في خطوة تعكس تصاعد مستوى التنسيق بين الرباط وواشنطن، اختيرت المملكة المغربية للمشاركة في فريق العمل التابع للبيت الأبيض المكلف بتأمين وتنظيم كأس العالم 2026، المرتقب تنظيمه ما بين 11 يونيو و19 يوليوز المقبل.
ويأتي هذا الاختيار، وفق ما أعلنته سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، في إطار الاستعدادات الأمنية والتنظيمية للمونديال، ويعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل منظومات التعاون الدولي المرتبطة بتأمين الأحداث الكبرى.
كما يسلط هذا القرار الضوء على التحول الذي تعرفه العلاقات المغربية–الأمريكية، من شراكة تقليدية قائمة على التعاون الثنائي، إلى مستوى أكثر تقدما يقوم على تقاسم الأدوار وتبادل الخبرات داخل الفضاء الأمني المشترك، خاصة مع اقتراب الاحتفال بمرور 250 سنة على العلاقات بين البلدين.
♦تحول أمني دولي عميق
رأى هشام معتضد، خبير السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي، أن إدراج المغرب ضمن فريق العمل التابع للبيت الأبيض المكلف بتأمين وتنظيم كأس العالم 2026 يمثل مؤشرا مركبا يتجاوز البعد الرياضي أو التقني، ليعكس تحولا نوعيا في موقع الرباط داخل هندسة الأمن الدولي الخاصة بالأحداث الكبرى.
وأوضح الخبير السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه الخطوة تكشف انتقال المغرب عمليا من شريك تنفيذي في مجالات الأمن التقليدي إلى فاعل مساهم في إنتاج المعايير الأمنية العابرة للحدود، خاصة في ما يتعلق بتأمين “الأهداف اللينة” (Soft Targets) وإدارة المخاطر متعددة الأبعاد، من الإرهاب السيبراني إلى التهديدات الهجينة.
وأضاف أن هذا التحول يبرز أيضا مستوى الثقة الذي باتت توليه مؤسسات القرار الأمريكية للأجهزة المغربية، بالنظر إلى قدرتها على الاندماج داخل منظومات التنسيق متعددة الوكالات، التي تتطلب مستوى عاليا من تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتوافق العملياتي، والجاهزية اللوجستية.
وأشار إلى أن المنظومة الأمنية المغربية أصبحت تنظر إليها باعتبارها قادرة على الاشتغال داخل شبكات أمنية معقدة، تضم أجهزة استخبارات، وهيئات تنظيمية، ومؤسسات إنفاذ قانون، بما يفرض انسجاما دقيقا في الأداء واستعدادا متقدما في تدبير الأزمات والتهديدات العابرة للحدود.
♦شراكة استراتيجية أمريكية
أكد معتضد أن هذا الاختيار يعكس انتقال العلاقات المغربية–الأمريكية من منطق الشراكة الثنائية التقليدية إلى مستوى أكثر تقدما من “التكامل الوظيفي” داخل منظومات الأمن الجماعي التي تقودها واشنطن، بما يعيد تشكيل طبيعة التعاون بين البلدين على أسس أكثر اندماجا وتنسيقا.
ولفت إلى أن المغرب لا يستدعى هنا فقط كحليف، بل كـ“مزود للأمن” (Security Provider) يمتلك خبرة تراكمية في تدبير الأحداث الكبرى، كما ظهر في مساهماته السابقة في تأمين تظاهرات دولية، وفي تطوير مقاربات استباقية لمكافحة التهديدات غير التقليدية.
وأبرز أن هذا التموضع يعمق رأسمال الثقة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها تقاسم الأدوار داخل الفضاء الأمني الأطلسي الموسع، حيث يصبح المغرب جزءا من منظومة إنتاج الاستقرار، وليس فقط مستهلكاً له.
وتابع أن هذا التحول يكرس انتقال المغرب من موقع المتلقي للدعم الأمني إلى موقع الشريك المنتج للأمن، بما يعكس مستوى جديدا من التقارب السياسي والاستراتيجي بين البلدين، ويمنح الرباط دورا أكثر تأثيرا داخل الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية.
♦تموضع جيوسياسي متعدد
أظهر معتضد أن توقيت هذه الخطوة، بالتزامن مع اقتراب الذكرى 250 للعلاقات المغربية–الأمريكية، لا يحمل فقط بعدا رمزيا، بل يعكس توجها أمريكيا لإعادة تأطير العلاقة مع المغرب ضمن سردية استراتيجية جديدة، تقوم على الجمع بين الاستمرارية التاريخية والتجديد الوظيفي.
واسترسل أن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة توزيع أعباء الأمن الدولي عبر إشراك شركاء إقليميين موثوقين، في وقت يقدم فيه المغرب نفسه كنموذج للدولة القادرة على الجمع بين الاستقرار الداخلي، والجاهزية الأمنية، والانخراط الدولي الفعال.
وذهب إلى أن هذا التصور يعيد تعريف طبيعة التحالف المغربي–الأمريكي، لينتقل من تحالف قائم على الدعم والتنسيق إلى شراكة قائمة على الإنتاج المشترك للأمن، بما يعكس مستوى جديدا من التقارب السياسي والاستراتيجي.
ونبه إلى أن هذا الإدماج يحمل أيضا بعدا تقنيا واستراتيجيا بالغ الأهمية، من خلال إدخال المغرب ضمن منظومات “الأمن الشبكي” (Networked Security Architecture) التي تعتمدها الولايات المتحدة في إدارة التظاهرات الكبرى، والقائمة على تكامل البيانات في الزمن الحقيقي، والربط بين أجهزة الاستخبارات، وإنفاذ القانون، والهيئات التنظيمية عبر منصات رقمية موحدة.
وأبان أن انخراط المغرب في هذا الإطار يرفع مستوى قابلية التشغيل البيني (Interoperability)، بما يعزز قدرة المملكة على تطوير بنياتها الأمنية وفق المعايير الأطلسية، ويؤهلها مستقبلاً للعب أدوار أوسع في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وحماية الفضاءات الحضرية الكبرى، خاصة مع اقتراب استحقاقات تنظيمية دولية.
وشدد معتضد على أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن إعادة تشكل الجغرافيا السياسية للأمن في الفضاء المتوسطي–الأطلسي، حيث تسعى واشنطن إلى بناء “أقواس استقرار” تعتمد على قوى إقليمية صاعدة، مع تموضع المغرب كعقدة استراتيجية تربط بين أوروبا، إفريقيا، والعالم الأطلسي.
واعتبر أن مشاركة المغرب في فريق العمل لا تمثل فقط اعترافا بالكفاءة، بل استثمارا أمريكيا في فاعل إقليمي ينتظر أن يلعب دورا محوريا في إدارة المخاطر المستقبلية، من الأمن الرياضي إلى الأمن الطاقي والبحري، ضمن رؤية أوسع لإعادة توزيع مراكز الثقل في النظام الدولي.

