أبرزت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أن الحكومة شرعت في تنزيل حزمة من الإجراءات لضمان تموين الأسواق الوطنية بمنتجات البحر واستقرار الأسعار خلال شهر رمضان، في ظل الطلب الموسمي المرتفع على الأسماك؛ إذ تشمل هذه التدابير استئناف نشاط أسطول صيد الأسماك السطحية الصغيرة بعد فترة الراحة البيولوجية، ومنع تصدير السردين المجمد والطري، إلى جانب توسيع مبادرة “الحوت بثمن معقول” لتغطي مختلف جهات المملكة، مدعومة ببنية تحتية جديدة للتخزين والتسويق والرقمنة داخل الموانئ والأسواق.
وفي مقابل هذه الخطوات، يترقب المهنيون والمستهلكون معًا مدى قدرة هذه التدابير على تحقيق التوازن الفعلي بين العرض والطلب خلال فترة الذروة، في سوق تخضع لمنطق المنافسة وقواعد حرية الأسعار، كما يبرز التساؤل حول ما إذا كانت آليات المراقبة والحد من المضاربة كافية لتقليص الفوارق السعرية بين الجهات، ومدى انعكاس هذه السياسات على الوضع الاجتماعي للصيادين التقليديين في ظل تقلب كلفة المحروقات واستدامة الموارد البحرية.
❖ الراحة البيولوجية
يرى عادل السندادي، نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن استئناف نشاط أسطول الصيد بعد فترة الراحة البيولوجية، خصوصًا في المنطقة الممتدة بين بوجدور والداخلة، لا ينعكس فعليًا على تموين السوق الداخلي كما يتم الترويج له.
وأوضح السندادي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه المنطقة تشغل أساسًا مراكب الصيد بالجر، والتي تستهدف بالدرجة الأولى الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، الذي يوجه في غالبيته إلى مصانع التعليب والمعالجة الصناعية.
الراحة البيولوجية بالصيد البحري.. هل توازن الدولة بين حماية المخزون وحقوق البحارة؟
وأضاف أن الحديث عن تعزيز العرض المحلي عبر هذه المنطقة يتجاهل طبيعة السلسلة الإنتاجية المرتبطة بها، حيث يتم تصنيف أغلب الكميات المفرغة ضمن ما يسمى “السمك الصناعي”، أي المخصص للتصنيع وليس للاستهلاك الطازج في الأسواق.
وأبرز الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن أي زيادة في الكميات المصطادة هناك، تصب أساسًا في صالح القطاع الصناعي وليس في مصلحة المستهلك النهائي.
ارتفاع أسعار السمك في الأسواق الوطنية.. كيف يفسر المهنيون الغلاء ومن يتحمل المسؤولية؟
وأشار إلى أن هذا الوضع يتكرر حتى عند تشغيل باقي المناطق الجنوبية، حيث يظل جزء كبير من السردين موجهًا للمعامل، بينما تصل كميات محدودة فقط إلى أسواق الجملة الوطنية، وغالبًا عبر مسارات غير واضحة المعالم.
ولفت المتحدث ذاته، إلى أن هذا الأمر يفتح الباب أمام التساؤل حول شفافية التوزيع وآليات انتقال السمك من الميناء إلى سوق الجملة؛ وصولاً إلى متاجر التقسيط.
❖ توزيع غير متوازن
يؤكد السندادي أن أحد أبرز اختلالات السوق يتمثل في التفاوت الصارخ بين الموانئ الجنوبية والشمالية فيما يخص توجيه السردين إلى الاستهلاك الداخلي.
واستطرد أنه في الجنوب، حيث تكون أثمنة السمك الصناعي أقل نسبيًا، يجب أن تخصص نسبة معتبرة من السردين للسوق المحلي، مقترحًا أن تتراوح هذه الحصة بين 10 و15 % على الأقل.
واعتبر أن هذا التوجيه من شأنه أن يخلق نوعًا من التوازن الجهوي في العرض، ويحد من الفوارق السعرية التي يعاني منها المستهلكون في المدن الداخلية والشمالية.
وهذه الأخيرة بحسبه، تخضع بشكل أكبر لمنطق العرض والطلب والمزايدة داخل أسواق الجملة، حيث قد يصل ثمن الصندوق الواحد من السردين إلى مستويات مرتفعة تتراوح بين 500 و700 درهم في بعض الفترات؛ تبعًا للوفرة والمنافسة بين التجار.
وشدد على أن هذه القفزات السعرية لا تعكس دائمًا كلفة الإنتاج أو النقل، بقدر ما تعكس اختلالات في منظومة التوزيع وتعدد الوسطاء، ما يؤدي إلى تضخيم السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك مقارنة بالسعر الذي يحصل عليه الصياد أو المركب عند التفريغ الأولي.
❖ منع التصدير
فيما يتعلق بقرار منع تصدير السردين المجمد والطري، يذهب السندادي إلى أن هذا الإجراء لا يحقق الأثر المعلن عنه فيما يخص تموين السوق المحلي.
ويرى أن السردين الذي يخضع للتصدير لا يمثل في الأصل الحصة الأكبر من الكميات الموجهة للاستهلاك الداخلي، بل يرتبط أساسًا بسلاسل صناعية وتجارية محددة.
واعتبر أن المستفيد الحقيقي من هذا القرار في حال استمر، قد يكون لوبي مصانع التعليب، التي ستجد نفسها أمام وفرة أكبر من المادة الأولية بأسعار قد تكون أقل، ما يعزز موقعها التفاوضي داخل السوق.
شهر رمضان على الأبواب.. هل تنجح مبادرة “الحوت بثمن معقول” في توفير السردين للمغاربة بأسعار مناسبة؟
وفي المقابل، لا يرتقب السندادي أن يشعر المستهلك بفارق ملموس في الأسعار، طالما أن آليات البيع داخل الأسواق الوطنية لا تخضع لضوابط واضحة تحد من هوامش الربح والمضاربة.
وأضاف أن التركيز على التصدير قد يحجب الأنظار عن الإشكال البنيوي الأعمق، والمتعلق بكيفية انتقال السمك داخل السوق الداخلية، وكيفية تحديد الأسعار في حلقات البيع بالجملة والتقسيط، وهي نقاط يرى أنها تستحق تدخلاً تنظيميًا مباشرًا من طرف الوزارة الوصية.
❖ مبادرة حكومية
ينتقد السندادي مبادرة “الحوت بثمن معقول”، معتبرًا أنها لا تتجاوز في نظره، مستوى الشعار أو الإجراء الظرفي لتبرير عجز الدولة عن فرض رقابة حقيقية على الأسعار.
وأوضح أن الأسماك التي يتم توزيعها في إطار هذه المبادرة تكون في الغالب مجمدة وليست طازجة، وهو ما يجعلها أقل قبولاً في بعض الأسواق الخارجية، وبالتالي يتم توجيهها للسوق الداخلية.
وأكد أن جودة هذه الأسماك ليست بالضرورة سيئة، لكنها تكون صغيرة الحجم أو غير مطابقة لمعايير التصدير، ما يجعلها مادة مناسبة لهذه المبادرة.
ولفت إلى أن تقديمها على أنها حل شامل لأزمة الأسعار يظل تضخيمًا إعلاميًا لا يعكس واقع السوق اليومي الذي يواجهه المواطن عند التوجه إلى الأسواق الشعبية ومحلات التقسيط.
وأضاف أن المبادرة بصيغتها الحالية، لا تمس جوهر المشكلة المتمثل في غياب تقنين صارم لمسار التسويق؛ بدءًا من البيع الأولي في الموانئ وصولاً إلى المستهلك، مرورًا بأسواق الجملة والوسطاء.
❖ هوامش الربح
يشدد السندادي على أن الحل الجذري في تقديره، يكمن في تقنين عملية البيع ووضع إطار قانوني واضح يحدد هوامش الربح داخل مختلف حلقات السلسلة التجارية.
واعتبر أن ترك الأسعار لمنطق السوق وحده، في قطاع حيوي وحساس كقطاع الصيد البحري، يؤدي إلى اختلالات اجتماعية واقتصادية تمس بالقدرة الشرائية للمواطنين.
اتفاق الصيد الجديد مع الاتحاد الأوروبي.. شراكة متوازنة أم استنزاف للثروة البحرية؟
وأعطى مثالاً على ذلك بما يسميه “الحوت الحر”، مثل الكلمار والسيبيا والكوربين والدوراد، حيث تكون الأثمنة عند البيع الأولي في الموانئ أو لدى المركب أقل بكثير من تلك التي تصل بها هذه الأنواع إلى أسواق الجملة ثم إلى المستهلك النهائي.
ويرى نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، أن الفارق السعري الكبير بين المرحلتين يعكس تضخمًا في هوامش الربح وليس بالضرورة ارتفاعاً في التكاليف الفعلية.
وطالب في هذا السياق بتدخل الوزارة لوضع قانون صريح يحدد سقفًا لهوامش الربح، ويعزز آليات المراقبة داخل الأسواق، بما يضمن شفافية المعاملات وعدالة توزيع القيمة بين الصيادين والتجار والمستهلكين.
❖ المستقبل والحلول
يبرز عادل السندادي أن أزمة أسعار السمك في المغرب لا يمكن حلها عبر قرارات ظرفية أو مبادرات موسمية، مهما كان وقعها الإعلامي.
وأوضح أن المشكل بنيوي ويتعلق بغياب رؤية تنظيمية شاملة لسلسلة التسويق، وبضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين في القطاع، من صيد وتصنيع وتوزيع ومراقبة.
وأردف أن أي سياسة ناجعة يجب أن تنطلق من إعادة التوازن بين الموانئ الجنوبية والشمالية فيما يخص توجيه الكميات للسوق الداخلي، وتفعيل رقابة صارمة على أسواق الجملة، ووضع إطار قانوني يضبط هوامش الربح ويحد من المضاربة.
ودعا نائب الكاتب الوطني للرابطة الوطنية للصيد البحري، إلى إشراك المهنيين بشكل أوسع في صياغة هذه السياسات، باعتبارهم الأكثر احتكاكًا بالواقع الميداني والأقدر على تشخيص مكامن الخلل.
وبينما تستعد الأسواق لفترة الذروة خلال شهر رمضان، يظل السؤال مفتوحًا بحسب السندادي، حول ما إذا كانت الإجراءات الحالية قادرة فعلاً على إحداث تحول ملموس في واقع الأسعار، أم أنها ستظل مجرد حلول مؤقتة في مواجهة إشكال هيكلي أعمق يحتاج إلى إصلاحات جذرية ومستدامة.

