مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026، بدأت ملامح الغليان السياسي تطفو على السطح، واضعة الأحزاب المغربية أمام اختبار حقيقي يتعلق بكيفية اختيار نخبها، ولم يعد موضوع “التزكية الحزبية” مجرد إجراء تنظيمي داخلي، بل صار قضية رأي عام ترتبط بمدى قدرة الفاعل السياسي على الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحقيق النجاعة المؤسسية المنشودة.
الأحزاب السياسية
أصدرت المحكمة الدستورية قرارين حاسمين يقضيان بمطابقة القانونين التنظيميين رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، و54.25 المتعلق بالأحزاب السياسية لأحكام الدستور، وذلك عقب إحالتهما من طرف رئيس الحكومة.
في خضم التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السياسي الوطني والدولي، يعود سؤال المشاركة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026؛ ففي ظل تنامي المطالب الاجتماعية وارتفاع سقف انتظارات المواطنين، باتت الأحزاب السياسية مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في نمط اشتغالها وأساليب تواصلها، بما يضمن تعزيز ثقة الناخبين واستعادة بوصلة الفعل السياسي داخل المجتمع، وهذه الدينامية المتغيرة تُحيل على ضرورة قراءة جديدة لواقع الممارسة الحزبية، ولقدرتها على التفاعل مع المتغيرات التكنولوجية والاجتماعية التي تعيد تشكيل علاقة المواطن بالشأن العام.
تتصاعد المؤشرات داخل الأوساط السياسية بالأقاليم الجنوبية حول توجه مرتقب لتفعيل الأحزاب الجهوية، في سياق حركية إصلاحية واسعة تستبق مرحلة تنزيل مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، حيث يأتي تداول هذه المعطيات في وقت تشهد فيه المؤسسات الدستورية ونخب الجهة نقاشًا متزايدًا حول مراجعة آليات التمثيل السياسي وتجويد الإطار القانوني المنظم للأحزاب، بما ينسجم مع رؤية الدولة في تعزيز القرب الترابي وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، تماشيًا مع التوجيهات الملكية والخيار الديمقراطي الجهوي.
في خطوة سياسية جديدة تعكس الدينامية الملكية في تدبير ملف الصحراء المغربية، أطلق صاحب الملك محمد السادس، ورشًا تشاركيًا غير مسبوق لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وذلك خلال اجتماع رفيع المستوى بالديوان الملكي ترأسه مستشارو الملك بحضور زعماء الأحزاب الوطنية ووزيري الداخلية والشؤون الخارجية، إذ إن هذا الاجتماع يأتي تنفيذًا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب 31 أكتوبر الماضي، عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي كرس المبادرة المغربية كأساس وحيد وواقعي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
أعاد المؤتمر الوطني الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية النقاش حول مأزق الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية المغربية، بعد أن زكى المؤتمِرون إدريس لشكر كاتبًا أول لولاية رابعة متتالية، إثر تعديل قانوني صادق عليه المؤتمر بأغلبية مطلقة، حيث جاء هذا التمديد، الذي شمل أيضًا مختلف أجهزة الحزب، ليؤسس لمرحلة جديدة من “الاستمرارية التنظيمية” التي تبررها القيادة بالحفاظ على وحدة الصف واستقرار البنية الحزبية، في مقابل انتقادات ترى أن استمرار نفس الوجوه بات يعكس أزمة عميقة في آليات التداول والتجديد السياسي.
في وقت يواجه المغرب تحولات سياسية واجتماعية متسارعة، تتزايد الأصوات المطالبة بإصلاحات جذرية في النظام الانتخابي ومساءلة الأداء الحكومي، إذ في ظل احتجاجات يشارك فيها شباب…
شهدت الساحة المغربية دعوة جديدة للاحتجاج قادتها مبادرة “جيل زد 212” (GenZ 212)، التي أعلنت عن تنظيم مظاهرات سلمية في مختلف المدن، بهدف التعبير عن مطالب اجتماعية أساسية مرتبطة بقطاعات الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وهذه الدعوة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول قدرة الشباب المغربي على فرض أجندة جديدة في النقاش العمومي؛ خاصة في ظل تصاعد مؤشرات البطالة، وتراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية، واحتدام النقاش حول جدوى السياسات العمومية الاجتماعية.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود مطلب تمكين الجالية المغربية بالخارج من تمثيلية سياسية مباشرة إلى واجهة النقاش الوطني، بعد أن ظل مؤجلا منذ اعتماد دستور 2011 الذي نص بوضوح على حقهم في المشاركة السياسية؛ فمع وجود ما يفوق 5 ملايين مغربي مقيم بأكثر من مائة دولة، وتجاوز تحويلاتهم المالية السنوية عتبة 100 مليار درهم، يتأكد الثقل الاقتصادي والديمغرافي لهذه الفئة التي تشكل امتدادًا استراتيجيًا للمملكة في الخارج، غير أن حضورها داخل المؤسسات المنتخبة ظل محدودا، محكوما إما بالتصويت بالوكالة أو العودة إلى أرض الوطن يوم الاقتراع، وهو ما يعتبره كثيرون ترتيبات تفرغ الحق الدستوري من مضمونه العملي.
قدم الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الأفريقية للسياسات العامة، في مقال استقرائي توصلت جريدة “شفاف” بنسخة منه؛ رؤيته حول العلاقة بين الأمية والممارسة السياسية في سياق الديمقراطية.
