي جيد، يجمع بين قوة الطلب الأوروبي في الربيع، وانتعاش السياحة الداخلية، وعودة مغاربة العالم خلال الصيف، غير أن نجاح هذا الموسم سيظل رهينا أيضا باستقرار الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية خلال الأشهر المقبلة.

