انطلقت، أمس الأربعاء، بالرباط، فعاليات النسخة الثالثة من “أسبوع الاحتفاء بالضيافة”، تحت شعار: “الضيافة المغربية: من التراث إلى التميز السياحي”، وذلك بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس، بمشاركة وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والكونفدرالية الوطنية للسياحة.
ويأتي هذا الحدث في سياق تعزيز مكانة الضيافة المغربية كرافعة استراتيجية لتطوير القطاع السياحي، عبر تثمين الكفاءات وربط التكوين الأكاديمي بحاجيات سوق الشغل، ومواكبة التحولات التي يشهدها القطاع على المستويين الوطني والدولي.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور مهنيين وخبراء وطلبة ومؤسسات التكوين، إلى جانب تنظيم نهائي مسابقة “Diyafa Attractivity Challenge” التي عرفت تنافس 15 فريقاً من مؤسسات سياحية، إضافة إلى تكريم الفائزين في مسابقة “Diyafa Passion” الخاصة بالسرد الرقمي.
وتتواصل فعاليات الأسبوع إلى غاية 28 أبريل، من خلال ورشات ولقاءات وندوات جهوية تهدف إلى تطوير مهن السياحة والضيافة وتعزيز الابتكار في القطاع.
♦الضيافة رأسمال مادي ورمزي
أكد عمر حنيش، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بجامعة محمد الخامس بالرباط، خلال افتتاح “أسبوع الاحتفاء بالضيافة”، أن هذا الحدث يحمل دلالة خاصة داخل المؤسسة الجامعية، بحضور المسؤولين المؤسساتيين والمهنيين والخبراء والطلبة، معتبرا أن هذا الحضور يمنح اللقاء قيمة رمزية تعكس الأهمية المتزايدة التي أصبح يحظى بها قطاع الضيافة.
وأوضح حنيش أن الضيافة لم تعد مجرد قيمة اجتماعية أو سلوك تقليدي، بل هي جزء أساسي من الهوية المغربية، ومرآة لثقافة الكرم والانفتاح والتعايش، مشيرا إلى أنها تعكس طريقة عيش تقوم على الاحترام المتبادل، والإنصات، والتواصل الإنساني، والتفاصيل التي تمنح معنى عميقا لفعل الاستقبال.
وأضاف أن هذا البعد الضيافي لا يرتبط فقط بالتقاليد، بل هو امتداد لحضارة مغربية تشكلت عبر التاريخ في سياق الانفتاح والتلاقح الثقافي، ما جعل المغرب فضاء للتبادل والحوار والتعايش، مؤكدا أن الضيافة تمثل رأسمالا رمزيا وماديا يساهم في تعزيز جاذبية البلاد.
وأشار إلى أن عالم اليوم، الذي يتسم بالسرعة والنمطية وأحيانا فقدان البعد الإنساني، يجعل من الضيافة قيمة مركزية تعيد الاعتبار للعلاقات الإنسانية داخل المؤسسات والمجالات المهنية، باعتبارها تجربة تتجاوز تقديم الخدمة إلى بناء علاقة قائمة على الثقة والاعتراف بالآخر.
وسجل أن أسبوع الضيافة يندرج ضمن رؤية تهدف إلى إعادة تموقع هذا المفهوم في صلب التكوين والتأهيل المهني في مجالات السياحة والفندقة ومهن الاستقبال، معتبرا أنه ليس مجرد حدث ظرفي، بل مشروع فكري ومهني يروم الارتقاء بجودة الخدمات وتعزيز تنافسية القطاع.
وفي هذا السياق، أبرز أن المغرب يتوفر على مؤهلات كبيرة، تاريخية وثقافية وجغرافية، إضافة إلى تراث مادي ولا مادي غني، وقدرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما يشكل ركيزة أساسية في تعزيز مكانته السياحية على المستوى الدولي.
ولفت إلى أن الرؤية الملكية ساهمت في جعل قطاع السياحة والضيافة أحد محركات التنمية، من خلال تثمين الهوية المغربية، والرفع من جودة الخدمات، وتعزيز الابتكار والتميز، بما ينعكس إيجابا على صورة المملكة.
وأكد أن الضيافة ليست مفهوما تقليديا، بل عنصر يرتبط بصورة البلد واستراتيجيته التنموية وإشعاعه الإنساني، موضحا أنها تجمع بين البعد الرمزي والمؤسساتي والاقتصادي.
وشدد على أن الجامعة العمومية مطالبة بلعب دور محوري في هذا المجال، عبر التكوين والبحث العلمي وفتح آفاق التعاون مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بما يساهم في تأهيل الكفاءات ورفع جودة الممارسة المهنية.
وذكر بأن هذه المبادرة تشكل فضاء للتبادل والتفكير المشترك بين الطلبة والمهنيين، وفرصة لإبراز الطاقات الشابة، وتعزيز الوعي بأن الضيافة ليست قطاعا فقط، بل ثقافة وطنية ومسؤولية جماعية، داعيا إلى جعل هذا اللقاء مناسبة لترسيخ قيم الانفتاح والتميز، ومؤكدا أن المغرب يظل بلدا يجعل من الاستقبال قيمة ومن الكرم لغة ومن احترام الآخر أساسا للعيش المشترك.
♦السياحة رافعة اقتصادية وتنموية
وفي السياق ذاته، قالت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، إن “الضيافة المغربية” تمثل ركيزة أساسية في الهوية الوطنية، وقيمة يومية متجذرة في سلوك المغاربة، قائمة على الكرم والدفء وحسن الاستقبال، معتبرة أن هذا الرصيد الثقافي، حين يرقى إلى مستوى وطني، يتحول إلى ميزة تنافسية قوية وفريدة.
وأفادت الوزيرة، خلال مشاركتها في فعاليات “أسبوع الاحتفاء بالضيافة”، أن هذا الحدث يشكل مناسبة للاحتفاء بالضيافة المغربية وترسيخها ك“معيار للتميز”، مشيرة إلى أن القطاع السياحي عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات كبرى تعكس دينامية قوية على مستوى العرض والطلب.
وكشفت عمور أن المغرب استقبل خلال سنة 2025 حوالي 26 مليون سائح، وحقق 128 مليار درهم من العائدات بالعملة الصعبة، كما تم إحداث 92 ألف منصب شغل خلال 3 سنوات، ليصل عدد العاملين في القطاع إلى حوالي 900 ألف شخص، مؤكدة أن هذه الأرقام تعكس أثر السياحة كرافعة اقتصادية واجتماعية وتنموية.
وأوردت أن خارطة الطريق السياحية 2023-2026 ترتكز على تحول استراتيجي من منطق “الوجهة السياحية” إلى منطق “تجربة الزائر”، معتبرة أن هذا التحول يجعل من جودة الضيافة محورا أساسيا في بناء صورة المغرب السياحية وتعزيز تنافسيته الدولية.
وسلطت الوزيرة الضوء على مجموعة من الإجراءات الداعمة لهذا التحول، من بينها تعزيز الربط الجوي بأكثر من 30%، وإحداث 45 ألف سرير جديد، إلى جانب تطوير العرض الترفيهي عبر برامج مثل Go Siyaha وCap Hospitality، فضلا عن الاستثمار في التكوين وتأهيل الموارد البشرية.
وشددت على أن الضيافة لا تبنى بالشعارات، بل ترسخ عبر التكوين والممارسة اليومية والانخراط المهني، مشددة على أن العنصر البشري يظل في صلب أي استراتيجية للنجاح في القطاع السياحي.
ووجهت عمور رسالة إلى الطلبة، معتبرة أنهم ليسوا فقط مستقبل القطاع، بل جزء من تحوله الراهن، داعية إياهم إلى الابتكار وإعادة ابتكار مفهوم الضيافة في سياق عالمي يتسم بالتشابه، من خلال تقديم حلول وأفكار جديدة تعزز التجربة السياحية المغربية.
كما نوهت بالمهنيين والعاملين في القطاع، معتبرة أنهم يجسدون يوميا صورة المغرب في مجال الضيافة، وداعية إلى مواصلة الاستثمار في الكفاءات والموارد البشرية لضمان الاستمرارية والتميز.
وجددت الوزيرة تأكيدها على أن الضيافة المغربية ليست مجرد إرث ثقافي، بل رافعة استراتيجية وميزة تنافسية غير قابلة للتقليد، معتبرة أن الرهان اليوم هو تحويل هذا الرصيد إلى قوة ناعمة تعزز تموقع المغرب كوجهة سياحية قائمة على التجربة والجودة والإنسانية.
♦الضيافة المغربية ميزة تنافسية
رأى حميد بنطاهر، رئيس الكونفدرالية الوطنية للسياحة، أن قطاع السياحة والفندقة بالمغرب يعيش مرحلة مفصلية تتطلب تعبئة قوية للطاقات والكفاءات، معتبرا أن الرهان الأساسي اليوم هو الاستثمار في الإنسان باعتباره القلب النابض لهذه الصناعة.
وأبان بنطاهر خلال مشاركته في فعاليات “أسبوع الاحتفاء بالضيافة”، أن القطاع السياحي هو بالأساس “صناعة إنسانية”، حيث تشكل جودة الخدمة، وحسن الاستقبال، والاهتمام بالتفاصيل عناصر حاسمة في تحويل الإقامة السياحية إلى تجربة استثنائية، مشددا على أن هذا البعد الإنساني هو ما يميز العرض السياحي المغربي.
وسجل أن طموحات القطاع كبيرة، خاصة في أفق استقبال حوالي 26 مليون سائح في أفق 2030، وهو ما يفرض تحديين أساسيين: تلبية الطلب المتزايد من حيث الحجم من جهة، والارتقاء بجودة العرض السياحي من جهة ثانية، في سياق منافسة دولية قوية ومتسارعة.
وأورد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الأرقام، بل في “الارتقاء بالمستوى”، مبرزا أن السياح اليوم أصبحوا أكثر تطلبا، ولم يعودوا يبحثون فقط عن الإقامة، بل عن تجربة متكاملة وأصيلة تعكس روح الضيافة المغربية.
وأكد أن هذه الضيافة المغربية تمثل نقطة قوة أساسية يجب تثمينها وتطويرها، باعتبارها عنصرا مميزا في التجربة السياحية الوطنية، وقيمة مضافة يصعب منافستها على المستوى الدولي.
وشدد على أن دور مؤسسات التكوين والجامعات حاسم في هذا المسار، موضحا أن التكوين لا يجب أن يقتصر على المهارات التقنية فقط، بل ينبغي أن يشمل أيضا ترسيخ ثقافة الخدمة، وروح التميز، والاحترافية في الأداء.
ونبه إلى أن هناك عملا متواصلا مع المهنيين من أجل ملاءمة البرامج التكوينية مع حاجيات السوق، خاصة في مجالات الرقمنة، والتنمية المستدامة، وتدبير تجربة الزبون، باعتبارها محاور أساسية في تطور القطاع.
ودعا الطلبة إلى استثمار هذه المرحلة التكوينية من أجل التعلم والتفاعل مع المهنيين وتطوير مهاراتهم، مؤكدا أن “الشغف” يبقى عنصرا أساسيا للنجاح في هذا القطاع، وللارتقاء إلى مستوى التحديات المطروحة.
وذهب إلى أن مستقبل السياحة المغربية مرهون بقدرة الفاعلين على الجمع بين التميز المهني والبعد الإنساني، بما يعزز مكانة المغرب كوجهة سياحية قائمة على الجودة والتجربة والهوية.

