يشهد المغرب تحولات ديموغرافية مستمرة، تتمثل في ارتفاع نسبة كبار السن ضمن مجموع السكان نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وهو ما أشار إليه تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، مبرزا هذه التحولات التي كانت تاريخيا سمة للدول المتقدمة، أصبحت ملموسة أيضا في المغرب، مع تداعيات واضحة على الاقتصاد والخدمات الاجتماعية والصحية.
وبحسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط، فقد بلغ عدد كبار السن في المغرب خلال عام 2024 نحو خمسة ملايين شخص، أي حوالي 14 في المائة من إجمالي السكان، ويتوقع أن يصل العدد إلى نحو عشرة ملايين بحلول عام 2050، ما سيجعلهم يشكلون ربع السكان تقريبا.
وتشير المعطيات إلى أن نسبة الشباب دون 15 سنة تتراجع بشكل مستمر، حيث بلغت 26.5 في المائة في 2024، ومن المتوقع أن تتقارب مع نسبة كبار السن بحلول أوائل الأربعينيات.
كما يلفت التقرير إلى ارتفاع نسبة الاعتماد العمري، أي العبء الواقع على السكان النشطين، حيث ارتفعت هذه النسبة من 13.1 في المائة في 2004 إلى 22.8 في المائة في 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 39.4 في المائة بحلول عام 2050، ما يزيد الضغط على نظام التقاعد والخدمات الصحية والاجتماعية.
ويظهر التقرير أن التفاوتات الكبيرة بين كبار السن حسب الجنس والمستوى التعليمي والوضع الاقتصادي. فقد بلغ عدد النساء في صفوف كبار السن 51.2 في المائة، وترتفع هذه النسبة مع التقدم في العمر بسبب طول العمر النسبي للنساء، مبرزا أن نسبة الأرامل بين النساء بلغت 37.6 في المائة مقابل 4.1 في المائة لدى الرجال، ما يعزز هشاشة النساء اجتماعيا واقتصاديا.
وقد أظهر التقرير أن أكثر من نصف كبار السن أميون، وتبلغ النسبة بين النساء 72.6 في المائة، ما يحد من وصولهم إلى الخدمات والمعلومات الإدارية والاجتماعية والصحية (المندوبية السامية للتخطيط، 2024).
ويبين التقرير أن المشاركة الاقتصادية لكبار السن منخفضة، حيث بلغت 16.1 في المائة في 2024، فيما يحصل ثلث الرجال فقط و6.7 في المائة من النساء على معاش تقاعدي، ما يزيد اعتمادهم المالي على الأسرة، مشيرا إلى أن نصف كبار السن النشيطين يمارسون أنشطة مستقلة وغير مستقرة دون تغطية اجتماعية.
وبخصوص الصحة وظروف المعيشة، لفت التقرير إلى أن نسبة الإعاقة ترتفع مع العمر، لتصل إلى 38 في المائة بين من هم فوق 75 سنة، وأن 69.2 في المائة من كبار السن لديهم تغطية صحية، لكنها أقل بين النساء (65.1 في المائة) مقارنة بالرجال (73.4 في المائة)، ومبينا أن أغلب كبار السن يستفيدون من الرعاية الصحية في القطاع العام، خصوصاً في المناطق القروية (70.9 في المائة)، في حين أن 3.2 في المائة منهم لا يتلقون أي علاج طبي.
أما من حيث السكن، فقد أظهر التقرير أن 81.6 في المائة من كبار السن يمتلكون مساكنهم، تصل إلى 91 في المائة في القرى، ما يحد من مخاطر الإسكان، لكن البنية التحتية الأساسية مثل المياه والصرف الصحي لا تزال محدودة في المناطق القروية مقارنة بالمدن.
ويكشف التقرير أن الشيخوخة تتوزع بشكل متفاوت بين المدن والقرى، حيث بلغت نسبة كبار السن 14 في المائة في الحضر مقابل 13.4 في المائة في القرى عام 2024، إلا أن نسبة الاعتماد العمري في القرى من المتوقع أن تصل إلى 46.6 في المائة بحلول 2050 مقابل 36.9 في المائة في المدن، نتيجة انخفاض عدد الشباب والهجرة نحو المدن.
ويخلص التقرير إلى أن هذه التحولات الديموغرافية تتطلب مراجعة شاملة للسياسات العامة لضمان الشيخوخة الكريمة، بما يشمل تطوير أنظمة التقاعد، وتعزيز الخدمات الصحية، ومكافحة العزلة الاجتماعية، وتكييف السكن والفضاءات العامة، مع التركيز على حقوق كبار السن واستقلالهم وإسهاماتهم في المجتمع.

