من شواطئ مدينة الجديدة المغربية، بدأت حكاية زهير اللباط مع الرياضة، في محيط عائلي ارتبط بالإنجازات والمنافسة، قبل أن تتحول هوايته المبكرة إلى مسيرة احترافية متعددة المحطات، جمع خلالها بين تجربة اللاعب والبطل والمدرب والخبرة الإدارية والفنية، وصولا إلى مكانة مهنية امتد تأثيرها من المنطقة الخليجية إلى الساحة الدولية.
اليوم، يتولى اللباط منصب المدير الفني لاتحاد الإمارات للشراع والتجديف الحديث، ويشغل منصب كبير المدربين لدى الاتحاد الدولي للشراع، إلى جانب عضويته في لجنة القارات بالاتحاد الدولي للدورة 2025-2028، في مسيرة تعكس نموذجا للكفاءة الرياضية التي استطاعت تحويل الخبرة الميدانية إلى مشروع متكامل لتطوير اللعبة وصناعة أجيال جديدة من الرياضيين والكوادر الفنية.
إرث رياضي.. والبداية من الجديدة
نشأ زهير اللباط في عائلة رياضية بامتياز، فوالده كان بطلا في سباقات السيارات، فيما برز إخوته في عالم الرياضة وحققوا ألقابا على مستوى المغرب في رياضتي الشراع وسباقات السيارات، وهو ما أسهم في تشكيل شخصيته الرياضية وتعزيز ارتباطه بالمنافسة والإنجاز منذ سنواته الأولى.
ولم تقتصر تجاربه على رياضة واحدة، إذ مارس الشراع الحديث ممثلا للجمعية البحرية بالجديدة، وبرز ضمن لاعبي المستوى العالي المستفيدين من برامج اللجنة الأولمبية الوطنية المغربية، كما خاض تجربة في كرة القدم ضمن صفوف نادي الدفاع الحسني الجديدي، وتدرج في فئاته السنية، إلى جانب ممارسة السباحة ضمن النادي ذاته، فضلا عن شغفه برياضة ركوب الأمواج.
وخلال الفترة من 2007 إلى 2013، مثل الجمعية البحرية بالجديدة، وحقق معها مجموعة من الإنجازات الوطنية، أبرزها الفوز ببطولة المغرب للقوارب الشراعية في مختلف الفئات لعدة سنوات متتالية بين 2008 و2013، إلى جانب التتويج بكأس العرش عام 2010، وإحراز لقب بطل المغرب.
كما امتدت مشاركاته إلى تمثيل المنتخب المغربي خلال الفترة من 2010 إلى 2013، محققا معه العديد من الميداليات في المنافسات الدولية، لتشكل تلك المرحلة قاعدة مهمة في بناء شخصيته الرياضية وإثراء خبراته التنافسية.
يستعيد اللباط بداياته، قائلا: “كانت مدينة الجديدة نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرتي الرياضية، فقد نشأت في بيئة عائلية تحب الرياضة وتؤمن بقيمتها، وكان لذلك أثر كبير في تشكيل شغفي منذ الصغر”.
ويضيف: “بدأت ممارسة الشراع في سن مبكرة من خلال الجمعية البحرية بالجديدة، وخضت تجارب رياضية متنوعة منحتني خبرات مختلفة، لكن الشراع كان التخصص الذي ارتبطت به أكثر، ووجدت فيه شغفي وطموحي، ومع مرور الوقت، تحولت تلك التجربة من ممارسة رياضية إلى مشروع مهني أردت من خلاله نقل ما اكتسبته إلى الأجيال القادمة”.

من منصات التتويج إلى عالم التدريب
بعد سنوات من المنافسة وتحقيق الألقاب، اتجه زهير اللباط إلى مجال التدريب عام 2008، من بوابة الجمعية البحرية بالجديدة، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته، انتقل خلالها من موقع اللاعب الباحث عن الإنجاز إلى موقع المدرب المسؤول عن إعداد الرياضيين وتطوير قدراتهم.
وبالتوازي مع تجربته الميدانية، حرص على تعزيز تأهيله العلمي والفني، حيث بدأت محطاته التكوينية عام 2004 عبر الدورات التي نظمتها الجامعة الملكية المغربية للزوارق الشراعية، قبل أن تتوسع تجربته عام 2010 من خلال برامج اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي للشراع، إلى جانب برامج أكاديمية متخصصة في التدريب الرياضي والتخطيط والتدبير الفني وتطوير الأداء الرياضي.
وشكلت مملكة البحرين المحطة الخارجية الأولى البارزة في مسيرته التدريبية، حيث تولى عام 2014 تدريب المنتخب البحريني للشراع لفئة الأوبتمست، إلى جانب الإشراف على مدرسة الشراع في منطقة البديع، والمسؤولية عن برنامج اكتشاف المواهب الرياضية، في تجربة جمعت بين إعداد المنتخبات وتطوير قاعدة الممارسين واكتشاف العناصر الواعدة.
وحقق خلال تجربته مع المنتخب البحريني نتائج مميزة، تمثلت في إحراز وصافة بطولة الخليج والبطولة العربية عام 2014، فضلا عن تحقيق العديد من النتائج والألقاب في البطولات الإقليمية والدولية.
الإمارات.. محطة الإنجازات وتوسيع الخبرات
مثلت دولة الإمارات محطة مهمة في المسيرة المهنية لزهير اللباط، حيث انضم إلى نادي تراث الإمارات، وتولى مهام تدريب سباقات الشراع الحديث، مساهما في إعداد الرياضيين والفرق للمنافسات المحلية والإقليمية والدولية.
وشهدت تجربته مع النادي خلال موسم 2016 تحقيق مجموعة من الإنجازات البارزة، تصدرها التتويج بكأس آسيا للشباب للشراع الحديث، والبطولة العربية، والبطولة الخليجية، إلى جانب الفوز ببطولة الإمارات للشراع الحديث للموسم نفسه، فضلا عن تحقيق العديد من الألقاب في البطولات الدولية والإقليمية.
وأسهمت هذه النتائج في تعزيز رصيده التدريبي وتوسيع خبرته في التعامل مع مختلف الفئات والمنافسات، كما شكلت محطة مهمة في انتقاله إلى مسؤوليات فنية أوسع ضمن منظومة رياضة الشراع في دولة الإمارات.

المدير الفني.. قيادة منظومة التطوير
مع انتقاله إلى اتحاد الإمارات للشراع والتجديف الحديث، دخل اللباط مرحلة جديدة من مسيرته، تولى خلالها منصب المدير الفني للاتحاد، لتتجاوز مسؤولياته حدود التدريب المباشر إلى الإشراف على تطوير المنظومة الفنية للعبة بصورة شاملة.
وتشمل مهامه إعداد وتطوير الخطط الفنية للمنتخبات الوطنية، ووضع البرامج الخاصة بمنتخبات المواهب والنخبة، والإشراف على إعداد الرياضيين وتأهيلهم، وتحديد برامج مشاركاتهم في البطولات المحلية والدولية.
كما يقود جهود تطوير الأداء المؤسسي والفني، من خلال المشاركة في مشروع إعادة هيكلة الاتحاد بالتعاون مع اللجنة الأولمبية الوطنية، والارتقاء بمستوى البطولات المحلية والمنافسات والتحكيم وإدارة السباقات وفق اللوائح والمعايير الدولية.
ويمتد نطاق عمله إلى تنظيم الدورات الفنية وورش العمل المتخصصة بالتعاون مع الاتحاد الدولي للشراع، والعمل على استكمال متطلبات الاعتماد والاعتراف الدولي، وتعزيز مكانة الإمارات ضمن المنظومة الدولية لرياضة الشراع.
صناعة الكفاءات الوطنية.. استثمار في المستقبل
يبرز مشروع تأهيل الكوادر الإماراتية باعتباره أحد الملفات المهمة في تجربة اللباط الفنية، حيث شهدت المرحلة الماضية تنفيذ برنامج لتكوين وتأهيل 12 مدربة ومدربا من المواطنين والمواطنات، حصلوا على التأهيل والاعتماد كمدربين من الاتحاد الدولي للشراع.
وشهد البرنامج محطة نوعية بتأهيل اللاعبة ضحى البشر لتصبح أول مدربة مواطنة في رياضة وينج فويل (Wing Foil)، بالتعاون مع الجمعية الملكية البريطانية لليخوت (RYA).
ولم يقتصر المشروع على التأهيل النظري والحصول على الاعتمادات، بل امتد إلى إتاحة فرص الممارسة الميدانية، من خلال ضم عدد من الكوادر الإماراتية إلى الطاقم الفني المشرف على المنتخبات الوطنية، والمشاركة في مهام التدريب والإشراف خلال البطولات والاستحقاقات القارية، وصولا إلى دورة الألعاب الآسيوية للشباب في سانيا بالصين 2026.
كما شمل البرنامج إعداد كوادر إماراتية لإدارة السباقات، وحصول عدد منها على الاعتماد الدولي، ومشاركتها في إدارة وتنظيم المنافسات المحلية والوطنية.
وتتسع رؤية التطوير الفني لتشمل رياضة الشراع النسائية، من خلال اكتشاف المواهب وتأهيل اللاعبات للمنافسات، إلى جانب العمل على إعداد برنامج متخصص لأصحاب الهمم، بما يعزز فرص المشاركة والدمج الرياضي، ويؤسس لقاعدة أوسع من الممارسين.
ويعكس هذا التوجه إيمانا بأن تطوير رياضة الشراع لا يرتبط بالنتائج الرياضية وحدها، بل ببناء منظومة مستدامة من الكفاءات القادرة على مواصلة العمل والتطوير ونقل المعرفة والخبرة إلى أجيال جديدة.

من أبوظبي إلى المحافل العالمية
بالتوازي مع مسؤولياته الفنية والتدريبية، امتد حضور زهير اللباط إلى مجال إدارة وتنظيم السباقات في البطولات الكبرى، حيث تولى منصب مدير السباقات في عدد من الأحداث الرياضية الدولية، من بينها الألعاب العالمية للأولمبياد الخاص أبوظبي 2019، والألعاب الخليجية الأولى للشباب 2023، والألعاب العالمية للماسترز أبوظبي 2026.
وتعكس هذه المشاركات حجم الثقة بخبراته الفنية والتنظيمية، وقدرته على إدارة المنافسات وفق اللوائح والمواصفات الدولية، والتعامل مع المتطلبات الفنية والتنظيمية للأحداث الرياضية الكبرى.
وتبقى مشاركته في الألعاب العالمية للأولمبياد الخاص أبوظبي 2019 محطة خاصة في مسيرته، لما حملته من أبعاد رياضية وإنسانية، حيث حظي بتكريم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، تقديرا للجهود والمساهمات في هذا الحدث العالمي.
يتحدث اللباط عن تلك اللحظة: “كان التكريم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظه الله، لحظة اعتزاز وفخر كبيرة في مسيرتي، وأحمل لها تقديرا خاصا، ليس فقط لقيمتها المعنوية، وإنما لما تمثله من تقدير للعطاء والعمل ضمن حدث رياضي وإنساني عالمي بحجم الألعاب العالمية للأولمبياد الخاص”.
ويتابع: “لقد كانت تجربة استثنائية جسدت قيم الإرادة والتسامح والدمج المجتمعي، وأشعر بالفخر لكوني جزءا من هذا الحدث الذي احتضنته أبوظبي، وأتوجه بالشكر والامتنان لدولة الإمارات وقيادتها الرشيدة على دعمها المتواصل للرياضة والرياضيين وأصحاب الهمم”.
حضور دولي.. ومسؤولية تتجاوز الحدود
لم يتوقف مسار اللباط عند حدود العمل الفني المحلي، بل امتد إلى الاتحاد الدولي للشراع، حيث يشغل منصب كبير المدربين المعتمدين، ويشارك في برامج التأهيل والتكوين الفني، إلى جانب عضويته في لجنة القارات بالاتحاد الدولي للدورة 2025–2028.
ويمنحه هذا الحضور فرصة للمساهمة في تطوير برامج التدريب وتبادل الخبرات وتعزيز التواصل بين الاتحادات، فضلا عن نقل التجارب والممارسات الدولية إلى البيئة الرياضية المحلية، والاستفادة من المعايير العالمية في إعداد المدربين والرياضيين وإدارة المنافسات.
وتبرز أهمية هذه المسؤوليات في كونها تجمع بين الخبرة الميدانية والتمثيل الفني الدولي، وتتيح له المشاركة في مسارات تطوير اللعبة على نطاق أوسع، بما ينسجم مع طموحات اتحاد الإمارات للشراع والتجديف الحديث في تعزيز مكانة الدولة على الساحة الدولية.
ويؤكد زهير اللباط، أن المسيرة الرياضية لا تقاس بعدد الألقاب والمناصب وحدها، بل بما تتركه من أثر في الرياضيين والمدربين والمؤسسات، وبما تسهم به في رسم مستقبل اللعبة وتوسيع حضورها على المستويين المحلي والدولي.

