استثمر المغرب دوره الدولي في أول اجتماع لمجلس السلام بواشنطن، أمس الخميس، ليصبح أول دولة تقدم مساهمة رسمية لغزة ضمن هذا الإطار.
وقال ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن المملكة ستشارك بقواتها المسلحة لضمان الاستقرار، وسترسل عناصر أمنية لتدريب الشرطة المحلية، إضافة إلى إنشاء مستشفى ميداني لتقديم خدمات صحية عاجلة للسكان المتضررين.
وأشار بوريطة إلى أن مساهمة المغرب المالية المباشرة تعكس التزام المملكة بدعم جهود إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار، مؤكدا أن المبادرة تتضمن دعما أمنيا، تدريبيا وإنسانيا متكاملا.
وعليه، فقد انضمت المملكة إلى قائمة أول خمس دول تعهدت بإرسال قوات للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، بينما تتولى دول أخرى مهمة تدريب الشرطة المحلية، في خطوة تهدف إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة تمهيدا لتحقيق السلام المستدام ودعم جهود إعادة البناء في القطاع.
♦المغرب يعزز موقعه الدولي
أوضح المحلل السياسي هشام معتضد، أن مشاركة المغرب في أول اجتماع لمجلس السلام بواشنطن تمثل خطوة استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، مؤكدا أن حضور المغرب يعكس رؤية متكاملة تضع استقرار المشرق العربي في قلب معادلة الأمن المتوسطي–الأطلسي.
وبيّن معتضد في تصريح لجريدة”شفاف”, أن الرباط، برصيدها التاريخي والسياسي المتراكم، تمتلك القدرة على لعب دور حلقة وصل بين الشرعية الدولية والقبول المحلي، ما يمنحها مصداقية في تقديم مبادرات عملية تعزز الاستقرار الإقليمي.
وأكد المحلل السياسي أن المشاركة المغربية ترسل رسالة مزدوجة؛ فهي تؤكد التزام المملكة بالمبادرات الدولية المرتبطة بالأمن الجماعي، وتبرز في الوقت ذاته استقلالية القرار ضمن شراكات متعددة الأطراف.
وأفاد أن الرباط حافضت على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، مع عدم التنازل عن عمقها العربي والإسلامي، أو عن الثقة التي اكتسبتها لدى الفلسطينيين، ما يمنحها القدرة على أداء دور الوسيط الجسري بين العواصم المؤثرة والأطراف المعنية مباشرة بالأزمة.
مجلس السلام وغزة.. دور المغرب بين واشنطن وتوازنات الشرق الأوسط؟
وأشار معتضد إلى أن الثقة التي يحظى بها المغرب لدى الفلسطينيين ليست شعورا عاطفيا، بل نتاج سياسة متواصلة تشمل مبادرات ميدانية وإنسانية ورعاية سياسية مستمرة للقضية الفلسطينية على أعلى مستوى.
واعتبر أن هذا الرصيد يتيح للمملكة طرح مقاربات عملية لحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات الإنسانية وتهيئة بيئة أمنية تقلل من احتمالية تجدد دوائر العنف، مضيفا أن المغرب يسعى من خلال هذا الدور إلى تقديم حلول واقعية ومستدامة تعزز الأمن والسلام في غزة والمنطقة.
♦هندسة التوازنات الإقليمية
قال معتضد إن الرباط تعمل على الجمع بين الانخراط الفعّال والحفاظ على قدرة التأثير، بعيدا عن المحاور الاستقطابية التي قد تحد من حركتها.
ولفت إلى أن الحفاظ على مسافة متوازنة من الأطراف الإقليمية يمنح المملكة هامشا أكبر لتقديم مبادرات مقبولة وتحقيق تأثير ملموس على الأرض.
الملك يقبل دعوة الرئيس الأمريكي للانضمام كعضو مؤسس لـ “مجلس السلام” الدولي
وأبان معتضد أن المغرب يساهم في صياغة آليات استقرار مستدامة ترتكز على الأمن الإنساني وإعادة الإعمار وبناء الثقة بين الفاعلين المحليين، ضمن إطار دولي يحافظ على الاستمرارية ويجنب المملكة الانجرار إلى التزامات تتجاوز قدراتها.
وشدد أن الرباط تقدم حلولا قابلة للتنفيذ، متسقة مع مصالحها الاستراتيجية والمبادئ الدولية، ما يعزز دورها كفاعل مؤثر في المنطقة.
ونوّه المحلل السياسي بالدور الرمزي الذي يلعبه المغرب داخل الفضاء العربي، مشيرا إلى أن هذه المشاركة تعزز مكانة المملكة دون الانزلاق إلى صراعات تنافسية قد تقلل من فعالية أي جهود استقرار.
وأبرز أن القدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف الإقليمية تمنح الرباط حرية أكبر في تقديم مبادرات مقبولة وفعّالة، مع تفادي أي اختلال قد يضعف مصداقيتها ويقلل من أثر المبادرات التي تقدمها.
♦القوة الناعمة وآفاق المستقبل
اعتبر معتضد أن المغرب استثمر في الرأسمال الرمزي للمملكة، مؤكدا مكانتها كدولة ذات مصداقية في ملفات القدس وغزة، وموضحا أن هذا الرصيد يمنح المملكة نفوذا مؤسسيا داخل أطر متعددة الأطراف، ويعزز قدرتها على أداء دور فعّال في لحظات إعادة ترتيب أولويات النظام الدولي، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات وتراجع الثقة بين القوى الكبرى..
وذهب المحلل السياسي إلى أن المغرب يفتح آفاقا واسعة للاضطلاع بأدوار تنفيذية في ترتيبات ما بعد التهدئة، سواء في مجال إعادة الإعمار، أو تدريب الأطر المدنية، أو دعم آليات الحوكمة المحلية.
وكشف أن ذلك يتطلب يقظة مستمرة للحفاظ على التوازن بين الانخراط الفعّال وتجنب الالتزامات التي تتجاوز قدرة المملكة على التأثير الفعلي، مؤكدا أن الرباط تسعى لتعزيز دورها بطريقة مدروسة تحقق تأثيرًا ملموسًا دون الانجرار إلى مسؤوليات قد تضعف نفوذها الاستراتيجي.
وخلص معتضد إلى أن مشاركة المغرب في اجتماع مجلس السلام تشكل اختبارا لقدرة المملكة على تحويل رصيدها التاريخي والسياسي إلى موقع مؤثر في هندسة الاستقرار الإقليمي.
غزة تحت القصف.. هل تنجح دبلوماسية المملكة في وقف العدوان الإسرائيلي؟
وأظهر أن هذه الخطوة تمثل جزءا من رؤية ملكية تعتمد على تراكم الثقة وضبط التوازن بين المبادئ والمصالح، وبين الانتماء العربي والامتداد الأطلسي.
وأكد أن المملكة تعمل على تقديم مساهمة استراتيجية مستدامة في إعادة صياغة أولويات النظام الدولي في ظل الأزمات المتلاحقة، مع الحفاظ على استقلالية القرار وقدرة التأثير البنّاء.

