حيثما وليت وجهك بين شوارع وأزقة مدن المملكة إلا وترمقهم بجانبك يترصدون السبل والمسالك لعبور زحمة السير وتدليل العقبات للانفلات من الازدحام المروري، بحثا عن الانطلاق بأكبر سرعة ممكنة في سباق محموم مع الزمن بحثا عن الظفر بمعركة الوقت فيها هو الفيصل.
يطلق عليهم محاربو “الجيش الأصفر” نسبة لصفرة العتاد الذي يحملونه في معركة تدور رحاها بين الشوارع والأزقة والساحات حيث يصارعون الوقت ويتصارعون في سباق يرى كثيرون أنه يكرس العبودية والاستعباد في نظام يزكي وجها آخر حديث لنظام السخرة.
الأمر يتعلق بشكل عام بالشركات العاملة في مجال توصيل الطلبات عبر الدراجات النارية، وبشكل خاص بأشهرها على الإطلاق شركة “غلوفو” المنصة التكنولوجية في التوصيل متعددة الفئات والأكثر استخداما من طرف المغاربة، وهي شركة إسبانية للتوصيل أنشئت سنة 2014، وتتواجد بجل دول المعمورة، ومن ضمنها المغرب حيث توظف آلاف الشبان في توصيل الطلبات للمنازل.
• غلوفو.. أخطبوط يتمدد على حساب اليد العاملة
تمكنت الشركة الإسبانية من رفع رأس مالها خلال السنوات الأخيرة بشكل مضطرد، بعد أن تعزز رقم معاملاتها بمئات الملايين من اليوروهات، بعدما انضاف إلى قائمة المستثمرين فيها كل من بنك الأعمال “GP Bullhound Ltd” البريطاني، وشركة مبادلة للاستثمار الإماراتية، وصندوق الثروة السيادي في أبوظبي الإماراتية، و”Lugard Road Capital” الجنوب إفريقي ( صندوق استثمار عالمي يركز بشكل أساسي على الشركات العامة والخاصة في قطاعات الإنترنت والبرمجيات والمستهلكين والتكنولوجيا)، وصندوق الاستثمار “Luxor Capital Group” الأمريكي، وشركة “Delivery Hero” (المختصة في خدمة توصيل الطعام عبر الإنترنت) الألمانية.

وسهام توالي انضمام كبرى الصناديق الاستثمارية والمستثمرين في العالم لـ “غلوفو”، جعل قيمتها التسويقية تصل لأزيد من ملياري يورو.
ورغم الحجم الهائل للاستثمار والرقم الكبير لمعاملات الشركة، فإن ذلك لا ينعكس بالمرة على الوضع الاجتماعي للعمال المتعاقدين مع الشركة والذين يشتكون من العمل في وضع يطبعه التحايل على القانون وانتهاك حقوق الأجراء.
جريدة “شفاف” تواصلت مع مستخدمي الشركة وحاولت نقل جزء من معاناتهم اليومية في ظل التناقض الذي يعيشون على وقعه بين شركة تحصل على ملايين الدراهم سنويا، وبين واقع اجتماعي بئيس لعمال يطاردون بضع دريهمات في رحلة يومية للظفر بلقمة عيش ملطخة بالشقاء والمعاناة.
• عمال التوصيل… لقمة عيش مغمسة بالمرارة والقهر
التقينا بمنير (24 سنة)، والذي فضل التواصل معنا بهوية مزيفة مخافة بطش مشغليه، حيث يسرد الشاب العشريني طريقة الولوج للاشتغال مع الشركة قائلا “للالتحاق بالعمل في مجال توصيل الطلبات يكفي أن تتوفر على دراجة نارية مؤمنة وهاتف مزود بالإنترنت وتنخرط في نظام المقاول الذاتي لتضمن انضمامك بشكل رسمي لفريق عمل الشركة المكون من أزيد من 12 ألف عامل عبر ربوع المملكة” .
ويستطرد الشاب قائلا: “ولكي تباشر عملك بشكل فعلي مع الشركة يجب عليك أن تقتني من مالك الخاص معدات ولوازم الاشتغال وهي عبارة عن سترة وخودة تحمل ألوان الشركة فضلا عن صندوق معزول وهذه المعدات لوحدها تكلف ما بين 600 و800 درهم”.
يتابع الشاب الحاصل على الإجازة في القانون الخاص حديثه لنا بالتأكيد على أن ولوجه للشركة رفقة عشرات الشباب من أصدقائه الذين يحملون شواهد جامعية ودبلومات متخصصة، كان بهدف محاربة البطالة وتوفير مورد رزق يقيه مد يديه للوالدين، لكن ظروف العمل داخل الشركة جعلته يتمنى لو أنه لم يقدم على خطوة شراء دراجة نارية والدخول في تجربة مهنية يصفها بالأسوأ بالنظر لمعاناته اليومية في ظل غياب الظروف والشروط الإنسانية للاشتغال.
وبلهجة تدل على المرارة التي يعيشها يحكي منير، يقول “نعاني يوميا والشركة همها الوحيد الرفع من سقف معاملاتها المالية ولو كان على حساب عامل التوصيلات الذي يبقى الحلقة الأضعف في القضية”.
في ذات السياق، يخبرنا كمال وهو شاب ينحدر من البيضاء أنه واجه خطر الموت في أكثر من مرة وهو منهمك فوق دراجته النارية في مواكبة التّطبيق الهاتفي لتوصيل الطّلبات للزبناء، لافتا إلى أن جل عمال التوصيلات يواجهون خطر حوادث السير بالنظر لصراعهم المستميت مع عامل الوقت في ظل ضغط الطلبيات وإكراه زحمة السير فضلا على أنه وفي غالبية الأحيان تكون المسافة المقطُوعة جدّ طويلة، وتستهلكُ وقودًا أكثر مما يجنيه العامل.
ويضيف المتحدث “نشتغل في ظروف صعبة للغاية وصراعنا الحقيقي مع عامل الزمن الذي يدفعنا للمناورة في الشارع بين السيارات والشاحنات بحثا عن كسب الوقت وإيصال الطلبية في الوقت المحدد، مع ما يعتري ذلك من مخاطر جمة قد تنتهي بحادثة سير أو أداء غرامة مخالفة مرورية في أفضل الأحوال”.

ويتابع كمال القول إنه في بعض الأحيان يكون وزن الطلبية أكبر من الطاقة الاستيعابية للصندوق الأمر الذي يجعل العامل يتمايل في الطريق يمنة ويسرة فضلا على أن ثمن تعبئة الإنترنت والبنزين والهاتف نؤديه من مالنا الخاص، دون أن نتحدث عن محاولات السرقة والتعنيف باستعمال السلاح الأبيض التي نتعرض لها ليلا في بعض النقاط السوداء على مستوى مدينة الدار البيضاء.
عبد الرحيم، رب أسرة وأب لثلاثة أطفال يتقاسم معنا بدوره تجربته التي امتدت لخمس سنوات في العمل مع ذات الشركة قائلا: “على غرار باقي الرفاق أشتغل 12 ساعات في اليوم، وفي بعض الأحيان أجد نفسي أحصل 10 أو 15 درهما في ظرف ساعة ونصف أو ساعتين من العمل والمحصلة أنني في يوم مضن وشاق أقوم بخصم التكاليف من الأرباح لأجد نفسي في الأخير لم أحصل سوى على أقل من 70 درهما كربح صافي نظير 12 ساعة من العمل المتواصل.
• نظام مكافآت على المزاج وخرق ممنهج لمدونة الشغل
يحكي عبد الرحيم عن نظام المكافآت التي تم به العمل داخل الشركة الإسبانية قائلا: “في النظام القديم كانت الطلبية تبنى على أساس أربعة دراهم لكل طلبية زيادة على درهم وعشرين سنتيم عن كل واحد كيلومتر يتم قطعه، بمعنى أن آخر الطلبات التي يقوم بها مندوب التوصيل التابع لغلوفو تحسب حسب المسافة المقطوعة من نقطة توصله بالطلبات إلى نقطة التسليم تم إلى نقطة إيصاله للطلبية للزبون، وهذه المسافة تضرب في 1.20 درهم ثم يضاف إليها 4.20 درهم كتسعيرة ثابتة.
ويردف المتحدث هذه التسعيرة كانت السائدة منذ دخول الشركة الإسبانية للمغرب، لكن بالاعتماد على النظام الجديد الذي جرى العمل به الأسبوع الفارط قلص من هامش الربح للمندوب، بحيث أصبحت وفق الشكل التالي “المسافة المقطوعة (تحسب من نقطة التوصل بالطلبية إلى نقطة استلام المنتج تم إلى نقطة تسليم المنتج للزبون) يتم ضربها في 0.90 درهم + 3 دراهم كتسعيرة ثابتة وبالتالي الشركة قلصت ثمن كلم من 1.20 إلى 0.90، أي بأزيد من 0.30 درهم وقلصت كذلك التسعيرة الثابتة من 4.20 إلى 3 دراهم أي بحوالي 1.20 درهم”.
ويشدد عبد الرحيم على أن تقليص الشركة لهامش الربح لعمال التوصيلات يأتي في عز غلاء مادة البنزين ومصاريف صيانة الدراجات وملحقاتها من قطع الغيار التي يكون أدائها على عاتق عامل التوصيل، ينضاف إليها كذلك الوضعية القانونية لرجال التوصيل مع الشركة بحكم عدم وجود عقد محدد أو دائم المدة يحدد التزامات المشغل و المندوب فضلا عن التفاف الشركة على مدونة الشغل بتشغيل العمال كمقاولين ذاتيين في انتهاك واضح للقانون، ناهيك عن ساعات العمل التي تقارب 12 ساعة عمل في اليوم، في خرق كذلك لمدونة الشغل المغربية في إحدى المواد التي حددت مدة الاشتغال في القطاعات الخدماتية في 44 ساعة في الأسبوع.

ويؤكد المتحدث أنه إلى جانب المشاكل السابقة هنالك تنكر للشركة لالتزاماتها التعويضية تجاه المندوبين في حالة تعرضهم لحوادث الشغل (حوادث السير، أمراض، سرقات واعتداءات…) في ظل اعتمادها على نظام المقاول الذاتي كحجة للتهرب من إبرام عقود محددة المدة أو دائمة.
ويشير عبد الرحيم إلى أن شركة “غلوفو” لا تعتبر مندوب التوصيل أجيرا لديها، بل شريك لها، لكن الواقع يقول عكس ذلك، موضحا أنها تفرض سياسة الأمر الواقع وتهدد أي شخص يتجرأ على المطالبة بحقه، مستغلين في ذلك الطلبات المتزايدة للاشتغال معهم، مشيرا أيضا إلى وجود سوء في التعامل للعاملين بمكاتبها مع مندوبي التوصيلات، خصوصا عند إعادة الطلبيات التي يتم إلغاؤها، حيث يطال الانتظار إلى ما يقارب الساعة الواحدة أحيانا.
• لا تأمين على حوادث الشغل وعامل التوصيل الضحية
من البيضاء مرورا إلى الرباط، يكشف لنا عامل آخر بخدمات التوصيل الذي انتقل بين مجموعة من الشركات العاملة بهذا القطاع في المغرب، أنه لا فرق بينهم جميعا، وأن المشترك الذي يوحدهم هو “استغلال الشباب”، مبرزا أن اشتغاله في المجال كمندوب توصيل خلال الثلاث سنوات الأخيرة، جعله يدرك هذه الحقيقة المرة، والتي لجأ لها بعدما عانى لسنوات من البطالة.
ويضيف المتحدث، وهو شاب مجاز في الأداب الإنجليزية، أن هذه الشركات التي يبقى أغلبها أجنبيا تعد المستفيد الأبرز، فهي لا تقدم للشباب أي شيء خلال التعاقد معها، ومندوب التوصيلات هو الذي يجب أن يتوفر على دراجة نارية وهاتف معبأ بالإنترنت، وبطاقة المقاول الذاتي، فيما هي تجني أرباحا مهمة من خلال تطبيقها فقط.
ويشير الشخص الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه، مخافة أن يتبع ذلك الطرد أو أي متابعة قانونية في حقه، إلى أن هذه الشركات تغير مع مرور الوقت من سياساتها بشكل يضمن لها تحقيق أرباح أكثر، ويضيع حقوق من يشتغل معها كـ “ليفرور”، مشيرا إلى أنها لما ولجت المغرب كانت تمنح للعاملين معها على كل توصيلة لمسافة قصيرة 12 درهما، لكن هذا الرقم بدأ يتراجع إلى أن أصبح يبلغ اليوم 6 دراهم كمعدل متوسط لأي طلبية.

يحكي هشام، الشاب الثلاثيني، لنا على أنه تضرر من هذا النوع من التعاقد من عدة جوانب؛ أبرزها عندما تعرض لحادثة سير أثناء قيامه بإحدى التوصيلات، والتي اضطر معه للمكوث في المستشفى لأيام وتحمل مصاريف العلاج التي كانت باهظة، بالرغم من أنه أثناء الواقعة كان يقوم بإيصال طلبية لصالح شركة “غلوفو”، حيث لا يوجد أي عقد يؤمنه ضد حوادث الشغل أو غيرها.
وأضاف أن نظام المقاول الذاتي استغلته هذه الشركات لمصلحتها، لتتجرد من مسؤولية التأمين، وليصبح بالتالي مندوب التوصيلات مسؤولا على نفسه، مبرزا أنه في حالة وقوع كارثة لا قدر الله مثلما وقع له ولعدد من زملائه، لا تتحمل الأولى أي مسؤولية تجاه أي ضرر يمكن أن يقع فيه “ليفرور”.
واستطرد المتحدث ذاته قائلا: “ضغط العمل والطلبيات والصراع مع الوقت يدفعك دفعا في بعض الأحيان للوقوع في المحظور وارتكاب المخالفات خوفا من خسارة مصدر رزقك الوحيد، وبالتالي تجد نفسك مجبرا بالسير بسرعة مفرطة للوصول إلى الزبون في الوقت المحدد وفي بعض الأحيان تضطر لخرق القانون بداية من السير في الاتجاه الممنوع، وعدم التوقف في الإشارات الضوئية، والسياقة فوق الرصيف، كل هذا وذاك في سبيل إرضاء المشغل والزبون “.
من جهة أخرى أبرز عامل آخر يشتغل في الشق الإداري داخل الشركة أن “غلوفو” تعاقدت مع شركة خاصة بالتأمين اسمها “qover” لتأمين مستخدميها وحمايتهم من حوادث الشغل.
وحسب المصدر ذاته، فإن الشركة أكدت مرارا وتكرارا أنها تقوم بتعويض المندوب في حالة تعرضه لأي حادث أو مرض غير أن ادعائها يبقى حبرا على ورق، حيث أن أي عامل تعرض لحادث سير شركة التأمين التي تؤمنه على دراجته هي من تعوضه، في حين أن التعويض يجب أن يتم في الأصل من طرف من “غلوفو” باعتباره حادث شغل.
ويؤكد المتحدث أن نفس الأمر ينطبق على من تعرضوا للسرقة ومن تعرضت هواتفهم ودراجتهم أثناء مزاولتهم لعملهم لأي تلف.


• غلوفو المغرب.. تنافس في المبيعات على حساب حقوق العمال
وأبرز هشام أنه هناك تراجع كبير على مستوى التعويضات منذ تولي حمزة بناني إدارة شركة “غلوفو” بالمغرب، خلفا للإسباني توني بيريز، الذي عاد إلى المقر الرئيسي للشركة في برشلونة، أواخر سنة 2022، مشيرا إلى أنه في آخر خدمة توصيل له نقل طلبية من عين السبع إلى حدود منطقة الدروة بـ 16 درهما، بينما كان المطلوب أن تؤدى له حسب الطريفة القديمة ما يقارب 30 درهما عن ذلك.
بخصوص الأرباح، يشير المتحدث ذاته، إلى أنه كان يحقق بشكل يومي في المتوسط ما يصل إلى 300 درهما، لكن حاليا بالكاد يصل في أفضل الأحوال إلى ما يقارب 150 درهما، والتي تدخل فيها تكاليف البنزين والإشكاليات التي يمكن أن تتعرض لها الدراجة النارية، إضافة للالتزامات والأداء المالية المترتبة عن نظام المقاول الذاتي.
في محاولة منا لفهم الأمور أكثر، أوضح لنا أحد العاملين بإدارة “غلوفو”، والذي فضل عدم ذكر اسمه، أن هناك تنافس بين جميع فروع الشركة في العالم، وهو ما يجعل المدراء بالبلدان الإفريقية يجتهدون أكثر من غيرهم لإثبات وجودهم، باعتبار القارة سوقا جديدا لهذه العلامة التي تتوسع داخلها يوما بعد آخر، لذلك نرى بعد الإجراءات مثل التقليص من طريفة التوصيل الثابتة، التي تراجعت من 4.20 درهم إلى 3 دراهم خلال الأسبوع الماضي.
وأضاف أن هذا الإجراء الأخير الذي لم يتم تطبيقه إلا على مستوى المغرب وباقي البلدان الإفريقية، والذي شجعت عليه عديد الأمور، أهمها توفر الأعداد الكافية لاستمرار عمل الشركة بكل أريحية مهما صدر أي قرار خاص بتقليص تسعيرة توصيل الطلبيات أو غيره من الأمور المتعلقة بذلك، في ظل تزايد الطلبات الوافدة من طرف الأشخاص الراغبين في الاشتغال مع “غلوفو” كمندوبين للتوصيلات.
ويوضح الطرف ذاته، أن هذه الشركة الإسبانية، تعوّل على السوق الإفريقية كثيرا لتحقيق أرباح كبيرة، لاسيما في ظل وجودها في 7 دول بالقارة.
• الجهل بالقانون.. يضيع على أجراء شركات خدمات التوصيل حقوقهم
قال سعيد لمعاني ، متخصص في العلاقات العامة وقانون الشغل لـ”شفاف”، إن الأشخاص الذين يعملون لدى شركات خدمات التوصيل في المغرب مهما اختلفت أسماؤها (غلوفو، جوميا، جوميا فود…) يعتبرون أجراء لديها وفق قانون الشغل المغربي وليس مقاولين ذاتيين وذلك لوجود علاقة سببية وتراتبية بين الشركة المشغلة والأجير.
وكشف المتخصص في العلاقات العامة وقانون الشغل، أن الإشكال في الموضوع يكمن في الأجراء في حد ذاتهم، وذلك لكونهم يجهلون حيثيات قانون الشغل المغربي ولا يعرفون كيف يدافعون عن حقوقهم.
وتابع، أن الاعتماد على بطاقة المقاول الذاتي في العمل يعتبر أكبر كذبة في هذا السياق، محملا المسؤولية الأولى إلى الأجراء ثم إلى الحكومة ومنظمة الشغل ومفتشية الشغل بالإضافة إلى النقابات التي انشغلت بالسياسة وتركت العمل النقابي فارغا بالإضافة إلى الإعلام والحقوقيين.

واعتبر المتحدث ذاته، أن التشغيل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر خدعة، إذ يتم استغلال الشباب عن طريق الإشهارات التي تستعملها الشركات المشغلة في هذا الإطار، عبر مصطلحات رنانة مثل “الحرية المالية، العمل في الوقت الذي يناسبك، أنت غير ملزم مع الشركة”، وغيرها من الكلمات التي جعلت من يشتغلون مع هذه الشركات يقعون في المحظور.
وأبان، أن ما تقوم به تلك الشركات هو التلاعب بالمفردات من أجل جلب الشباب العاطل أولا، وثانيا التحايل على قانون الشغل المعتمد في المغرب، من أجل أن تتهرب من الضرائب المفروضة عليها في حالة ما إذا كان العامل أجيرا مباشرا لديها.

واستطرد، أن المشكل هنا ليس في الشركات أو عقد الشغل أو المنظومة، بل في الشخص الذي يعمل في تلك الوظيفة ولا يريد إقناع نفسه بأنه أجير وأنه بإمكانه اللجوء إلى القضاء من أجل إنصافه والحصول على حقوقه منها.
وبحيلة المقاول الذاتي، يضيف المتحدث ذاته، أن تلك الشركات تستغل هذا الأمر من أجل التهرب من الضرائب والتزاماتها تجاه الأجراء المتمثلة في شهادة الأجر، العطلة السنوية، الراحة الأسبوعية، التغطية الصحية، حوادث الشغل، وهذه الدوامة كلها تقوم بها الشركات وحتى القطاع العام من أجل التهرب من أداء واجباتها تجاه عمالها والدولة.



واستحضر لمعاني في هذا الإطار حكم المحكمة العليا الاسبانية بخصوص هذا الموضوع، إذ قضت في حق شركة “غلوفو” بتعويض كافة عمالها بما يقارب 57 مليون دولار للمتضررين الأجراء، كما ألزمتها اعتبارا من يوم إصدار الحكم على ترسيمهم واعتبارهم كأجراء وليس كمقاولين ذاتيين وتأدية كافة حقوقهم.
كما أنه طالب من المتضررين اللجوء إلى محكمة الشغل كأول خطوة، والمطالبة بترسيمهم وتمتيعهم بجميع الحقوق كأجراء وليس الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التطرق إلى المشاكل التي يقبعون فيها، بالإضافة إلى ذلك، الذهاب إلى مفتشية الشغل للضغط على تلك الشركات التي تستغلهم.
واستطرد المتحدث “يجب على عمال التوصيل أن يرفعوا طلب الترسيم لدى مشغلي شركة “غلوفو” من أجل الاستفادة من كافة الحقوق التي يخولها لهم قانون الشغل مع تعويض السنوات التي عملوا فيها بدون تمكينهم من حقوقهم، وهذا الإجراء يجب عليهم أن يباشروه على وجه السرعة ويقدموا للقضاء المغربي حججهم التي تؤكد سنوات العمل مع تلك الشركات، مشددا على أنه متيقن أن القضاء سينصفهم وسيجتهد في إصدار حكم قضائي مماثل للتجربة الإسبانية والبريطانية وكذا الفرنسية.
ويبقى فقط على هؤلاء العمال أن يطرقوا باب المحكمة ويشكلون عمل نقابي متين، ثم المطالبة بتصحيح وضعهم من المقاول الذاتي إلى أجير.
• القضاء الإسباني ينصف عمال “غلوفو” ويعتبرهم أجراء وليسوا مقاولين ذاتيين
في هذا الإطار قضت المحكمة العليا في إسبانيا بوجود علاقة عمل بين “Glovo” وعامل التوصيل، إذ أكدت الغرفة المتخصصة أن تلك العلاقة ليست مجرد وسيط في التعاقد على الخدمات بين الشركات والموزعين بل هناك طبيعة عمالية.
وأعلنت الغرفة الرابعة للمحكمة العليا عن أن العلاقة بين عامل التوصيل وشركة “غلوفو” ذات طبيعة عمل بين رب مقاولة وأجير، مبرزة أن المعايير المحددة لعقد العمل موجودة ومتوفرة في العلاقة المذكورة بين الطرفين، لاسيما ما يتعلق على وجه الخصوص بالتبعية بين الأول والثاني.
وتؤكد المحكمة العليا أن “غلوفو” ليست مجرد وسيط في التعاقد على الخدمات بين الشركات وموظفي التوصيل، معتبرة إياها شركة تقدم خدمات التوصيل والبريد السريع، وتضع الشروط الأساسية لتقديم الخدمة المذكورة، وتمتلك الأصول الأساسية لتحقيق هذا النشاط، وتستخدم سائقي التوصيل الذين ليس لديهم منظمة أعمال خاصة بهم ومستقلة، والذين يقدمون خدمتهم المدرجة في منظمة أصحاب العمل (نظام شبيه بالمقاول الذاتي).
وعلى هذا الأساس قامت الحكومة الإسبانية بتعديل قانون العمل الذي يجعل من عمال توصيل وجبات الغذاء إلى البيوت “موظفين مفترضين”.
وكشفت وزيرة العدل الإسبانية، أن عمال التوصيل أصبحوا موظفين ويمكن لهم أن يستفيدوا من كل نوع من أنواع الضمان الذي يؤمنه لهم وضعهم القانوني الجديد.
وبهذا تعتبر إسبانيا البلد الأوروبي الأول الذي يضع قوانينَ تؤطر حالة موصّلي وجبات الطعام، مؤمنًا لهم حماية معينة، بعدما كانوا يعملون على حسابهم الخاص سابقاً.
وفرضت المحكمة العليا الإسبانية غرامة على شركة “غلوفو”، قدرها 57 مليون يورو على الانتهاكات المزعومة المتعلقة بحالة توظيف ركاب التوصيل في مدريد.
ودخل ما يسمى بـ “قانون رايدر” الإسباني حيز التنفيذ في غشت 2021، والذي يطلب من شركات التوصيل تقديم كشوف المرتبات رسميًا لعمال التوصيل، والذين سيتم تصنيفهم على أنهم متعاقدون عوض أنهم يعملون لحسابهم الخاص.
• القضاء الفرنسي ينتصر لسائقي شركة “أوبر” ويتبث العلاقة التعاقدية بين الشركة والسائقين
وفي سياق متصل هنالك حكم مماثل بفرنسا طرفيه شركة النقل “أوبر – UBER” والسائقين المستعملين للتطبيق حيث أقرت محكمة النقض الفرنسية بإعادة تكييف العلاقة التعاقدية التي تجمع بين شركة أوبر والسائق على أساس أنها عقد عمل وعللت المحكمة القرار بكون الاتصال بالتطبيق تنشأ عنه رابط تبعية بين السائق والشركة، وعليه فالسائق لا يؤدي الخدمة المطلوبة بصفته عامل مستقل بل بصفته أجير ، ومن ثم أقرت للسائق حقه في المطالبة بالتعويض في حالة منعه دون وجه حق من الدخول على التطبيق الخاصة بالشركة باعتبار ذلك إنهاء تعسفي لعقد العمل وأن سائق الدراجة الذي ينقل الطلبيات بإشراف وإدارة شركة أوبر ، ليس عامل مستقل بل أجير في علاقة تبعية مع الشركة.
وحسب ذات القرار فإن عنصر التبعية يرتكز أساساً على قدرة وسلطة المشغل في إصدار الأوامر والتوجيهات، ومراقبة التنفيذ ومعاقبة عدم احترام التوجيهات الصادرة عن إدارة العمل وكون السائق ليس ملزماً بالاتصال او الدخول الى الموقع، ومدة غيابه، وكونه لا يعاقب على ذلك، أمور لا تدخل في تقدير مسألة وجود علاقة التبعية من عدمها).

• استغلال نظام المقاول الذاتي للتحايل على القانون
في هذا الإطار، قال بولعزايم منير، محامي بهيئة الدار البيضاء، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن العقد المبرم بين أصحاب بطاقة المقاول الذاتي وشركة “غلوفو” هو الذي سيحدد العلاقة السببية بين الطرفين، وبعدها يمكن ربطه بمدونة الشغل ومدونة التجارة في المغرب، وهنا سيظهر أين يوجد “الاحتيال” في علاقة التعاقد بينهما.
وأبان أن العقد المبرم بين الطرفين هو المحدد كي يتم معرفة ما لصاحب بطاقة المقاول الذاتي وما عليه، ونفس الأمر للشركة، وهو الذي سيعطي الشروط المجحفة المتواجدة فيه في حق المشتغلين مع شركة “غلوفو” أو غيرها.

وتابع المحامي بهيئة الدار البيضاء، إذا كانت طبيعة العقد فيها مقتضيات غامضة، فالجهة الوحيدة المخولة لها تفسيرها وتأويلها هو القضاء.
واعتبر أنه إذا كان المتضررون متعاقدون ببطاقة المقاول الذاتي مع شركة “غلوفو” ويحملون اسمها، هذا يعني أن هناك ثغرة كبير في القانون ويجب العودة إليها من طرف المختصين وحلها.
وتساءل المتحدث ذاته، لماذا أصحاب المقاول الذاتي الذين بإمكانهم أن ينشئوا علامة تجارية خاصة بهم، والاشتغال عليها، يقومون بتنمية مع علامة تجاري أخرى لا علاقة لهم بها.
وكشف بولعزايم عن أن مدونة التجارة في المغرب تسمح لأصحاب المقاول الذاتي بإنشاء علامة تجارية بالإضافة إلى اسم تجاري وتنميته عوض أن يحمل اسم علامة تجارية أخرى ويعمل على تنميتها وإشهارها.
























