أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن تعيين الإطار الوطني محمد وهبي مدربًا جديدًا للمنتخب المغربي الأول، خلفًا لوليد الركراكي، في خطوة تفتح صفحة جديدة في مسار “أسود الأطلس” بعد مرحلة طبعتها إنجازات بارزة وحضور قوي على الساحة الدولية، حيث جاء هذا القرار في سياق بحث المنظومة الكروية الوطنية عن مواصلة البناء على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة؛ خاصة بعد الإنجاز التاريخي في مونديال 2022.
ويطرح هذا التحول في الوقت نفسه جملة من التساؤلات المرتبطة بقدرة المدرب الجديد على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة؛ خصوصًا مع ارتفاع سقف تطلعات الجماهير المغربية وتزايد الرهانات المرتبطة بالاستحقاقات القادمة، التي تترقب مدى نجاح وهبي في نقل تجربته مع الفئات السنية إلى المنتخب الأول، واستطاعته الحفاظ على روح التنافسية التي ميزت المنتخب في السنوات الماضية، أم أن المرحلة الجديدة ستفرض مقاربة مختلفة في تدبير المشروع التقني لـ”أسود الأطلس”.
❖ فلسفة وطنية
يرى عادل فرس، الإطار الوطني والمحلل الرياضي، أن تعيين محمد وهبي مدربًا للمنتخب المغربي يدخل في إطار استمرار الفلسفة الكروية الجديدة التي بدأت تتبلور داخل كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح فرس في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير مدرب بآخر، بل هو امتداد لمنظومة متكاملة تسعى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى ترسيخها على المدى الطويل.
وأكد أن كرة القدم المغربية ظلت لسنوات طويلة تتأثر بعدة مدارس تدريبية أجنبية؛ سواءً الفرنسية أو الإسبانية أو البلجيكية، وهو ما انعكس على طرق التكوين وعلى أساليب اللعب داخل المنتخبات الوطنية والأندية.
وأردف الإطار الوطني والمحلل الرياضي، أن المرحلة الحالية تشهد تحولًا مهمًا نحو بناء فلسفة مغربية خاصة، تستند إلى الخصوصية التقنية والذهنية للاعب المغربي.
وأبرز أن هذا التحول لم يأتي من فراغ، بل هو نتيجة عمل طويل واستراتيجية واضحة أشرفت عليها الإدارة التقنية الوطنية بقيادة فتحي جمال، التي ساهمت في وضع أسس مشروع كروي يركز على تكوين اللاعبين والمدربين وفق رؤية موحدة، لافتًا إلى أن ملامح هذه الهوية تظهر بشكل واضح من خلال النتائج التي حققتها المنتخبات السنية في السنوات الأخيرة.
واستطرد أن النجاحات التي حققتها هذه الفئات ليست مجرد إنجازات ظرفية، بل تعبير عن عمل منهجي قائم على تكوين اللاعبين وتأهيل الأطر الوطنية، لذلك فإن اختيار مدرب من داخل هذا المسار، مثل محمد وهبي، يعد استمرارًا طبيعيًا لهذه الفلسفة وليس خطوة مفاجئة.
❖ قوة التجربة
في تقييمه لقدرة محمد وهبي على قيادة المنتخب الأول، يؤكد عادل فرس أن تجربة المدرب الجديد مع الفئات السنية تمثل نقطة قوة حقيقية، وليس عامل ضعف كما قد يعتقد البعض، فالعمل مع اللاعبين الشباب في نظره، يتطلب مستوى عاليًا من الكفاءة والبيداغوجيا، بل أحيانًا يكون أكثر تعقيدًا من تدريب المنتخب الأول.
ويشرح أن تدريب الفئات السنية لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يشمل أيضًا جوانب تربوية ونفسية متعددة، حيث يكون المدرب مطالبًا بتوجيه اللاعبين وتطوير شخصياتهم الكروية، إضافة إلى إعدادهم للانتقال التدريجي نحو أعلى مستويات المنافسة، مبرزًا أن المدرب الذي ينجح في هذا المستوى غالبًا ما يمتلك الأدوات اللازمة للنجاح مع المنتخب الأول.
واستحضر فرس في هذا السياق تجربة المنتخب الإسباني، الذي اختار بدوره المدرب لويس دي لا فوينتي؛ القادم من الفئات السنية، لينجح في تحقيق نتائج إيجابية مع المنتخب الأول.
ويرى الإطار الوطني والمحلل الرياضي، أن هذا النموذج يمكن أن يتكرر في المغرب؛ خاصة في ظل التشابه بين المسارين من حيث التركيز على التكوين وإعداد اللاعبين داخل منظومة متكاملة.
وأشار إلى أن الجيل الحالي من اللاعبين الشباب الذين عمل معهم محمد وهبي في المنتخبات السنية يمثل قاعدة مستقبلية قوية للمنتخب الأول، فهؤلاء اللاعبون اكتسبوا خبرة اللعب الجماعي والانسجام فيما بينهم، وهو ما قد يسهل عملية دمجهم داخل المنتخب الأول في السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يعتقد فرس أن المدرب الجديد سيكون قادرًا على بناء فريق تنافسي يعتمد على هذا الجيل، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى وعلى رأسها كأس العالم 2026.
❖ تحديات المرحلة
رغم تفاؤله بإمكانيات المدرب الجديد، لا ينكر عادل فرس أن المرحلة المقبلة ستعرف تحديات مهمة، خاصة أن محمد وهبي سيخلف مدربًا حقق إنجازات كبيرة مع المنتخب المغربي، فخلافة وليد الركراكي تعني التعامل مع إرث رياضي قوي ومع توقعات جماهيرية مرتفعة.
ويرى أن أي مدرب جديد يحل مكان مدرب ناجح يجد نفسه دائمًا أمام مقارنة مستمرة، وهو ما قد يشكل ضغطًا إضافيًا منذ البداية، معتبرًا أن هذه المقارنة قد تكون في الوقت نفسه دافعًا إيجابيًا، لأنها تحفز المدرب الجديد على إثبات قدراته وتطوير المشروع الكروي.
وأشار إلى أن الركراكي ترك للمنتخب قاعدة صلبة يمكن البناء عليها؛ سواءً من حيث التصنيف الدولي أو من حيث الهوية التكتيكية والروح الجماعية داخل الفريق، فالمنتخب المغربي أصبح يحظى باحترام كبير على المستوى الدولي، وهو ما يفرض على المدرب الجديد الحفاظ على هذا المستوى من التنافسية.
وأكد أن محمد وهبي يمتلك من المؤهلات ما يساعده على التعامل مع هذه التحديات؛ خاصة أنه يتمتع بخلفية أكاديمية وثقافية مهمة، حيث اشتغل في مجال التعليم، وهو ما منحه قدرة بيداغوجية على التواصل مع اللاعبين وفهم الجوانب النفسية المرتبطة بالأداء الرياضي.
وأضاف أن المدرب الجديد بدأ مسيرته التدريبية في سن مبكرة، حيث اشتغل مع الفئات السنية في بلجيكا منذ سن الحادية والعشرين، واكتسب خبرة مهمة في مجال التكوين، لذلك فإن هذه الخلفية قد تساعده على إدارة المرحلة المقبلة بقدر كبير من النضج.
❖ استمرارية المشروع
بالنسبة لعادل فرس، فإن الحفاظ على دينامية المنتخب المغربي لا يرتبط فقط بشخص المدرب، بل بالمنظومة الكروية ككل، فالنجاحات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة كانت نتيجة عمل جماعي شاركت فيه عدة مؤسسات وأطر داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وأكد أن الهوية الكروية للمنتخب المغربي أصبحت اليوم واضحة المعالم، ولم يعد الفريق بحاجة إلى البحث عن شخصيته كما كان يحدث في السابق، حيث أصبح المنتخب يمتلك أسلوب لعب خاصًا وروحًا قتالية تميزه في المنافسات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يرى فرس أن المدرب الجديد لن يأتي لإحداث قطيعة مع المرحلة السابقة، بل لمواصلة العمل في الاتجاه نفسه، فالمشروع الكروي الذي تشرف عليه الجامعة، بدعم من رئيسها فوزي لقجع، يقوم على الاستمرارية والاستثمار في التكوين.
ولفت إلى أن وجود إدارة تقنية قوية بقيادة فتحي جمال، إضافة إلى شبكة من الكشافين والمدربين واللجان التقنية، يضمن نوعًا من الاستقرار داخل المنظومة الكروية، وبالتالي فإن تغيير المدرب لا يعني تغيير المشروع بأكمله، بل يندرج ضمن عملية تطوير مستمرة.
وأبرز أن الهدف القريب يتمثل في تقديم أداء قوي في مونديال 2026، بينما يبقى الهدف الاستراتيجي الأكبر مرتبطًا باستحقاق كأس العالم 2030 الذي سيحتضنه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لذلك فإن المرحلة الحالية تعتبر جزءًا من مشروع طويل الأمد يهدف إلى تعزيز مكانة كرة القدم المغربية عالميًا.
وعبر عن تفاؤله الكبير بقدرة محمد وهبي على النجاح في مهمته الجديدة، معتبرًا أن المدرب الجديد يمتلك الشغف والمعرفة الكروية اللازمين لتحقيق نتائج إيجابية، مشيرًا إلى أن استمرار العمل وفق الهوية الكروية المغربية سيمنح المنتخب الوطني فرصة كبيرة لمواصلة التألق في السنوات المقبلة، مؤكدًا أن كرة القدم المغربية تسير في الاتجاه الصحيح نحو مستقبل أكثر إشراقًا.

