خلف حريق مهول اندلع منذ أمس الثلاثاء بغابة الدردارة بإقليم شفشاون خسائر فادحة في الغطاء الغابوي وحقول الأشجار المثمرة، وسط ظروف مناخية صعبة تميزت برياح قوية وارتفاع درجات الحرارة.
وانضمت منذ صباح اليوم الأربعاء، ثلاث طائرات “كنادير” وعناصر من القوات المسلحة الملكية إلى جهود الإطفاء، منفذة طلعات مركزة على بؤر النيران خاصة في مقطعي سيدي يرسول وأكراط.
وتعمل فرق التدخل الأرضي، المكونة من عناصر الوقاية المدنية، والقوات المساعدة، والدرك الملكي، والسلطات المحلية، والمياه والغابات، على السيطرة على الحريق وحماية الساكنة القريبة من أي خطر محتمل، مع الإسناد الجوي المستمر.
خبراء يبرزون لـ”شفاف” آثار ارتفاع درجة الحرارة على تبخر مياه السدود ونشوب الحرائق
وفي موازاة ذلك، أوقفت مصالح الدرك الملكي شخصا يشتبه في تسببه في الحريق، بعدما أقدم على إحراق نفايات قرب الغابة، حيث وضع رهن الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة.
وتعكس هذه الواقعة التحدي الكبير الذي تفرضه حرائق الغابات، وتطرح بإلحاح ضرورة تطوير آليات الوقاية والتوعية المجتمعية للحد من تكراره.
♦العامل البشري وراء الحرائق
أوضح مصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، أن المعلومات المتداولة حول حرائق الغابات التي شهدتها شفشاون والمناطق المجاورة تشير إلى أن العامل البشري كان السبب الرئيسي لاندلاعها.
وأفاد رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ في تصريح لجريدة “شفاف”، بأن الأخبار المتداولة تفيد بإيقاف أحد المشتبه فيهم وفتح تحقيقات لمعرفة ملابسات الحادث.
وذكّر الفاعل البيئي بأن السنوات الماضية، بما فيها الموسم الحالي، أثبتت أن السلوك الإنساني، سواء عن قصد أو دون قصد، يظل السبب الغالب في اشتعال النيران، خاصة في ظل تزايد أعداد الزوار الوافدين على الغابات للاستجمام، مدفوعين بوجود عدد من المنتجعات السياحية والمناطق الطبيعية الجاذبة، مثل منطقة دردرة، وبعض المنتزهات المعروفة في شفشاون.
موجة الحر بالمغرب.. كيف يواجه المواطن تداعيات المناخ وضعف التدبير المحلي؟
وأشار المتحدث إلى أن الاكتظاظ الذي تشهده هذه المناطق في مواسم الإقبال السياحي يترافق مع غياب ثقافة النزهة البيئية لدى عدد من المرتادين، حيث يترك الزجاج والبلاستيك والنفايات داخل الغابة، وهي مواد يمكن أن تؤدي بسهولة إلى اندلاع الحرائق، خصوصا إذا ترافقت مع إشعال النار لأغراض الطهي أو التدفئة وعدم إطفائها بالكامل.
ونبّه إلى أن أعقاب السجائر تمثل بدورها خطرا كبيرا في مثل هذه الظروف، حيث يكفي شرارة صغيرة لتتحول إلى حريق واسع في ظل الحرارة المرتفعة.
وبيّن أن طبيعة المنطقة الجغرافية تزيد من خطورة الوضع، فهي جبلية رعوية وزراعية في الوقت نفسه، وتعرف نشاطا مكثفا لمربي الماشية والرعاة، ما يضاعف احتمالات الاحتكاك المباشر مع الغابة واستخدام مواردها بشكل قد يكون غير مسؤول.
وحذر من أن استمرار هذه الممارسات دون تغيير السلوك العام تجاه البيئة سيؤدي إلى فقدان الغابة، التي تعد رئة طبيعية أساسية وموردا حيويا للحد من التغيرات المناخية، بفضل قدرتها على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتنقية الهواء.
♦غياب الوعي البيئي المحلي
لفت بنرامل إلى أن المنطقة تعد حيوية على أكثر من مستوى، إذ تشهد توسعا في النشاط الزراعي، إضافة إلى توجه ملحوظ نحو تأهيل المناطق السياحية وتنشيط الحركة الاقتصادية عبر السياحة والصناعة والفلاحة
وأضاف أن هذه الأنشطة، وفق تعبيره، جعلت بعض الأفراد يتصرفون بأنانية، واضعين مصالحهم الاقتصادية الآنية فوق مبدأ استدامة الموارد، ومؤكدا أن هذا النمط من التفكير يهدد التوازن البيئي ويقوّض فرص الحفاظ على الغابات للأجيال المقبلة.
بعد وفاة 21 شخصا ببني ملال بسبب الحرارة.. ما هي الاحتياطات التي يجب اتخاذها لتجنب آثار ضربات الشمس؟
وأبرز أن غياب الوعي لدى جزء من الساكنة المحلية حول القيمة البيئية والاقتصادية للغابة يزيد من تعقيد الوضع، حيث يغفل البعض عن كون الغابة مصدرا لإنتاج الأكسجين وامتصاص الملوثات، وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون، ومخزنا للنباتات الطبية والعطرية، وعاملا رئيسيا في تلطيف المناخ والحفاظ على استقراره، فضلا عن كونها مصدر رزق مباشر لعدد كبير من السكان.
وأظهر أن هذه الممارسات غير مسؤولة، مثل رمي المخلفات البلاستيكية والزجاجية، وإلقاء أعقاب السجائر، وإحداث تلوث بمختلف أنواعه، بل وحتى التسبب عمدا في إشعال الحرائق، تؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في الحوادث العرضية، وإنما في ضعف ثقافة التعامل مع الغابة باعتبارها موردا مشتركا يجب صيانته.
وبيّن أن السلطات المختصة، بما فيها الوكالة الوطنية للمياه والغابات، والدرك الملكي، والسلطات المحلية، تعمل على مواجهة هذه التحديات عبر تكثيف الجهود الميدانية، إلا أن حجم التدفق البشري على المناطق الطبيعية، خاصة في شمال البلاد، يتجاوز قدرات المراقبة الميدانية، ويجعل من الصعب ضبط كل المخالفات في ظل اتساع المساحات وصعوبة التضاريس.
وشدد على أن الحل الجوهري لا يكمن فقط في التشديد الأمني أو تركيب الكاميرات، وإنما في إذكاء الوعي البيئي الجماعي، سواء لدى الساكنة أو الزوار أو الفاعلين الاقتصاديين، من القطاعين العام والخاص.
موجة الحر بالمغرب.. كيف يواجه المواطن تداعيات المناخ وضعف التدبير المحلي؟
واعتبر أن تبني سلوكيات مسؤولة تجاه البيئة هو السبيل الأنجع لتقليل المخاطر، إذ يصبح كل فرد مدركا لمسؤوليته الشخصية في حماية الغابة.
وجدد تأكيده على أن غياب هذا الوعي سيجعل أي آلية مراقبة عاجزة عن منع الحوادث، لأن أي شخص يمكن أن يشعل حريقا بعيدا عن أنظار السلطات في أي وقت، خاصة في منطقة شاسعة ومتنوعة التضاريس.
♦خسائر فادحة للتنوع البيولوجي
كشف بنرامل أن حرائق الغابات لا تؤدي فقط إلى فقدان الأشجار، بل تخلّف خسائر وخيمة على مستوى التنوع البيولوجي، إذ تقضي على آلاف الكائنات الحية بمختلف أنواعها، موضحا أن قائمة المتضررين تشمل النباتات العشبية والطبية، والأشجار بمختلف أصنافها، والحشرات، والديدان، والقنافذ، والثعالب، والأرانب، والضفادع، إلى جانب الطيور، بما فيها الأنواع النادرة، وكذلك الثدييات والعقارب.
وذهب المتحدث إلى أن استرجاع هذه المنظومة البيئية يتطلب فترة زمنية طويلة، تتراوح بين 10 و15 سنة على الأقل، حتى تعود التوازنات البيئية إلى ما كانت عليه، شريطة ألا يتدخل الإنسان مجددا بما يغير طبيعة المنطقة، سواء عبر التوسع الزراعي، أو الرعي الجائر، أو إقامة مشاريع سكنية وحدائق على حساب المساحات الطبيعية.
خبير بيئي يكشف لـ”شفاف” أضرار ارتفاع درجة الحرارة في غير موعدها على الأمن المائي والغذائي للمغاربة
وتابع أن فقدان هذه الموارد لا يمثّل فقط خسارة بيئية، بل ينعكس أيضا على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، مثل جمع النباتات الطبية، والسياحة البيئية، والرعي، مما يهدد مصادر رزق شريحة واسعة من السكان.
وأورد أن استدامة هذه الموارد تتطلب رؤية متكاملة، تتجاوز الإجراءات الظرفية إلى سياسات بيئية طويلة المدى، تدمج البعد التوعوي مع التخطيط العمراني والزراعي، وتفرض معايير صارمة لاستخدام الموارد الطبيعية.
وخلص بنرامل إلى أن الغابة ليست مجرد فضاء طبيعي للتنزه أو استغلال الموارد، بل هي نظام بيئي متكامل يضمن التوازن المناخي ويحمي التنوع البيولوجي، وأن أي إخلال بهذا النظام ستكون له انعكاسات طويلة الأمد لا يمكن تداركها بسهولة، داعيا الجميع، أفرادا ومؤسسات، إلى تحمل مسؤولياتهم البيئية، والعمل على تغيير السلوكيات غير المستدامة قبل فوات الأوان.

