اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة يشكل خطوة مؤسساتية لإعادة تنظيم منظومة حماية الطفولة، غير أن فعاليته تبقى رهينة بإعادة ضبط فلسفته وتوسيع نطاق تدخله ليشمل الوقاية بدل الاقتصار على التدبير الإداري للمؤسسات.
وتوصل المجلس بالإحالة من رئيس مجلس النواب بتاريخ 08 يناير 2026، قبل أن تصادق جمعيته العامة بالإجماع على الرأي خلال دورتها العادية (179) المنعقدة في 26 فبراير 2026، بعد اعتماد مقاربة تشاركية اعتمدت نقاشات موسعة وجلسات إنصات مع مختلف الفاعلين، إضافة إلى توظيف منهجية تحليل SWOT لتقييم نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر.
ويرتكز مشروع القانون على الانتقال من نموذج قطاعي مشتت إلى منظومة موحدة لحماية الطفولة، من خلال إحداث ثلاث بنيات رئيسية تشمل مراكز حماية الطفولة بنظام محروس الموجهة للأطفال في نزاع مع القانون، ومراكز بنظام مفتوح لفائدة الأطفال في وضعيات صعبة أو ضحايا العنف، إلى جانب مؤسسات الرعاية الاجتماعية المخصصة للحالات التي تتطلب تتبعاً طويل الأمد بهدف الإدماج الاجتماعي والدراسي، مع التنصيص على حقوق الأطفال المودعين وقواعد الحكامة والتدبير المالي والإداري للوكالة.
وسجل المجلس مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تستدعي إعادة النظر في مضامين المشروع، حيث اعتبر أن حصر اختصاص الوكالة في التدبير الإداري للمراكز فقط يقلص من فعاليتها، في ظل غياب صلاحيات مرتبطة بالوقاية وتعزيز الآليات الترابية ودعم الأسرة، كما انتقد عدم إنجاز دراسة قبلية لتقييم الجدوى، خلافاً لمقتضيات القانون الإطار رقم 50.21، إضافة إلى تسجيل ضعف في الضمانات القانونية الموجهة لمؤسسات الرعاية الخاصة، مقابل تركيز على مقاربة عقابية تقوم على الغرامات والعقوبات الجنائية في حق المسؤولين.
ورصد المجلس كذلك اعتماداً واسعاً على النصوص التنظيمية، حيث أحال المشروع حوالي 20 مقتضى على مراسيم تطبيقية دون تحديد آجال لإصدارها، مع منح المؤسسات مهلة 24 شهراً للامتثال بعد صدور تلك النصوص، وهو ما اعتبره المجلس عاملاً قد يؤثر على سرعة وفعالية التنزيل.
وأوصى المجلس بإعادة تقييم جدوى إحداث الوكالة بناء على دراسة قبلية دقيقة، مع ضرورة توسيع صلاحياتها لتشمل الوقاية والمراقبة وتطوير تدابير حمائية بديلة تستجيب للمعايير الدولية، إلى جانب مراجعة منظومة العقوبات في قضاء الأحداث بما يضمن إعطاء الأولوية للعقوبات البديلة مثل المراقبة الإلكترونية والخدمات المجتمعية بدل العقوبات السالبة للحرية.
واستند المجلس في تحليله إلى مرجعيات دولية أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لسنة 1989، وقواعد حماية الأحداث المجردين من حريتهم لسنة 1990، والمبادئ التوجيهية للرعاية البديلة لسنة 2009، إضافة إلى الإطار الوطني المتمثل في الدستور المغربي، والقانون 65.15 المتعلق بالرعاية الاجتماعية، والقانون 15.01 الخاص بكفالة الأطفال المهملين، فضلاً عن مقتضيات القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، بما يعكس ضرورة ملاءمة المشروع مع الالتزامات الحقوقية الوطنية والدولية.

