أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن مشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية، رغم أهميته في معالجة إشكالية الاكتظاظ وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية، لا يمكن اعتباره إصلاحا شاملا لمنظومة التعليم العالي، ما لم يدمج ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تعالج مختلف الاختلالات البنيوية التي تواجه الجامعة المغربية.
وأوضح المجلس، في رأيه رقم 2026/20 الصادر في ماي 2026، أنه توصل بطلب رأي من رئيس الحكومة بتاريخ 6 أبريل 2026 بشأن مشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية، استنادا إلى مقتضيات الدستور والقانون المنظم للمجلس، ومجموعة من المرجعيات الوطنية التي تؤطر إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
وأشار إلى أن المشروع المعروض يهدف إلى إعادة توزيع العرض الجامعي على المستوى الوطني، بما يساهم في التخفيف من الاكتظاظ داخل الجامعات العمومية، وتجديد العرض التكويني، وتعزيز ملاءمته مع متطلبات التنمية الوطنية والترابية، فضلا عن تقريب الخدمات الجامعية من الطلبة وتحقيق مزيد من الإنصاف المجالي.
ولفت المجلس إلى أن الوثيقة تقترح اعتماد مقاربة ترتكز على محورين أساسيين، يتمثل أولهما في إعادة تنظيم الجامعات الكبرى من خلال تقسيمها إلى مؤسسات جامعية متعددة، فيما يهم الثاني إحداث مؤسسات جامعية جديدة وتطوير عروض تكوينية تستجيب للتحولات المرتبطة بالمهن المستقبلية ومتطلبات التنمية الجهوية.
وبين أن المشروع يستهدف تقسيم جامعة ابن زهر بأكادير إلى خمس جامعات، وجامعة عبد المالك السعدي بتطوان إلى ثلاث جامعات، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى ثلاث جامعات، وجامعة محمد الخامس بالرباط إلى ثلاث جامعات، وجامعة القاضي عياض بمراكش إلى ثلاث جامعات، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس إلى جامعتين، وجامعة مولاي إسماعيل بمكناس إلى جامعتين، وجامعة محمد الأول بوجدة إلى جامعتين.
وأضاف أن المشروع يبقي على جامعات شعيب الدكالي بالجديدة، والحسن الأول بسطات، وابن طفيل بالقنيطرة، ومولاي سليمان ببني ملال دون تغيير، ما سيمكن من الانتقال من 12 جامعة عمومية حاليا إلى 27 جامعة مستقبلا، مع تنفيذ تدريجي يمتد بين سنتي 2026 و2028، واستثمارات متواصلة إلى غاية سنة 2030.
♦اختلالات التشخيص والمنهجية
سجل المجلس جملة من الملاحظات المنهجية والهيكلية على الوثيقة، معتبرا أن الطموحات المعلنة فيها لا تجد امتدادا واضحا داخل المقاربة المعتمدة، التي تركز أساسا على البعد المجالي دون معالجة شاملة لباقي أبعاد الإصلاح الجامعي.
واعتبر أن استعمال مفهوم “المخطط المديري” داخل الوثيقة جاء دون تقديم تصور استراتيجي حقيقي يرقى إلى مستوى هذا المفهوم، إذ اقتصر المشروع على إعادة توزيع العرض الجامعي جغرافيا، دون بلورة رؤية شاملة لإعادة هيكلة التعليم العالي.
وأبرز أن الوثيقة تنطلق من تشخيص يعتبر الاكتظاظ عاملا مؤثرا على جودة التكوين وظروف التعلم وقابلية التشغيل، وهي إشكالات ذات أبعاد بيداغوجية وتنظيمية وهيكلية متداخلة، غير أن الحل المقترح اقتصر على إعادة تنظيم الخريطة الجامعية دون معالجة باقي المحددات المؤثرة.
كما لاحظ المجلس أن المشروع يقدم مراجعة الخريطة الجامعية باعتبارها مرحلة أولى من مسار إصلاحي، لكنه لا يحدد المراحل اللاحقة ولا يوضح كيفية الانتقال بينها أو الآليات الكفيلة بضمان استمرارية هذا التوجه الإصلاحي.
وشدد على أن التركيز الكبير على الإنصاف المجالي وتقريب الجامعة من الطلبة يظل اختيارا إيجابيا ومشروعا، غير أنه لا يقابله اهتمام مماثل بشروط الجودة والنجاعة وبناء جامعات قادرة على أداء أدوارها الأكاديمية والعلمية والتنموية.
ونبه إلى أن الربط بين مراجعة الخريطة الجامعية والحاجيات الاقتصادية والمهن الجديدة يظل محدودا في غياب آليات دقيقة لتحقيق هذه الملاءمة، خاصة من خلال إشراك الجامعات والفاعلين الترابيين والاقتصاديين في بلورة التصورات المرتبطة بالتكوين والبحث العلمي.
♦إيجابيات المشروع وشروط النجاح
ثمن المجلس عددا من الجوانب الإيجابية التي يتضمنها المشروع، لكنه شدد في المقابل على ضرورة توفير شروط ومستلزمات أساسية لضمان نجاح عملية إعادة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية وتحقيق أهدافها المعلنة.
وأفاد أن تقسيم الجامعات الكبرى يمكن أن يساهم في تكريس الإنصاف المجالي من خلال توزيع أكثر توازنا للعرض الجامعي العمومي، وتمكين مختلف المجالات الترابية من جامعات قادرة على مواكبة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
واعتبر أن هذا التوجه من شأنه أيضا التخفيف من حدة الاكتظاظ داخل المؤسسات الجامعية وتحسين الحكامة والتدبير، فضلا عن تقريب الخدمات الجامعية من المواطنين وتعزيز ارتباط الجامعة بحاجيات محيطها الجهوي.
ولفت إلى أن المشروع قد يساهم في خلق نوع من التنافسية الإيجابية بين الجامعات العمومية، بما يحفزها على تطوير أدائها وتحسين جودة خدماتها وتكويناتها بشكل مستمر.
وفيما يتعلق بإحداث مؤسسات جامعية جديدة وعروض تكوينية متخصصة، أكد المجلس أن هذه المبادرات تدخل ضمن الصلاحيات القانونية لمجالس الجامعات، انسجاما مع مبدأ الاستقلالية الإدارية والبيداغوجية والمالية الذي تكفله النصوص التشريعية الجاري بها العمل.
وفي المقابل، شدد على أن نجاح المشروع يقتضي ربط مراجعة الخريطة الجامعية بتحول شامل في النموذج البيداغوجي ووظائف الجامعة وحكامة المؤسسات الجامعية ومنظومة البحث والابتكار، مع إدراج هذه العملية ضمن تصور استراتيجي متكامل وليس مجرد تدخل جزئي يقتصر على إعادة توزيع البنيات والمؤسسات.
ودعا إلى تفعيل الاستقلالية الحقيقية للجامعات حتى تتمكن من الاضطلاع بأدوارها التنموية، محذرا من استمرار مركزية القرار التي قد تفرغ عملية التقسيم من مضامينها الفعلية وتحولها إلى مجرد إعادة توزيع إداري للمؤسسات.
كما طالب بوضع تصور واضح لآليات القيادة والتتبع والتقييم وتوزيع الأدوار بين مختلف المتدخلين، مع اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس التقدم المحقق خلال مختلف مراحل التنفيذ وتفادي التأخر أو ضعف الأثر المنتظر.
وسجل أن الوثيقة لا تتضمن تفاصيل كافية حول المراحل اللاحقة للإصلاح ولا حول طبيعة الانتقال بينها، الأمر الذي يحد من قدرتها على توفير رؤية واضحة ومتكاملة لمسار التحول المنشود.
♦مخطط استراتيجي وإصلاح شامل
دعا المجلس إلى اعتماد مخطط مديري وطني للتعليم العالي باعتباره الإطار الاستراتيجي المركزي القادر على تأطير مختلف التدخلات الإصلاحية وضمان انسجامها وتكاملها وتحقيق التحول الحقيقي للجامعة المغربية.
وجدد التأكيد على أن التجارب السابقة والتحديات الراهنة والمستقبلية التي تواجه التعليم العالي تفرض الانتقال من المقاربات الجزئية إلى رؤية شمولية متعددة الأبعاد، تستحضر الجوانب البيداغوجية والتنظيمية والبحثية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأظهر أن الغاية من المخطط المديري لا تقتصر على إعادة توزيع المؤسسات الجامعية على المستوى الترابي، بل تتمثل أساسا في جعل الجامعة فاعلا محوريا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحركا لإنتاج المعرفة والابتكار وتثمين الرأسمال البشري الوطني.
ورأى أن التحول المنشود يستوجب إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي، وتعزيز النموذج البيداغوجي، وإرساء حكامة فعالة، وتكريس التكامل بين مختلف التكوينات والمسارات الأكاديمية وبرامج البحث.
وذهب إلى أن إعداد هذا المخطط ينبغي أن يتم وفق مقاربة تشاركية تضم مختلف الفاعلين والمؤسسات المعنية، وأن يندرج ضمن برمجة متعددة السنوات ذات أهداف واضحة ومؤشرات دقيقة وآجال زمنية محددة.
وأكد المجلس أن نجاح مشروع مراجعة الخريطة الجامعية يظل رهينا بتوفير عدد من الشروط الأساسية، في مقدمتها وضع خطة لمواكبة الجامعات المحدثة حديثا، خاصة تلك التي لا تتوفر بعد على عرض تكويني متنوع ومتكامل.
كما أوصى بإعداد برنامج متكامل لتطوير الخدمات الجامعية الموازية، بما يشمل الأحياء الجامعية والمرافق الرياضية والثقافية والفنية والترفيهية والخدماتية، بهدف جعل الجامعة فضاء جاذبا يوفر شروط حياة جامعية متكاملة.
وطالب كذلك توسيع نطاق التقسيم المقترح بالنسبة لبعض الجامعات الكبرى التي ما تزال تضم أعدادا مرتفعة من الطلبة تفوق بكثير المتوسط المستهدف المحدد في حوالي أربعين ألف طالب لكل جامعة.
وأوصى بإصدار النصوص القانونية والتنظيمية الضرورية لتفعيل الخريطة الجامعية الجديدة ومنحها الطابع الإلزامي خلال فترة التنفيذ الممتدة بين سنتي 2026 و2028.
وخلص إلى أن ملاحظاته وتوصياته تروم تعزيز دقة ونجاعة مشروع مراجعة الخريطة الجامعية العمومية، وجعله أكثر انسجاما مع مقتضيات القوانين المؤطرة لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ومع الرهانات التنموية التي تواجه المغرب، وعلى رأسها تأهيل الرأسمال البشري وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.

