بقلم : يونس بلعايدي
تعد الممارسة السياسية في المجتمعات الديمقراطية الناشئة عملية تنافسية نبيلة تهدف في جوهرها إلى خدمة الصالح العام وتقديم برامج تنموية حقيقية تنهض بواقع المواطنين في مختلف المدن والأقاليم.
وفي كل محطة انتخابية يبرز في المشهد نوعان من الخطاب؛ خطاب رصين يراهن على إقناع المواطنين بالبرامج والرؤى والمشاريع المجتمعية المتكاملة، وخطاب آخر بئيس يفضل صناعة الضجيج وتشويه الخصوم وإطلاق الأحكام المسبقة قبل أن يقول المواطن كلمته.
وما شهدته مدينة آسفي العريقة في الآونة الأخيرة من تدوينات وحملات تشهير ممنهجة تستهدف حزب التقدم والاشتراكية ومرشحه للاستحقاقات التشريعية، الأستاذ عبد الرزاق أعبيد، لا يثير الاستغراب بقدر ما يثير الأسف على ما آلت إليه ثقافة الاختلاف، حيث تحول النقاش السياسي من مقارعة الحجة بالحجة إلى إطلاق أوصاف مهينة ونعت المناضلين والمواطنين الأحرار بنعوت قدحية لمجرد مساندتهم لمشروع سياسي واعد، مما يكشف عن أزمة أخلاقية وفكرية عميقة تتستر بغطاء العمل الإعلامي المأجور لتمارس ضغوطا وابتزازا يهدف إلى النيل من سمعة النزهاء أو إجبارهم على الانصياع لأجندات خاصة.
إن حزب التقدم والاشتراكية ليس تنظيما وليد اللحظة في المشهد السياسي المغربي، ولا هو بالحزب الموسمي الذي يظهر فقط مع اقتراب صناديق الاقتراع ليطلب صكوك الغفران أو شرعية الوجود من أحد؛ فهو مدرسة وطنية عتيدة وتنظيم سياسي عريق ساهم، عبر محطات تاريخية كبرى، في صياغة النقاش الوطني حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ومن حقه الكامل والمكفول دستوريا وديمقراطيا أن يقدم مرشحيه ويطلب ثقة المواطنين بناء على هذا التاريخ المجيد ومشروعه المجتمعي التقدمي الذي يضع كرامة المواطن فوق كل اعتبار.
وفي هذا السياق المبدئي، يبرز اسم عبد الرزاق أعبيد باعتباره أحد أبناء مدينة آسفي الأبرار ممن اختاروا الانخراط في العمل السياسي من داخل المؤسسات، مشهودا له بالهدوء والاستقامة والسيرة الطيبة والعمل الميداني القريب من هموم الساكنة، وهي مؤهلات أخلاقية وكفاءة ميدانية تضاف إلى مشروعه السياسي، بعيدا عن أساليب التسويق السياسي الزائف والممارسات التقليدية التي تبتعد عن جوهر العمل الديمقراطي.
وتتجلى الخطورة في كون هذه الحملات الموجهة ضد شخصيات بوزن عبد الرزاق أعبيد لا تستند مطلقا إلى نقد موضوعي للأداء أو الطروحات السياسية، بل تعتمد على التشهير واختلاق الأكاذيب وتشويه الحقائق عبر منصات رقمية ممولة، تحول فيها بعض أدعياء الإعلام إلى أدوات للمضاربات السياسية وابتزاز المرشحين.
وعندما يرفض مرشح يتمسك بمبادئ الاستقلالية والنزاهة الخضوع لعمليات الابتزاز المادي أو السياسي، يجد نفسه هدفا مباشرا لهذه الحملات المنظمة؛ وهي المواجهة التي تعكس موقفا أخلاقيا ومبدئيا شجاعا يستحق التوقف عنده، فرفضه الرضوخ ليس مجرد خيار سياسي عابر بل هو انتصار حقيقي لكرامة الناخب ولنقاء العملية الانتخابية برمتها، وإثبات قاطع للرأي العام في آسفي بأن مشروعه السياسي ليس سلعة قابلة للمساومة في أسواق النخاسة الإعلامية، وأن الكلمة الحرة والنزيهة لا تباع ولا تشترى.
إن هذه المعركة تكشف بوضوح عن أزمة الإعلام الرقمي غير المنظم عندما ينحرف عن دوره كمرآة للمجتمع وضامن لتكافؤ الفرص، ليصبح أداة هدم تسيء للمسار الديمقراطي ككل وتفقد الناخب ثقته في المؤسسات، مما يضع على عاتق ساكنة مدينة آسفي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مسؤولية التمييز بين الإعلام الجاد الذي يناقش البرامج ويحاسب على الأداء، وبين التضليل الذي يمارسه بعض المنتحلين بغرض الابتزاز وإقصاء الكفاءات النزيهة التي تترفع عن الانخراط في هذه اللعبة.
إنها مسؤولية مشتركة تتطلب أيضا تدخلا من السلطات المختصة والنقابات المهنية لتقنين هذا الفضاء ووضع حد للممارسات التي تقتات على الفتن تحت مسمى حرية التعبير، علما أن حرية التعبير تنتهي تماما عند بداية التشهير والمساس بكرامة الأفراد.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي في آسفي أن تكون المنافسة منافسة شريفة بين الأفكار والكفاءات والمشاريع التي تحترم ذكاء الناخبين، لا بين الإهانات والنعوت، فمن يثق في مشروعه لا يخشى المنافسة، ومن يؤمن بالديمقراطية لا يخاف من صناديق الاقتراع التي تمنح الشرعية الحقيقية يوم التصويت بعيدا عن تزييف الوعي.
وتظل تجربة الأستاذ عبد الرزاق أعبيد في صموده وثباته خلف لواء حزب التقدم والاشتراكية بمثابة برنامج انتخابي صامت يتحدث عن النزاهة قبل الكلمات، وبارقة أمل تؤكد أن المستقبل السياسي يتطلب قامات تؤمن بالعمل الميداني والترفع عن الصغائر، وأن وعي المواطن المسفيوي هو الكفيل في النهاية بفرز الغث من السمين، مؤكدا أن الابتزاز ليس وسيلة لإثبات الحقيقة بل هو دليل ضعف وفشل وانحطاط أخلاقي يمارسه من لا يملكون حجة لمواجهة البرامج الحقيقية والتطلعات التنموية لمدينة لها من التاريخ ما يفرض على الجميع احترام شرف المنافسة ونبل العمل السياسي الموجه لخدمة المواطن أولا وأخيرا.

