أثارت تدوينة نشرها رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، الأستاذ محمد الغلوسي، تفاعلا واسعا ونقاشا حقوقيا وسياسياً محتدماً في الأوساط العامة، حول طبيعة التوجيهات التشريعية المرتبطة بملفات محاربة الفساد وحماية المال العام، وحدود التوازن بين توفير الضمانات للمسؤولين وبين متطلبات ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، أورد الغلوسي متطرقا إلى هواجس بعض الدوائر الرسمية تجاه مبيضي الأموال ومراكمي الثروة غير المشروعة، مبينا ما جاء على لسانه في قوله: «نحن في بلد يبحث فيه الوزير عن ضمانات حقيقية لمحاكمة مبيضي الأموال والذين يراكمون الثروة غير المشروعة ويمارسون تضارب المصالح والفساد والريع. وزير يتخوف من أن يذهب بعض مسؤولي السلطة القضائية ويأتي آخرون قد لا يكونون بمستوى من يتولى الآن أمور القضاء، يقول لكم الوزير: من يدري؟ لا يجب أن نثق كثيراً، لابد من ممارسة أقصى درجات الاحتياط والتوقع، توقع ما يمكن أن يأتي قد يكون سيئاً على المتهمين الأجلاء، لذلك فالوزير مشغول كثيراً بتسييج المجال بالضمانات حماية لهم من الشعبوية وخوفاً عليهم من فقدان حريتهم وأموالهم الوفيرة وإزعاجهم بالشعارات الفارغة!»
وأضاف الغلوسي مسلطاً الضوء على تفكير المعني بالأمر في إغراق المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية وغيرها بالامتياز القضائي، مردفاً بما نصه:«ينتابه شعور بعدم الاطمئنان من المستقبل، يعاني من قلة النوم بسبب انشغاله بالتفكير طويلاً في مصير هؤلاء، فقد يأتي مسؤولون آخرون لتدبير الشأن القضائي ويمارسون سلطتهم ضد هؤلاء، يفكر جيدا في إغراق المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية وغيرها بالامتياز القضائي وفرض مزيد من الموانع والقيود على القضاء، وتقييد دور النيابة العامة في مجال محاربة الفساد بما في ذلك تحريك الأبحاث والمتابعات في جرائم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بعدما غل يدها وحشرها في الزاوية بخصوص جرائم المال العام.»
واستطرد موضحاً أن ما يحدث يرقى إلى مستوى “انقلاب ناعم” على الدستور، مستعرضاً ما اعتبره تكريساً لمنطق الاستثناء، حيث أورد قوله: «إنه يفكر جدياً في إفراغ الفصل 36 من الدستور من أي معنى أو مضمون، إنه يمارس انقلاباً ناعماً على دستور أنتجته رياح لم تكن في الحسبان. الوزير يا سادة يتملكه إحساس قوي بالخوف والقلق من المستقبل، لأنه حريص على قرينة البراءة للذين يوجدون في مواقع السلطة والنفوذ، وحريص أكثر على توفير الضمانات لهؤلاء، هي بالطبع ليست ككل الضمانات الموجودة في المسطرة الجنائية الخاصة بعموم المجتمع، إنها يا سادة امتياز واستثناء كباقي الاستثناءات الممنوحة لذوي النفوذ والسلطة. يقول لكم الوزير: لكم دولتكم ولنا دولتنا، لكم مساطركم ومحاكمكم ولنا محاكمنا، ألا تريدون أن تفهموا بعد!»
ويأتي هذا السجال في صلب النقاشات العمومية الدائرة حول مشاريع القوانين المتعلقة بمنظومة العدالة، حيث تتباين المقاربات بين من يشدد على ضرورة تغليب صارم لآليات محاربة الفساد والقطع مع الإفلات من العقاب، ومن يدافع عن أهمية إحاطة مؤسسات تدبير الشأن العام بالضمانات القانونية الكفيلة بحفظ استقرار المؤسسات ومراعاة قواعد المحاكمة العادلة.

