كشف المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تقريره السنوي لسنة 2024 عن تراجع طلبات الإذن بزواج القاصر بنسبة 17 في المائة مقارنة بسنة 2023، رغم استمرار انتشار الظاهرة، خصوصا في الوسط القروي.
وأكد التقرير أن هذا الانخفاض لا يخفي عمق الإشكال، الذي يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية، مشددا على أن مواجهة زواج القاصرات تتطلب تنسيقا بين القوانين والسياسات العمومية، وضمان التعليم الإجباري ومحاربة الهدر المدرسي والفقر والهشاشة.
وضعية الطفولة بالمغرب… هل تكفي الإصلاحات لحماية الأطفال أم تُبقيهم رهائن الهشاشة والتهميش؟
♦زواج القاصرات.. إخفاق قانوني ومجتمعي
اعتبر الحقوقي محمد رشيد الشريعي، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، أن ظاهرة زواج القاصرات في المغرب ما تزال قائمة رغم التراجع النسبي الذي أشار إليه تقرير المجلس الأعلى للسلطة القضائية بنسبة 17 في المائة، مؤكدا أن هذا التراجع لا يخفي عمق الإشكال الحقيقي المتمثل في ضعف تفعيل القوانين وتناقض المقاربة القضائية في التعامل مع هذه الملفات.
وأوضح الشريعي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المسألة لا ترتبط فقط بسلوك الأسر أو بثقافة المجتمع، بل أيضا بالمسؤولية القانونية في تطبيق النصوص التشريعية التي وضعت أساسا لحماية القاصرات لا لتبرير زواجهن، مشيرا إلى أن استمرار منح الإذن القضائي في حالات متعددة يُعد تناقضا صريحا مع روح القانون.
وأضاف أن هناك تناقضا صارخا بين الإطار التشريعي والواقع العملي، إذ رغم وضوح القوانين التي تحدد سن الزواج في 18 سنة، فإن القضاء ما يزال يفتح الباب أمام الاستثناءات بحجة النضج الجسدي أو الظروف الاجتماعية، وهو ما يحول الاستثناء إلى قاعدة.
تعديلات مدونة الأسرة .. هل تُزيل الثغرات القانونية والتطبيقية التي تعيق تحقيق العدالة بين الجنسين؟
وقال الشريعي إن القاضي المكلف بشؤون الأسرة هو الجهة التي تمتلك القرار النهائي في قبول أو رفض طلبات الزواج دون السن القانونية، لكن عندما يتحول الإذن إلى إجراء روتيني، نصبح أمام تواطؤ مؤسساتي مع ظاهرة تمس جوهر الكرامة الإنسانية للطفلات.
وبيّن أن العديد من حالات الزواج التي يوافق عليها القضاء تتعلق بقاصرات تعرضن للاغتصاب، فيتم تزويجهن من الجناة بذريعة تسوية النزاع الأسري أو إصلاح الضرر، معتبرا هذا السلوك تشريعا غير مباشر للإفلات من العقاب، مضيفا أنه من غير المقبول أن يتحول الزواج إلى غطاء للجريمة، لأن الجاني في هذه الحالة يُكافأ بدل أن يُحاسب.
وأشار إلى أن مثل هذه القرارات تفضي غالبا إلى نتائج مأساوية، إذ تعاني القاصر من صدمة نفسية مضاعفة، وقد تنتهي حياتها بالانتحار أو الانهيار الكامل، لأنها أُجبرت على العيش مع مغتصبها في زواج يفتقد كل مقومات الإنسانية.
تنامي ظاهرة اغتصاب الأطفال بالمغرب.. أي دور للأسرة والمدرسة في محاربة ” البيدوفيليا”؟
♦الوسط القروي.. هشاشة وغياب الوعي
أكد الشريعي أن الظاهرة ليست حكرا على العالم القروي، وإن كانت نسبتها فيه مرتفعة بحسب المعطيات الرسمية التي تفيد بأن طلبات تزويج القاصرات في بعض المناطق القروية تتجاوز 98 في المائة، ما يعكس ارتباط الظاهرة بمستوى الوعي والتعليم أكثر من ارتباطها بالمجال الجغرافي ذاته.
وقال إن الأسر الفقيرة في البوادي غالبا ما ترى في تزويج بناتها القاصرات حلا اجتماعيا لتخفيف الأعباء المادية أو لتفادي العار في حالة الحمل الناتج عن اغتصاب، مبينا أن هذا الحل هو في الحقيقة مأزق إنساني وقانوني، لأنه يضاعف الضرر بدل معالجته.
وأورد أن الوعي الأسري يلعب دورا محوريا في تفاقم الظاهرة أو الحد منها، موضحا أنه حين تجهل الأسرة مخاطر تزويج القاصر على نفسيتها ومستقبلها، فإنها تصبح جزءا من الجريمة ولو بحسن نية.
وشدد الحقوقي على أن الحل لا يمكن أن يكون قانونيا فقط، بل يجب أن يكون تربويا وتوعويا، من خلال إشراك وزارة التربية الوطنية في برامج تحسيسية داخل المدارس، ومواكبة الأسر ببرامج توعية مجتمعية طويلة الأمد.
السجن 30 سنة لمغتصب تلميذات بالبيضاء.. هل استجاب القضاء لمطلب تشديد الأحكام في جرائم اغتصاب الأطفال؟
ولفت إلى أن المشكلة في الوسط القروي تكمن أيضا في صعوبة المراقبة، إذ إن كثيرا من الفتيات القاصرات يشتغلن في الرعي أو الأعمال الزراعية بعيدا عن المؤسسات التعليمية، ما يجعلهن عرضة للتحرش أو الاعتداء دون حماية مباشرة.
وأبان أن المجرمين في هذه الحالات يستغلون ضعف الرقابة واستكانة الأسر، ويستعملون الحيلة والابتزاز لتبرير أفعالهم، وفي أحيان كثيرة تتحول هذه الجرائم إلى مآسٍ تنتهي بالقتل أو الانتحار.
ولفت الشريعي إلى أن الأرقام الرسمية لا تعكس الواقع الكامل، لأن عددا من حالات الزواج العرفي لا يوثق في السجلات الرسمية، خصوصا في المناطق النائية، مبرزا أن الظاهرة أعمق من الإحصائيات، لأنها متغلغلة في البنية الذهنية للمجتمع الذي ما زال يتسامح مع فكرة تزويج الطفلات تحت غطاء العادات أو الأعراف.
♦القضاء.. بين النص والمسؤولية
أفاد محمد رشيد الشريعي أن القضاء هو الجهة الوحيدة التي تمتلك صلاحية منح الإذن بزواج القاصر، ما يعني أن المسؤولية القانونية تقع عليه بالدرجة الأولى.
سيناريو طفلة تيفلت يعاد بطاطا .. الضحية قاصر والمتهمون ينعمون بالحرية بعد استفادتهم من أحكام مخففة
ولمح إلى أن أي تهاون في هذا الجانب يمثل فشلا في حماية الطفولة وضربا لجوهر العدالة، مضيفا أنه حين يمنح القاضي ترخيصا بالزواج لقاصر بحجة توفر الشهادة الطبية أو البنية الجسدية، فإنه يتجاهل أن الأهلية للزواج ليست بيولوجية فقط، بل نفسية واجتماعية وقانونية أيضا.
وانتقد الشريعي التناقض بين التقارير الصادرة عن النيابة العامة التي تدق ناقوس الخطر بشأن ارتفاع حالات تزويج القاصرات، وبين الممارسة القضائية التي لا تزال تسمح بها في حالات متعددة، مؤكدا أن التقارير وحدها لا تكفي، والمطلوب إرادة قضائية حقيقية لتغيير الواقع.
وأبرز أن القضاء مدعو لتطبيق روح القانون لا شكله فقط، وأن الأصل هو المنع لا الاستثناء، موضحا أن أي تبرير أو مرونة في منح الإذن تفتح الباب أمام التحايل وإدامة الظاهرة.
المتهمون في ملف “قاصر طاطا” يقدمون روايتهم بخصوص الواقعة ومحاميهم يدفع ببراءتهم من تهمة الاغتصاب
وشدد على أن القانون في يد القضاء، وليس في يد السلطة التنفيذية أو الإدارة الترابية، وبالتالي إذا أراد القضاء أن يحد من زواج القاصرات، فعليه أن يمتنع عن منح التراخيص، وأن يرفض كل طلب لا تتوفر فيه الشروط القانونية الصريحة.
واعتبر أن الرهان اليوم ليس فقط على القوانين، بل على الجرأة القضائية في فرضها بصرامة، لأن أي تردد في هذا الجانب يعني أن الدولة تتنازل عن مسؤوليتها في حماية الطفلات.
وقال الشريعي إذا كانت الدولة تريد فعلا القضاء على زواج القاصرات، فعليها أن توحد موقفها التشريعي والقضائي، وأن تجعل من حماية الطفولة أولوية وطنية لا موضوعا للمناسبات، مبرزا أنه لا يكفي إصدار التقارير بل يجب أن نغلق باب الاستثناء نهائيا، لأن القاصر ليست رقما في سجل الزواج، بل روح تُسحق تحت غطاء القانون.
وخلص إلى أن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من وعي مجتمعي شامل يربط بين التعليم والكرامة والحق في الطفولة، مشددا على أن استمرار الظاهرة وصمة في جبين مجتمع يدعي الحداثة بينما يقبل بتزويج طفلات لم يغادرن بعد مقاعد الدراسة.

