يتجه تنظيم كأس العالم 2026 نحو نموذج أمني متعدد الأطراف، يقوم على إشراك شركاء دوليين ذوي خبرة في إدارة المخاطر والتأمين الميداني.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل إقليمي اكتسب خلال السنوات الأخيرة موقعا متقدما داخل شبكات التعاون الأمني الدولي، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويعكس هذا الحضور المتنامي تطور العلاقات الثنائية نحو مستويات أعمق من التنسيق العملياتي وتبادل الخبرات.
كما يؤشر على الثقة المتزايدة في القدرات المؤسساتية المغربية، وقدرتها على الإسهام في تأمين تظاهرات كبرى ذات طابع عالمي وحساس.
♦اختيار مغربي أمريكي استراتيجي
وفي هذا السياق، يرى أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، العباس الوردي، أن إدراج المغرب ضمن دائرة التأمين المرتبطة بكأس العالم الذي ستحتضنه الولايات المتحدة الأمريكية بشراكة مع المكسيك سنة 2026، لا يمكن قراءته كقرار تقني عابر، بل كاختيار استراتيجي يحمل رسائل متعددة الاتجاهات.
واعتبر الوردي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا القرار يعكس مستوى متقدما من الثقة التي باتت تحظى بها الأجهزة الأمنية المغربية داخل المنظومة الدولية، خصوصا لدى الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد بشكل متزايد على شركاء موثوقين في تدبير الأحداث الكبرى ذات الطابع العالمي.
وأبرز المتحدث أن هذه الثقة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة مسار طويل من التعاون الأمني والتنسيق الاستخباراتي والتجارب المشتركة في مجالات متعددة، جعلت المغرب يتحول إلى فاعل أساسي في هندسة الأمن الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى المغرب فقط كحليف تقليدي، بل كشريك عملياتي قادر على المساهمة الفعلية في حماية تظاهرات عالمية معقدة من حيث التحديات الأمنية.
وأضاف أن هذا الاختيار يعكس أيضا رغبة أمريكية في تعميق الشراكة مع المغرب، في إطار رؤية جديدة تقوم على توسيع مجالات التعاون لتشمل مختلف المنصات، من الأمن إلى الاقتصاد والدبلوماسية، مرورا بالتكوين والتنسيق الميداني، مؤكدا أن كأس العالم 2026 يمثل منصة استراتيجية لإعادة صياغة شكل التعاون الأمني المشترك بين البلدين، بما يعزز حضور المغرب في معادلات الأمن العالمي.
وشدد على أن هذا التوجه يعكس انتقال العلاقات المغربية الأمريكية من مستوى التعاون التقليدي إلى مرحلة الشراكة المهيكلة، التي تقوم على تقاسم المسؤوليات داخل الفضاءات الدولية الكبرى، وعلى رأسها التظاهرات الرياضية ذات الطابع العالمي.
♦جذور تاريخية عميقة ممتدة
استحضر الوردي البعد التاريخي العميق الذي يميز العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدا أنها من أقدم العلاقات الدبلوماسية في العالم، حيث تمتد لأكثر من 250 سنة من التواصل والتعاون المتواصل.
ولفت إلى أن المغرب كان أول بلد في العالم يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن التاج البريطاني، وهو حدث تاريخي يعكس عمق الرؤية المغربية المبكرة للعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل.
وأكد أن هذا الامتداد التاريخي ليس مجرد معطى رمزي، بل يشكل أساسا صلبا للعلاقات الحالية بين البلدين، حيث تحول هذا الإرث الدبلوماسي إلى قاعدة لتطوير شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، مبرزا أن هذا العمق التاريخي منح العلاقات بين الرباط وواشنطن طابعا استثنائيا يميزها عن باقي العلاقات الدولية الأمريكية.
وشرح أن هذا المسار الطويل من التعاون ساهم في بناء ثقة متبادلة بين المؤسستين المغربية والأمريكية، خصوصا في المجالات الأمنية والدفاعية، حيث تطور التعاون ليشمل التكوين المشترك، وتبادل الخبرات، والمناورات العسكرية، والتنسيق الاستخباراتي، وهو ما جعل المغرب اليوم شريكا محوريا في محاربة التهديدات العابرة للحدود.
وتابع المتحدث أن هذه العلاقات تعززت أكثر بفضل الاستقرار المؤسساتي الذي تعرفه المملكة المغربية، بقيادة المؤسسة الملكية، والتي لعبت دورا محوريا في ترسيخ خيار الانفتاح الاستراتيجي على الولايات المتحدة، وبناء نموذج تعاون قائم على الاستمرارية والفعالية، مبينا أن هذا الإرث التاريخي هو الذي يفسر اليوم مستوى الثقة العالية التي تمنحها واشنطن للرباط في ملفات حساسة واستراتيجية.
وجدد التأكيد على أن جذور العلاقات المغربية الأمريكية تمثل نموذجا فريدا في العلاقات الدولية، حيث يجتمع التاريخ بالاستراتيجية، وتلتقي الذاكرة الدبلوماسية بالمصالح الجيوسياسية المشتركة.
♦تعاون أمني اقتصادي متكامل
أبرز المحلل السياسي أن المرحلة الحالية من العلاقات المغربية الأمريكية تتميز بانتقال واضح نحو نموذج تعاون أمني واقتصادي متكامل، يقوم على مفهوم “الرابح-الرابح”، وعلى بناء شراكات مؤسساتية طويلة الأمد تشمل مختلف المستويات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
وذهب إلى أن هذا التعاون لم يعد يقتصر على التنسيق الثنائي التقليدي، بل أصبح يشمل بناء منظومات مشتركة للتخطيط والتدبير والتكوين، ومؤكدا أن أحد أهم أبعاد هذا التعاون يتمثل في تعزيز التشبيك الأمني بين البلدين، من خلال تنظيم مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إضافة إلى تطوير آليات التنسيق الاستخباراتي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، ومعتبرا أن هذا التكامل يعكس مستوى متقدما من الثقة في الكفاءة الأمنية المغربية.
وأورد أن هذا التعاون لا ينحصر في البعد الأمني فقط، بل يمتد إلى مجالات اقتصادية وتنموية تعزز مكانة المغرب كشريك استراتيجي في شمال إفريقيا، وكجسر بين إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، مشيرا إلى أن هذا التعاون يساهم في خلق دينامية جديدة داخل العلاقات الثنائية، تقوم على الاستثمار المشترك وتبادل المصالح وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وشرح المتحدث أن هذا النموذج من التعاون يعكس أيضا رؤية سياسية مشتركة تقوم على بناء عالم أكثر استقرارا، من خلال تقوية المؤسسات وتوسيع مجالات الشراكة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو حتى الدبلوماسي، موضحا أن هذا المسار يعكس التزاما متبادلا بين الرباط وواشنطن بتطوير علاقات لا تحدها الجغرافيا بقدر ما تحكمها المصالح الاستراتيجية المشتركة.
وخلص إلى أن هذا التعاون المتكامل يعكس تتويجا لمسار طويل من الشراكة بين البلدين، ويؤكد أن المغرب أصبح فاعلا أساسيا في المعادلات الأمنية الدولية، وشريكا موثوقا للولايات المتحدة في مختلف المبادرات العالمية، بما في ذلك تنظيم كبرى التظاهرات الدولية مثل كأس العالم 2026.

