في الوقت الذي تشهد فيه تطبيقات النقل الذكي انتشاراً متزايداً واستعمالاً واسعاً من طرف المواطنين، أعادت واقعة مقتل سائق يعمل عبر تطبيق “إندرايف” بمنطقة دار بوعزة ضواحي الدار البيضاء تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه العاملين في هذا القطاع، وعلى ضرورة تعزيز آليات الحماية والرقابة المرتبطة بهذا النوع من الخدمات الرقمية.
وأثارت هذه الجريمة حالة من الصدمة والاستياء في صفوف المواطنين، كما فتحت نقاشا متجدداً حول مدى نجاعة التدابير الأمنية المعتمدة للتحقق من هويات الزبائن والسائقين وضمان سلامة الجميع.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة متزايدة بشأن الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر لعمل تطبيقات النقل الذكي بالمغرب، ومدى قدرتها على توفير بيئة عمل آمنة للعاملين بها، في ظل تنامي الاعتماد على هذه المنصات كمصدر رزق لآلاف السائقين وكوسيلة نقل يفضلها عدد متزايد من المواطنين.
♦الإشهار بين القانون والتنظيم
أوضح مصطفى الكيحل، الكاتب الوطني للمكتب النقابي للنقل الطرقي بالمغرب، والأمين العام للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، والعضو بالاتحاد النقابي الإفريقي، أن الجدل القائم حول رفض مهنيي سيارات الأجرة للوحات الإشهارية المرتبطة بتطبيقات النقل الذكي، لا يمكن فصله عن الإطار القانوني المنظم لقطاع النقل الطرقي بالمملكة.
واعتبر الكيحل في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الرفض ينبني أساساً على كون تلك اللوحات، حسب تقديره، غير قانونية وتخالف مضامين الظهير الشريف المؤطر لعمل سيارات الأجرة، والذي يمنح للسلطات المحلية، وعلى رأسها وزارة الداخلية والعمال والولاة، صلاحيات واسعة في تنظيم القطاع وتحديد شروط استغلاله.
وأضاف الكيحل أن هذا الإطار القانوني لا يكتفي فقط بتنظيم شروط الاشتغال، بل يشمل أيضاً ضبط آليات الاستفادة من المأذونيات وتحديد القواعد التي تحكم العلاقة بين المهنيين والإدارة، مشيراً إلى أن القرارات التنظيمية الجاري بها العمل تمنع الإشهار داخل سيارات الأجرة بشكل نهائي.
ووفق المتحدث، فإن أي إدخال لعنصر الإشهار المرتبط بالتطبيقات الذكية يقتضي المرور عبر مساطر قانونية واضحة، في مقدمتها الحصول على ترخيص صريح من السلطات المختصة، غالباً عبر قرار عاملي يسمح بذلك.
ورأى المسؤول النقابي أن تجاوز هذا الإطار التنظيمي يخلق ارتباكاً في القطاع ويؤثر على توازناته المهنية، داعياً إلى احترام القوانين الحالية إلى حين فتح نقاش مؤسساتي شامل حول تحديث المنظومة القانونية للنقل الطرقي، بما يواكب التحولات الرقمية دون المساس بالضوابط التنظيمية المعمول بها.
♦المأذونية والريع والتحول الرقمي
شدد الكيحل على أن الإشكال الحقيقي الذي يعيق إدماج تطبيقات النقل الذكي داخل قطاع سيارات الأجرة لا يرتبط برفض التكنولوجيا أو التطور الرقمي، بل يعود أساساً إلى ملف المأذونيات وما وصفه بترسخ منطق الريع داخل القطاع.
وأوضح أن هذا الملف ظل، حسب تعبيره، دون حسم من طرف وزارة الداخلية، مما جعل القطاع يعيش وضعاً معقداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاجتماعية والمهنية.
وأضاف أن اعتماد التطبيقات الذكية في نقل الركاب يفرض احترام مجموعة من القواعد القانونية، من بينها إلزام السائقين بتشغيل العداد وعدم تجاوز التعريفات المحددة، محذراً من أن أي خرق لهذه الضوابط يعرض المهنيين لمخالفات قانونية واضحة.
كما دعا إلى ضرورة عقد اجتماع موسع مع وزارة الداخلية على المستوى المركزي، بهدف إيجاد حلول توافقية بين مختلف الأطراف، بما يضمن حقوق المهنيين في الشغل ويؤمن في الوقت ذاته استقرار القطاع.
وتساءل المتحدث عن استمرار العمل بنظام المأذونيات دون إصلاح جذري، معتبراً أن غياب قرار حاسم في هذا الملف يعرقل أي محاولة حقيقية لتحديث القطاع، مشيرا إلى أن المهنيين يعيشون هاجس فقدان الاستقرار المهني، خاصة بعد سنوات طويلة من العمل، ما يجعل مطلب ضمان الحق في الشغل في صلب أولوياتهم. واعتبر أن معالجة هذا الإشكال تتطلب إرادة سياسية واضحة لإعادة هيكلة القطاع على أسس شفافة وعادلة.
♦تدبير القطاع ومسؤولية الدولة
انتقد الكيحل ما وصفه بغياب التنظيم الصارم لبعض الشركات التي تشتغل بتطبيقات نقل داخل المغرب دون توفرها على مقرات اجتماعية واضحة، معتبراً أن هذا الوضع يطرح تساؤلات قانونية حول مدى احترامها للقوانين الوطنية المنظمة للنشاط الاقتصادي.
ودعا في هذا السياق وزارة الداخلية إلى التدخل الحازم لضبط هذا المجال، وتفعيل المراقبة القانونية على جميع الفاعلين دون استثناء.
ولفت إلى أن استمرار هذا الوضع، في نظره، يعكس ضعفاً في تدبير القطاع من طرف الجهات الوصية، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات السريعة التي يعرفها مجال النقل الذكي.
كما تساءل عن مدى جاهزية الدولة لتأطير هذا النوع من الخدمات، وضمان إدماجه بشكل منظم يوازن بين الابتكار الرقمي وحماية حقوق المهنيين التقليديين.
وأورد المتحدث أن النقابات المهنية لا تعارض من حيث المبدأ إدماج التكنولوجيا أو تحديث خدمات النقل، لكنها ترفض ما تعتبره غياباً للحوار المؤسساتي الجاد مع وزارة الداخلية.
وجدد التأكيد على أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يمر عبر فتح قنوات تشاور رسمية مع التنظيمات النقابية، بهدف بلورة تصور شامل يراعي مصالح جميع الأطراف، ويُترجم في دوريات وزارية ملزمة تطبق على المستوى الوطني.
كما أرجع الكيحل صعوبة تأسيس تطبيقات خاصة بسائقي سيارات الأجرة إلى وجود تضارب في المصالح، إضافة إلى ما وصفه بدور بعض النقابات التي تتهم بعقد صفقات خارج الأطر القانونية مع شركات أجنبية، معتبرا أن هذه الاختلالات تعمق أزمة الثقة داخل القطاع وتعرقل أي مشروع إصلاحي جماعي.
وفي سياق متصل، أقر المتحدث بوجود سلوكات غير مهنية صادرة عن بعض السائقين، لكنه ربطها بالضغط الاقتصادي الذي يعيشه القطاع، سواء بسبب المنافسة المتزايدة من وسائل النقل الأخرى مثل الحافلات والترامواي، أو بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وعلى رأسها أسعار المحروقات، مردفا أن التعريفات الحالية لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي الجديد، ما يزيد من حدة التوتر داخل المهنة.
وخلص الكيحل إلى أن مسؤولية هذا الوضع لا تقع على المهنيين وحدهم، بل تتقاسمها الدولة والسلطات المحلية ووزارة الداخلية والمؤسسات المنتخبة، بسبب ما وصفه بضعف الحكامة في تدبير قطاع سيارات الأجرة وغياب العدالة في تنظيمه، وهو ما جعل القطاع يعيش، حسب تعبيره، حالة من التوتر المستمر في ظل غياب إصلاح شامل وجذري.

