يتجه المغرب نحو دراسة اقتناء مقاتلات “FA-50” الكورية الجنوبية في إطار مسار متواصل لتحديث قدرات القوات الجوية الملكية وتعزيز جاهزيتها العملياتية، وهذا التوجه يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة هيكلة المنظومات القتالية والتدريبية، خاصة مع الحاجة إلى تعويض منصات قديمة وتطوير أسطول قادر على مواكبة متطلبات الحرب الحديثة، في ظل انفتاح متزايد على شراكات صناعية وعسكرية جديدة.
ويطرح هذا التحرك أبعادًا تتجاوز مجرد صفقة تسليح، إذ يفتح نقاشًا حول طبيعة التحول الذي تسعى إليه الرباط في بنيتها الجوية، ومدى ارتباطه بإعادة توزيع أولوياتها الدفاعية، وحول إن كان يعكس هذا الخيار توجهًا نحو نموذج عملياتي أكثر مرونة، وعن تشكيل الخطوة لإعادة صياغة توازنات الشراكات العسكرية، أم أنه جزء من قراءة استباقية لتحولات البيئة الأمنية الإقليمية.
❖ تحديث عملياتي
يرى محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن التوجه نحو دراسة اقتناء مقاتلات ” KAI FA-50 Fighting Eagle” يندرج ضمن مسار تحديث هيكلي متدرج للقوات الجوية الملكية، يهدف أساسًا إلى سد الفجوة بين طائرات التدريب المتقدم والمقاتلات متعددة المهام الثقيلة.
وأوضح الطيار في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا المسار يعكس قراءة عملياتية دقيقة لاحتياجات الأسطول الجوي، في ظل محدودية أدوار منصات التدريب التقليدية أمام متطلبات القتال الجوي الحديث، ما يجعل “FA-50” منصة انتقالية قادرة على تقريب بيئة التدريب من الواقع العملياتي.
وأكد أن القيمة العملياتية لهذه المقاتلة تكمن في قدرتها المزدوجة على الجمع بين التدريب القتالي المتقدم وتنفيذ مهام ميدانية فعلية، لافتًا إلى أنها تتيح للطيارين العمل في ظروف تحاكي مقاتلات الجيل الرابع، مع إمكانية توظيفها في مهام الدعم الجوي القريب، والاعتراض الخفيف، والمراقبة المسلحة.
وأبرز الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، أن هذا التنوع يمنح القيادة الجوية مرونة أكبر في توزيع المهام، دون استنزاف المقاتلات الثقيلة الأعلى كلفة.
وأضاف أن إدماج منصة خفيفة متعددة الأدوار داخل الهيكلة الجوية يساهم في إطالة العمر العملياتي للأسطول الرئيسي، عبر تخفيف الضغط اليومي عن المقاتلات الثقيلة.
وأشار إلى أن إيكال المهام منخفضة ومتوسطة الحدة إلى “FA-50″، يحافظ على جاهزية القدرات الاستراتيجية، مبرزًا أن انخفاض كلفة التشغيل والصيانة يسمح برفع وتيرة الطلعات التدريبية والعملياتية، وهو عامل أساسي في الحفاظ على الكفاءة القتالية وسرعة الاستجابة.
❖ عقيدة دفاعية
على مستوى العقيدة الدفاعية، يشدد محمد الطيار على أن التوجه نحو “FA-50” لا يعكس تحولاً جذريًا في فلسفة الدفاع المغربية، بل يمثل تطويرًا عمليًا لأدوات تنفيذها.
ولفت إلى أن المغرب يعتمد منذ سنوات مقاربة قائمة على الردع الذكي والجاهزية العالية، مع الحرص على تحقيق توازن بين الفعالية العملياتية والكلفة.
وأبرز رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن إدخال مقاتلة خفيفة متطورة ينسجم مع هذا المنطق، لأنه يعزز الأداء دون فرض أعباء مالية أو لوجستية مفرطة.
واعتبر أن هذا الخيار يعكس أيضًا توجهًا نحو بناء نموذج عملياتي أكثر مرونة وقابلية للانتشار، موضحًا أن الحروب الحديثة تتطلب قدرة على التدخل السريع وإدارة تهديدات متدرجة، وليس الاعتماد فقط على القوة الثقيلة.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وأردف أن وجود منصة مثل “FA-50” يتيح للقوات الجوية التكيف مع هذا الطيف الواسع من السيناريوهات؛ سواءً في التدريب أو المهام الأمنية أو العمليات المشتركة.
وفي بعد استراتيجي أوسع، يبرز الخبير أن هذا التوجه يكرس سياسة تنويع الشركاء العسكريين عبر الانفتاح على الصناعة الدفاعية الكورية الجنوبية.
وأكد على أن هذا التنويع لا يعني استبدال الشراكات القائمة، بل توسيعها بما يخدم الاستقلالية العملياتية، ويمنح هامشًا أكبر للمناورة الاستراتيجية، مع تعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا داخل بنية دفاعية متكاملة.
❖ سياق إقليمي
إقليميًا، يقرأ محمد الطيار هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من استعداد استباقي لتحولات البيئة الأمنية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
وأشار إلى أن هذه المناطق تعرف ديناميات متسارعة تتسم بتهديدات غير متماثلة، مثل الجماعات المسلحة والأنشطة العابرة للحدود، ما يفرض الحاجة إلى منصات جوية قادرة على التدخل السريع والمراقبة المستمرة.
خيارات المغرب بين الردع والتنويع.. ما الغايات من التوجه نحو السلاح الكوري؟
وأكد الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، على أن وجود مقاتلة خفيفة متطورة يعزز الجاهزية في المهام الحدودية ومكافحة التهديدات غير التقليدية.
وأبرز أن توفرها قدرة على تنفيذ مهام المراقبة المسلحة والدعم الجوي القريب بسرعة وكلفة أقل، وهو ما يتلاءم مع طبيعة التحديات الإقليمية التي تتطلب مرونة تكتيكية عالية.
ولفت إلى أن إدماج “FA-50” ضمن منظومة متكاملة تشمل المقاتلات الثقيلة وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة يساهم في بناء طبقات ردع متداخلة.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأوضح أن هذه المقاربة، تعكس فهمًا حديثًا للردع يقوم على التكامل بين الوسائط المختلفة، بما يسمح بمواكبة تطور طبيعة النزاعات، دون الانجرار إلى سباق تسلح تقليدي مكلف، بل عبر تعزيز الكفاءة والمرونة والاستجابة الذكية.

