استعرضت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها السنوي “المرأة المغربية في أرقام 2024” صورة شاملة لوضعية النساء في المغرب، معتمدة على أحدث المعطيات الإحصائية المستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والدراسات الوطنية القطاعية، ومقدمة مؤشرات مفصلة تغطي مجالات متعددة مثل الأسرة، الصحة، التعليم، سوق الشغل، المشاركة في الحياة العامة، والفقر والعنف.
♦السكان والأسرة
وحسب التقرير، بلغ عدد النساء في المغرب سنة 2024 نحو 18.2 مليون نسمة، ما يعادل 50.1% من مجموع السكان، مقابل 18.3 مليون رجل.
وأفاد التقرير بأن نسبة الفتيات اللواتي تزوجن قبل سن 18 تراجعت من 15.9% سنة 2004 إلى 8.4% سنة 2024، بينما انخفضت نسبة الزواج قبل 15 سنة إلى 0.2%. ورغم هذا التراجع، فإن الزواج المبكر لا يزال ظاهرة قائمة، خصوصًا في الوسط القروي.
أما متوسط سن الزواج لدى النساء، حسب المصدر ذاته، فبلغ 25.7 سنة، مقابل 31.3 سنة لدى الرجال، مما يعكس اتساع الفجوة الزمنية بين الجنسين في الدخول إلى الحياة الزوجية.
فيما يخص الوضعية الزوجيةو، أشار التقرير إلى أن 32.4% من النساء فوق 15 سنة هن متزوجات، و8.8% منهن مطلقات، و13.1% أرامل، مقابل نسب أقل بكثير لدى الرجال.
كما أن نسبة النساء اللائي يعشن بمفردهن ارتفعت، وبلغت 26.6% من مجموع الأسر التي ترأسها نساء في الوسط الحضري، و19.3% في الوسط القروي. يبين التقرير
وتسجل البيانات ذاتها، أن النساء يشكلن 19.2% من مجموع أرباب الأسر، أي حوالي 9.3 ملايين أسرة، مع تباين واضح بين المجال الحضري والقروي.
♦الصحة والخصوبة
تُظهر المؤشرات الصحية، وفق تقرير المندوبية، تحسنًا نسبيًا، خاصة فيما يتعلق بالصحة الإنجابية. إذ ارتفعت نسبة النساء اللواتي تلقين رعاية أثناء الحمل من 67.8% سنة 2004 إلى 88.5% سنة 2018، وبلغت نسبة الولادات التي تمت في مؤسسات صحية وتحت إشراف طبي 86.6% على المستوى الوطني.
كما تراجعت وفيات الأمهات إلى 72.6 حالة لكل 100 ألف ولادة حية سنة 2018، مقارنة بـ 227 حالة سنة 2004، حسب معطيات وزارة الصحة والمندوبية السامية للتخطيط.
من جهة أخرى، بلغ مؤشر الخصوبة 1.77 طفل لكل امرأة سنة 2024، منخفضًا من 2.47 سنة 2004، مع تفاوت بين الوسط الحضري (1.77) والقروي (2.37).
وسجلت نسبة حمل المراهقات (15-19 سنة) انخفاضًا مهمًا، من 22.5‰ سنة 2004 إلى 11.3‰ سنة 2024. في المقابل، أظهرت المؤشرات تغلغل مشكلات مرتبطة بسوء التغذية، إذ تشير أرقام سنة 2011 إلى أن 26.8% من النساء البالغات تعانين من السمنة، مقابل 8.2% فقط لدى الرجال.
♦التعليم ومحو الأمية
شهدت نسب تمدرس الفتيات، حسب معطيات المندوبية، تحسنًا ملحوظًا في مختلف المستويات التعليمية، حيث تجاوزت نسبة الفتيات في التعليم الابتدائي 48%، وفي الثانوي الإعدادي 51%، أما في الجامعات فقد بلغت نسبة النساء في مؤسسات التعليم العالي ذات الولوج المحدود 61.2% سنة 2022-2023. ومع ذلك، يظل التفاوت في مستويات التحصيل الدراسي واضحًا، إذ أن 48.9% من النساء البالغات 25 سنة فما فوق لا يتوفرن على أي مستوى تعليمي، مقابل 24% لدى الرجال.
وفي مجال محو الأمية، بلغ معدل الأمية لدى النساء 41.3% سنة 2023، مقابل 25.6% لدى الرجال، مع تسجيل نسب أعلى في الوسط القروي.
وتُظهر الفجوة التعليمية بين الجنسين أن النساء في سن 50 سنة فما فوق أقل حظًا في التمدرس من الفئات الشابة، ما يعكس تراكمات تاريخية لا تزال تؤثر على الأجيال الحالية.
♦العمل والولوج إلى سوق الشغل
تبقى المشاركة الاقتصادية للنساء محدودة، إذ لا تتجاوز نسبة نشاط النساء 19% سنة 2023، مقابل 68.6% لدى الرجال، رغم بعض التحسن مقارنة بالعقود السابقة. يقول التقرير.
ويبين التقرير، أن أكثر من نصف النساء يشتغلن في القطاع غير المهيكل، وغالبًا في أنشطة لا توفر حماية اجتماعية أو أجور عادلة. وسجل التقرير أن معدل البطالة في صفوف النساء بلغ 13.6% سنة 2023، ويرتفع بشكل أكبر بين النساء الحاصلات على شهادات عليا.
كما أبرزت المندوبية وجود فجوة في الأجور، حيث تتقاضى النساء أجورًا تقل بنسبة 24% عن الرجال، رغم أنهن يمثلن نسبًا متزايدة من الحاصلين على الشهادات.
وتبقى مشاركة النساء في القطاعات التقنية والمقاولات محدودة، إذ لم تتجاوز نسبتهن 20% في مجالات كالهندسة والمقاولات الصغرى والمتوسطة.
♦التوزيع الزمني والعمل غير المؤدى عنه
أبرز التقرير أن النساء يخصصن وقتًا أكبر بكثير من الرجال للعمل المنزلي غير المؤدى عنه، بما في ذلك رعاية الأطفال والمسنين والقيام بشؤون البيت، ما يشكل عبئًا غير مرئي يعيق مشاركتهن الاقتصادية. إذ أن النساء يقضين في المتوسط ضعف الوقت الذي يقضيه الرجال في الأعمال المنزلية، مقابل تخصيص الرجال وقتًا أكبر للأنشطة الترفيهية أو المدفوعة الأجر.
♦التمثيلية السياسية والحضور في مراكز القرار
رغم التحسن المسجل في تمثيلية النساء بالمؤسسات المنتخبة، فإن أرقام التقرير تؤكد محدودية هذا الحضور. فتمثيلية النساء لا تتجاوز 24.3% في مجلس النواب، و19.4% في الجماعات المحلية، و23% في مناصب المسؤولية الإدارية العليا. كما أن النساء يشكلن أقل من 18% من الهيئة القضائية، و10% فقط من رؤساء المحاكم.
في المجال الديني، يظل الحضور النسائي شبه منعدم، سواء على مستوى الوعظ أو التأطير الديني المحلي. وفي المجال الإعلامي، فإن النساء يشكلن فقط 22% من الصحفيين المعتمدين رسميًا، رغم مساهمتهن الوازنة في المنصات الرقمية والإعلام البديل.
♦الفقر والهشاشة
وتشير المعطيات إلى أن الأسر التي ترأسها نساء تُسجل معدلات فقر أعلى، خصوصًا في القرى، حيث تفوق نسبة الفقر في هذه الأسر 22%.
وتزيد هشاشة النساء في حال فقدان الزوج أو الطلاق، خاصة في ظل ضعف التغطية الاجتماعية والولوج المحدود للموارد الإنتاجية مثل الأرض أو التمويل.
كما أن النساء العاملات في القطاع غير المهيكل، خصوصًا في الزراعة والصناعة التقليدية، يعانين من غياب الحماية الاجتماعية، ما يعمق من هشاشتهن الاقتصادية.
♦العنف ضد النساء
كشف التقرير أن 56% من النساء المغربيات بين 18 و64 سنة تعرضن لأحد أشكال العنف خلال حياتهن، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو اقتصاديًا أو جنسيًا.
وتُعد النساء المتزوجات أو المطلقات أو الأميات الأكثر عرضة لهذه الظاهرة، فيما يُعتبر العنف الزوجي الأكثر انتشارًا بنسبة تفوق 46%. كما يُلاحظ انتشار العنف داخل الأسرة، وفي أماكن العمل، والفضاء العام، وفي المجال الرقمي.
خلاصة وتوصيات
توفر المعطيات التي وردت في تقرير “المرأة المغربية في أرقام 2024” نظرة متعددة الأبعاد على واقع النساء في المغرب، وتكشف عن مسارات تقدم جزئية ترافقها تحديات هيكلية عميقة.
وأوصى التقرير، ضمناً، بضرورة بناء سياسات عمومية تأخذ بعين الاعتبار تقاطع النوع الاجتماعي مع الفقر، والمجال، والوضع التعليمي والصحي، مع التأكيد على أن تمكين المرأة لا يمكن أن يتحقق دون مداخل متكاملة تشمل التشريع، والتمكين الاقتصادي، والتعليم، والتحسيس المجتمعي، مع إرساء قواعد عدالة النوع في كل مستويات صنع القرار.

