يشكل العلاج الاستبدالي بالميثادون أحد الأعمدة الأساسية التي تعتمدها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في مقاربتها الشاملة لمواجهة اضطرابات الإدمان، لاسيما المرتبطة باستهلاك المواد الأفيونية، لما أثبته من نجاعة علمية وصحية في الحد من المخاطر الصحية والاجتماعية المصاحبة لهذا النوع من الإدمان، وتعزيز فرص الإدماج العلاجي والاجتماعي للمستفيدين.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، الثلاثاء، عن افتتاح وحدة جديدة للعلاج بالميثادون بمركز علاج الإدمان بمدينة بركان، في إطار جهودها لتوسيع العرض الصحي المتخصص وتعزيز ولوج المواطنين المتضررين من اضطرابات الإدمان إلى خدمات العلاج.
وتشكل هذه الخطوة جزءا من البرنامج الوطني لمحاربة الإدمان والاستراتيجية الوطنية للوقاية من الاضطرابات الإدمانية، بهدف الحد من المخاطر الصحية والاجتماعية المرتبطة بتعاطي المواد الأفيونية، مثل الجرعات الزائدة وانتقال الأمراض الفيروسية.
وتعتمد الوزارة على دمج العلاج الدوائي مع الدعم النفسي والاجتماعي لضمان استمرار العلاج وتحقيق الإدماج الاجتماعي والمهني للمستفيدين، كما أن افتتاح هذه الوحدة استجابة للحاجيات الصحية للمنطقة، ضمن خطة وطنية لتوسيع وحدات العلاج البديلة، بما يعزز من قدرة المملكة على تقديم خدمات صحية متكاملة للفئات الأكثر هشاشة والمتضررة من الإدمان.
♦نجاعة علاج مثبتة علميا
أكد بورام عمر، رئيس مصلحة الصحة العقلية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أن العلاج التعويضي بالميثادون يشكّل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة اضطرابات الإدمان، لما أبان عنه من نجاعة مثبتة علميا في الحد من المخاطر الصحية والاجتماعية المرتبطة باستهلاك المواد الأفيونية، وعلى رأسها الهيروين، مبرزا أن توسيع هذا النوع من العلاج يتم وفق مقاربة مبنية على المعطيات الوبائية والحاجيات الحقيقية لكل جهة.
وأوضح رئيس مصلحة الصحة العقلية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أن العلاج التعويضي بالميثادون يُعد من بين العلاجات التي خضعت لعدد كبير من الدراسات والتجارب على الصعيد الدولي، وأثبتت نتائجها فعاليته العالية في تقليص مخاطر الجرعات الزائدة، والحد من انتقال الأمراض الفيروسية، خصوصا لدى الأشخاص الذين يستهلكون المخدرات الأفيونية عن طريق الحقن.
وأشار إلى أن هذا العلاج مُصنّف من طرف منظمة الصحة العالمية ضمن لائحة الأدوية الأساسية، وهو ما يعكس قيمته العلاجية وأهميته في تدبير اضطرابات الإدمان.
وأضاف أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تعتمد بدورها الميثادون ضمن قائمتها الوطنية للأدوية الأساسية، بالنظر إلى فعاليته العلاجية وتكلفته غير المرتفعة مقارنة بنتائجه الصحية والاجتماعية.
وأبرز أن هذا العلاج يستعمل أساسا لعلاج الاضطرابات الإدمانية الناتجة عن استهلاك المواد الأفيونية، خاصة الهيروين، الذي ينتشر بشكل ملحوظ في بعض المناطق، من بينها أقاليم الشمال والشرق، مثل طنجة وتطوان والحسيمة، إضافة إلى إقليم بركان.
وشدد المتحدث أن نجاعة الميثادون لا تقتصر فقط على الحد من الوفاة المبكرة الناتجة عن الجرعات الزائدة، بل تمتد لتشمل تقليص خطر الإصابة بعدد من الأمراض المعدية، مثل داء السل، وفيروس نقص المناعة البشرية (السيدا)، والتهاب الكبد الفيروسي، خاصة لدى الأشخاص الذين يلجؤون إلى الحقن، مبينا أن هذا العلاج يساهم في تقليص الأضرار الصحية العامة وتحسين جودة الحياة لدى المستفيدين.
♦توسيع الوحدات حسب الحاجة
وفيما يتعلق بتوسيع وحدات العلاج بالميثادون، ذهب بورام عمر إلى أن الوزارة تعتمد مقاربة قائمة على الطلب والحاجة الفعلية، موضحا أن إحداث أي وحدة جديدة يسبقه إنجاز دراسة سريعة للوضعية الوبائية بالمنطقة المعنية، ومضيفا أن الوزارة لا تشتغل بمنطق التعميم العشوائي، بل وفق معايير علمية دقيقة تحدد المناطق التي تعرف انتشارا فعليا لاستهلاك المواد الأفيونية.
وأظهر أن المناطق التي أبانت عن حاجة واضحة لهذا النوع من العلاج، خصوصا مناطق الشمال والشرق، تم تعزيزها بوحدات متخصصة، مبرزا وجود وحدة قائمة بالناظور، وأخرى حديثة العهد بإقليم بركان، جاءت استجابة للمعطيات التي أظهرت الحاجة إلى هذا التدخل العلاجي، مؤكدا أن الوزارة متى ثبت لها الحاجة، لا تتردد في إحداث وحدات جديدة.
ونفى وجود عراقيل كبرى مرتبطة بتوفير دواء الميثادون أو بالخدمات المصاحبة له، مؤكدا أن التحدي الأساسي يظل مرتبطا بتحديد المناطق ذات الأولوية بناء على معطيات علمية، مشيرا إلى أن إحداث وحدة علاجية دون وجود حاجة حقيقية قد يؤدي إلى هدر الموارد دون تحقيق الأثر المنشود.
وأبرز في تطرقه إلى الأبعاد الاجتماعية والقانونية المرتبطة باستهلاك المواد الأفيونية، أن هذا النمط من الإدمان غالبا ما يفضي إلى أوضاع هشّة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، تتجلى في فقدان فرص الشغل، والانقطاع عن المسار الدراسي أو المهني، واستنزاف الموارد المالية، وقد تتطور في بعض الحالات إلى التشرد والعزلة الكاملة عن المحيط الأسري والمجتمعي.
وتابع أن الاستهلاك المنتظم لهذه المواد يضع الأشخاص في تماس دائم مع القانون، بما ينجم عنه من متابعات قضائية أو اعتقالات، فضلا عما يرتبط بالإدمان من سلوكيات مخالفة للقانون، تزيد من تعقيد مسارات الإدماج الاجتماعي وإعادة التأهيل.
♦مقاربة شمولية متعددة الأبعاد
كشف رئيس مصلحة الصحة العقلية أن العلاج بالميثادون لا يُقدَّم بمعزل عن باقي مكونات التكفل، بل يندرج ضمن منظومة علاجية شاملة تعتمدها مراكز علاج الإدمان بالمغرب.
وأبان أن هذه المراكز تقوم على قطبين أساسيين: القطب الطبي والقطب الاجتماعي، حيث يكمّل كل منهما الآخر لضمان استمرارية العلاج وتحقيق الإدماج الاجتماعي والمهني للمستفيدين.
ولفت إلى أن القطب الطبي يضطلع بتقديم مختلف الخدمات الصحية، بما في ذلك العلاج الدوائي، وتشخيص ومواكبة الاضطرابات النفسية والعقلية المصاحبة للإدمان، فضلا عن تتبع الأمراض المزمنة أو المعدية التي قد تصيب المستفيدين، من قبيل داء فقدان المناعة المكتسبة أو داء السل أو التهابات الكبد الفيروسية، مع الحرص على ضمان تكفل طبي شامل وتوجيه الحالات نحو المسارات العلاجية الملائمة داخل المنظومة الصحية.
وقال بورام عمر إن القطب الاجتماعي يلعب دورا محوريا في تقديم المرافقة النفسية والاجتماعية، عبر أخصائيين نفسيين ومساعدين اجتماعيين ومتدخلين ميدانيين، مضيفا أن شريحة واسعة من مستهلكي المخدرات لا تلجأ إلى العلاج بمحض إرادتها، وغالبا ما تتواجد على هامش المجتمع، ما يستلزم تنفيذ تدخلات ميدانية استباقية للوصول إليهم في مواقع تواجدهم الفعلية.
وبيّن بورام عمر أن هذه التدخلات الميدانية تركز في مراحلها الأولى على بناء الثقة مع المستفيدين، وتقديم المعلومات، والتحسيس بمخاطر استهلاك المخدرات، والوقاية من الأمراض المعدية، قبل توجيه الأشخاص الراغبين إلى المراكز للاستفادة من كامل الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية.
وفيما يتعلق بالعلاجات البديلة، أفاد المتحدث أن الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الاضطرابات الإدمانية تهدف إلى توسيع إمكانية الوصول إلى هذه العلاجات، ليس فقط عبر تعزيز وحدات الميثادون، بل أيضا من خلال إدخال أدوية بديلة معترف بها دوليا، ملفتا في هذا الإطار إلى مشروع إدخال مادة البوبرينورفين، المستعملة عالميا كعلاج بديل، موضحا أن المشروع لا يزال في طور التنفيذ حاليا.
وخلص بورام إلى أن الهدف الأساسي خلال سنة 2026 هو إخضاع نحو 100 شخص على الصعيد الوطني للعلاج بالبوبرينورفين إلى جانب الميثادون، موضحا أن تنويع العلاجات يتيح تلبية الاحتياجات الفردية للمستفيدين ويعزز فرص نجاح العلاج وتحقيق إدماجهم الاجتماعي والمستدام.

