استعرض رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان حصيلة عمل الحكومة مع اقتراب نهاية ولايتها، معتبراً أن ما تحقق خلال السنوات الخمس الماضية يتجاوز منطق التدبير الإداري التقليدي نحو مقاربة شمولية تربط بين السياسات العمومية وانتظارات المواطنين.
وقدم أخنوش معطيات حول الدينامية التشريعية والتنظيمية التي طبعت هذه المرحلة، في سياق سياسي يتسم بتكثف النقاش حول تقييم الأداء الحكومي وأثره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وتطرح الحصيلة الحكومية، في ختام هذه المرحلة، تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المعلنة وتحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
♦حصيلة حكومية بين الاستقرار والتعثر
اعتبر رشيد لزرق، المحلل السياسي ورئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث، أن الحصيلة العامة لحكومة عزيز أخنوش، بعد مرور جزء مهم من ولايتها، تبقى حصيلة متوسطة لا ترقى إلى مستوى الانتظارات التي رافقت تشكيلها.
وأوضح المحلل السياسي في تصريح لجريدة”شفاف”، أن الحكومة نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والمؤسساتي، وتمكنت من تفادي أزمات اقتصادية أكثر حدة، غير أنها لم تنجح في تحقيق التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي كان ينتظره جزء واسع من المغاربة.
وأشار إلى أن الحكومة وجدت نفسها منذ البداية أمام سياق داخلي ودولي معقد، تميز بتداعيات الأزمة الصحية العالمية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة، إلى جانب تأثيرات الجفاف المتكرر على الاقتصاد الوطني، مبرزا أن هذه المعطيات لا يمكن أن تشكل وحدها مبررا لضعف النتائج المسجلة في عدد من الملفات الاجتماعية، خاصة وأن الحكومة كانت قد رفعت سقف الوعود خلال الحملة الانتخابية.
وسجل أن أهم ما يمكن احتسابه لصالح الحكومة هو نجاحها في الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، سواء من خلال التحكم النسبي في عجز الميزانية أو عبر الحفاظ على استقرار عدد من المؤشرات الاقتصادية الأساسية، مردفا أن الحكومة استطاعت، إلى حدود الآن، تفادي الدخول في أزمة مالية أو اجتماعية مفتوحة، رغم تصاعد الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وأضاف أن هذا النجاح ظل محدودا، لأن الحفاظ على الاستقرار المالي لا يكفي وحده للحكم إيجابا على الأداء الحكومي، في ظل استمرار الصعوبات التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين، معتبرا أن المطلوب من أي حكومة لا يقتصر فقط على تدبير الأزمات، بل يتجاوز ذلك إلى خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة، وهو ما لم يتحقق بالشكل المطلوب.
♦إصلاحات قطاعية دون أثر
أكد لزرق أن الحكومة سجلت بعض النقاط الإيجابية على مستوى الإصلاحات القطاعية، وفي مقدمتها مواصلة ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يعد من بين أهم الأوراش التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن هذا الورش سمح بتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، كما أعطى إشارة سياسية مهمة بشأن التوجه نحو تعزيز الدولة الاجتماعية.
وأبان أن الحكومة حرصت أيضا على إطلاق وتدشين عدد من المشاريع الاستثمارية في قطاعات مختلفة، سواء في البنية التحتية أو الصناعة أو الطاقات المتجددة، مضيفا أن هذه المشاريع ساهمت في الحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمارات، كما ساعدت على تقديم صورة عن وجود حركية اقتصادية مستمرة.
وشدد على أن هذه الإصلاحات والمشاريع لم تنجح في إحداث أثر مباشر وملموس على الحياة اليومية للمواطنين، معتبرا أن جزءا كبيرا من الرأي العام لم يشعر بانعكاس هذه الأوراش على مستوى الدخل أو فرص الشغل أو الخدمات الأساسية، وهو ما جعل الحصيلة تبدو محدودة رغم وجود عدد من الإنجازات التقنية والإدارية.
وسجل أن أحد أبرز مظاهر هذا التعثر يتمثل في ضعف التواصل الحكومي حول نتائج الإصلاحات، موضحا أن الحكومة لم تتمكن من إقناع المواطنين بأن الإجراءات التي اتخذتها بدأت تعطي ثمارها، كما أنها لم تقدم خطابا سياسيا واضحا يشرح للرأي العام حجم الإكراهات التي تواجهها والآجال الزمنية المطلوبة لتجاوزها.
وأورد أن هذا الخلل في التواصل ساهم في اتساع الفجوة بين الحكومة والمجتمع، وجعل عددا من المواطنين يعتبرون أن الحكومة تشتغل بمنطق تقني وإداري أكثر مما تشتغل بمنطق سياسي واجتماعي قريب من انشغالاتهم اليومية.
♦بطالة مرتفعة وتذمر متزايد
أفاد لزرق أن أكبر إخفاق للحكومة إلى حدود الآن يتعلق بملف التشغيل، مبينا أن الأخيرة لم تستطع تحقيق تقدم ملموس في تقليص معدلات البطالة، رغم الوعود التي قدمتها في بداية ولايتها، موضحا أن نسبة البطالة ظلت مرتفعة، وأن الوضع يبدو أكثر صعوبة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الولوج إلى سوق الشغل.
واعتبر أن هذا الملف يمثل نقطة الضعف الأساسية في الأداء الحكومي، لأن التشغيل يظل المدخل الرئيسي لتحسين الأوضاع الاجتماعية وتقوية الثقة في المؤسسات، مبرزا أن الحكومة لم تتمكن من خلق دينامية اقتصادية قوية تسمح بإحداث عدد كاف من مناصب الشغل، كما أن الاستثمارات التي تم الإعلان عنها لم تنعكس بسرعة على سوق العمل.
ونبه إلى أن الأزمة لا ترتبط فقط بندرة فرص الشغل، بل تشمل أيضا نوعية هذه الفرص، مظهرا أن جزءا من الوظائف المتاحة يبقى هشا أو مؤقتا أو غير قادر على ضمان الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل عددا كبيرا من الشباب يشعر بالإحباط ويفقد الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحسين أوضاعه.
وتابع أن ملف القدرة الشرائية شكل بدوره مصدر ضغط كبير على الحكومة، مبرزا أنه تم اتخاذ بعض التدابير الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الهشة، سواء من خلال الدعم المباشر أو توسيع برامج الحماية الاجتماعية، فإن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمواجهة الارتفاع المتواصل في الأسعار.
وكشف أن الأسر المغربية ظلت تواجه صعوبات يومية مرتبطة بغلاء المواد الغذائية والمحروقات والخدمات، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب التذمر الشعبي، مشيرا إلى أن جزءا مهما من المواطنين أصبح يشعر بأن دخله لم يعد قادرا على تغطية متطلبات الحياة الأساسية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على صورة الحكومة.
وسجل أن هذا التذمر الشعبي لا يرتبط فقط بالوضع الاقتصادي، بل أيضا بالإحساس بأن الحكومة لم تكن قريبة بما يكفي من المواطنين خلال لحظات الأزمة، مبرزا أن عددا من القرارات الحكومية بدت، في نظر الرأي العام، غير قادرة على الاستجابة السريعة للضغوط الاجتماعية، وهو ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للأغلبية.
♦انتخابات مفتوحة على المفاجآت
توقع لزرق أن تكون لهذه الحصيلة انعكاسات واضحة على المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مؤكدا أن استمرار الوضع الحالي دون تحسن سريع في مؤشرات التشغيل والقدرة الشرائية قد يؤدي إلى تراجع شعبية الأحزاب المشكلة للحكومة.
وذكر بأن الناخب المغربي يمنح أهمية كبيرة للقضايا المرتبطة بالحياة اليومية، مثل الأسعار والشغل والخدمات، ولذلك فإن أي حكومة لا تنجح في تحقيق تقدم واضح في هذه الملفات تكون معرضة لفقدان جزء من رصيدها الانتخابي.
ولفت إلى أن المعارضة قد تستفيد بشكل كبير من هذا الوضع، لأنها ستجد أمامها فرصة لتقديم نفسها كبديل سياسي قادر على استثمار حالة السخط الاجتماعي. وأضاف أن الأحزاب المعارضة ستعتمد، خلال المرحلة المقبلة، على التركيز على نقاط ضعف الحكومة، وفي مقدمتها البطالة وغلاء المعيشة، من أجل استقطاب جزء من الناخبين غير الراضين عن الأداء الحالي.
كما استبعد لزرق في المقابل أن يكون مصير الحكومة قد حسم بشكل نهائي، مبرزا أن الحكومة ما تزال تملك هامشا زمنيا وسياسيا لتدارك الوضع، إذا تمكنت خلال الفترة المقبلة من اتخاذ إجراءات قوية وملموسة لتحسين القدرة الشرائية وخلق فرص شغل جديدة.
وجدد لزرق التأكيد على أن الحكم النهائي على الحكومة سيظل مرتبطا بما ستنجزه خلال ما تبقى من ولايتها، مؤكد أنها إذا نجحت في تحويل بعض أوراشها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، فقد تتمكن من الحد من الخسائر السياسية، ومبزا أنها إذا استمرت المؤشرات الحالية على حالها، فإن الانتخابات المقبلة قد تحمل مفاجآت كبيرة وتعيد رسم التوازنات داخل

