شهدت عدة مدن بالمملكة في الأيام الأخيرة حركات احتجاجية غير منظمة قام بها شباب جيل زد، حيث تحولت خلالها التحركات من مطالب اجتماعية وحقوقية إلى أعمال عنف وتخريب.
واستهدفت هذه الأحداث الممتلكات العامة والخاصة، بما في ذلك السيارات، الحافلات، بعض المرافق الإدارية، والمحالات التجارية، في وقت حاولت السلطات المحلية احتواء الموقف.
ولا تقتصر أضرار هذه الاحتجاجات على الخسائر المادية، بل تجاوزتها إلى إحداث حالة من الفوضى تزعزع الأمن العام، وتؤثر على النشاط اليومي للمواطنين، وتثير مخاوف من انزلاق بعض المناطق إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي.
ويمكن ملاحظة أن هذه الاحتجاجات، وإن كانت مرتبطة في بدايتها بمطالب اقتصادية واجتماعية، فقد انحرفت في مسارها نحو العنف الرمزي والفعلي، بما يشمل تكسير واجهات المحلات وحرق إطارات السيارات والتعرض لمؤسسات الدولة، في سلوك يعكس شعورا بالاحتقان والغضب لدى فئات من الشباب.
وتبقى هذه الأحداث مؤشرا على تحديات جيل زد في التعبير عن مطالبه، إذ تبرز الحاجة إلى إيجاد آليات جديدة للتأطير والحوار، لضمان أن تظل الاحتجاجات سلمية وموجهة نحو تحقيق مطالب اجتماعية مشروعة، دون الانزلاق إلى العنف والتخريب الذي يهدد الاستقرار المحلي ويضر بالمجتمع ككل.
♦اتساع الهامش يهدد الاستقرار
بين عبد الرحيم عنبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، من أن ما وقع في بعض المدن المغربية مؤخرا لا يرقى إلى مستوى الحركات الاحتجاجية المنظمة، بل يتعلق بانفلاتات اجتماعية تكشف واقع “الهامش” داخل المجتمع.
وأوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط في تصريح لجريدة “شفاف”، أن توصيف هذه الوقائع باعتبارها حركة احتجاجية مؤطرة يضلل التحليل العلمي، لأن غياب التنظيم النقابي أو الحزبي أو الجمعوي جعلها أشبه بردود فعل عفوية ناتجة عن تراكمات اقتصادية واجتماعية وثقافية.
وأشار إلى أن الرسالة التي كان ينبغي على السياسيين استخلاصها من الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش تتمثل في وجود «مغربين» متوازيين: الأول يحقق تقدما سريعا في الصناعة والبنيات التحتية والتكنولوجيا، والثاني يواجه صعوبات في السياسات العمومية والتنمية، ما أدى إلى فجوة اجتماعية تحولت إلى هامش فاقد للتأطير والشعور بالانتماء، وهو ما يهيئ بيئة خصبة للحرمان والانحراف والعنف.
وشدد على أن خطورة هذا الهامش لا تنحصر في ضعف الخدمات أو غياب البنيات الأساسية، بل تتعداها إلى تهديد منظومة القيم الديمقراطية وتراجع دور الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والجمعيات في التنشئة الاجتماعية، مؤكدا أن اتساع الهامش يضاعف المخاطر على المجتمع والدولة، لأن الإحساس بالحرمان يولد نزعة إلى رفض القانون وإضعاف الولاء للمؤسسات.
ولفت إلى أن الشباب في هذه المناطق أصبحوا أكثر عرضة لتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء موجه للسلوك وصانع للرأي، حيث تتحول صور المدارس أو المستشفيات أو الأحياء المهمشة إلى مواد عابرة للحدود يستغلها محرضون خارجيون لتشويه صورة المغرب وإضعاف الثقة في الدولة.
♦ثقافة الهامش تصنع العنف
أكد عبد الرحيم عنبي أن المطالب الاجتماعية ليست جديدة على المجتمع المغربي، إذ رفعتها النقابات والهيئات السياسية منذ عقود، لكن المستجد اليوم هو اقترانها بانفلاتات غير مؤطرة وسط فئات شبابية مهمشة، معتبرا أن هذا التداخل يجعل المطالب المشروعة تنزلق نحو العنف وتمجيد الحرق والتكسير والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
وبيّن أن مدينة القليعة تمثل مثالا بارزا لهذه الظاهرة، إذ تستقطب مهاجرين من مناطق متعددة، وتجمع بين عمال يبحثون عن فرص العيش وجانحين فارين من العدالة، مبرزا أنع في ظل غياب مؤسسات تعليمية كافية وضعف التأطير المدني والثقافي، تراكمت أشكال الإقصاء الاجتماعي لتفرز احتقانا مزمنا قابلا للانفجار في أي لحظة.
وتابع أن ما يسمى بـ”ثقافة الهامش” لم تعد مجرد انعكاس لغياب التنمية، بل تحولت إلى منظومة فكرية لها رموزها ودلالاتها، حيث ينظر بعض المنتمين إليها إلى مؤسسات الدولة كأنها غريبة عنهم، ويستعملون العنف وسيلة للتعبير وإثبات الذات، معتبرين أن حرق الأبناك أو مهاجمة مراكز الشرطة أعمال تحد لا جرائم تهدد السلم الاجتماعي.
وكشف أن بعض المجموعات المشاركة في أحداث القليعة بدت وكأنها تتحرك وفق تنظيم وتكتيك يوحيان بتلقي تكوين مسبق، ما يعزز فرضية استغلال أطراف للاحتقان الاجتماعي من أجل أهداف تتجاوز تحسين ظروف العيش، ومحذرا من أن استمرار تراكم الهامش قد يقود إلى بروز جماعات منظمة بأجندات تشكل تهديدا مباشرا للأمن الوطني.
وانتقد عنبي ضعف السياسات العمومية وعجز الأحزاب عن تنزيل المشاريع ذات الطابع الاجتماعي والتنموي، مؤكدا أن هذا البطء يغذي شعور الخذلان ويعمّق ثقافة الغضب والكراهية تجاه المؤسسات، وموضحا أن غياب مبادرات جدية لاحتواء الشباب يترك فراغا تستغله التيارات العنيفة أو الجهات الخارجية.
♦مسؤوليات وأفق الحلول
حمّل عنبي الأحزاب السياسية مسؤولية مشتركة عن الوضع، مبينا أن الهيئات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام لم تفلح في الاستجابة لتطلعات المواطنين، منتقدا انغماسها في الزبونية والوجاهة واعتمادها على الأعيان وأصحاب المال بدل الاعتماد على مناضلين حقيقيين قادرين على التواصل مع الشارع وتأطير الشباب.
وشدد على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على بناء مدارس أو تجهيز مستشفيات، بل يتطلب إصلاحا شاملا للسياسات العمومية يقوم على العدالة المجالية والديمقراطية الاجتماعية، مع إدراج قضايا السكن، والتعليم، والصحة في صميم المشاريع الحكومية والسياسية، لأن أزمات مثل الغلاء، وغلاء الكراء وضعف العرض الجامعي تزيد من حدة الغضب داخل المجتمع.
وأبرز أن تكرار هذه الانفلاتات قد يهدد تماسك المجتمع ويضعف الانتماء الوطني، خاصة في ظل استمرار مقاربتين متناقضتين: تضخيم خارجي عبر بعض وسائل الإعلام الأجنبية التي تستغل الأحداث لتشويه صورة المغرب، وتجاهل داخلي يتعامل معها باعتبارها وقائع عابرة لا تعكس دلالات عميقة.
ورأى أن الحل يكمن في اعتبار هذه الوقائع مؤشرات على توسع الهامش، بما يستوجب إصلاحات جذرية تضع الشباب في قلب السياسات العمومية، ومؤكدا أن الاستمرار في المقاربات التقليدية سيؤدي حتما إلى انفجارات اجتماعية أكبر وأكثر خطورة.
ودعا عنبي الأحزاب إلى التعاقد مع خبراء اجتماعيين لإنجاز دراسات معمقة حول التحولات الجارية في المجتمع المغربي، مشيرا إلى أن استمرارها في الاشتغال بعقليات السبعينيات والثمانينيات يفقدها القدرة على فهم تحديات اليوم، ومؤكدا أن أي مشروع سياسي ناجح يجب أن يستوعب التحولات الثقافية والاجتماعية التي يعيشها الشباب.
وخلص إلى أن الاستثمار في الشباب وتوفير فضاءات للتأطير والتكوين والتعبير يشكل السبيل الوحيد لتفادي انفلاتات أكبر في المستقبل، ومحذرا من أن تجاهل خطورة “ثقافة الهامش” سينتج موجات جديدة من العنف أشد مما شهدته القليعة وغيرها من المدن المغربية.

