تواصل أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب استقرارها عند مستويات مرتفعة، رغم المعطيات الرسمية التي تؤكد وفرة القطيع الوطني بأكثر من 32 مليون رأس، وذلك في سياق يتسم بتباين واضح بين اللحوم المحلية ونظيرتها المستوردة؛ خاصة القادمة من أسواق أمريكا اللاتينية، حيث يتزامن الأمر مع اقتراب شهر رمضان الفضيل، الذي يشهد عادة ارتفاعًا في وتيرة الاستهلاك والطلب، ما يضع القدرة الشرائية للأسر المغربية أمام اختبار جديد في ظل استمرار الفوارق السعرية وتراجع هامش الانخفاض المحتمل للأسعار في الأسواق الوطنية.
وفي مقابل هذا الواقع، تبرز سياسات الاستيراد المحدودة، وإيقاف الإعفاءات الجمركية، واستمرار العمل بنظام “الكوطا” كعوامل مؤثرة في إعادة تشكيل ملامح السوق الوطنية، وسط ترقب مهنيين ومستهلكين على حدٍ سواء لمسار الأثمان خلال الأسابيع المقبلة؛ ما يثير التساؤل حول إن كانت ستعكس وفرة القطيع المعلنة قدرة فعلية على ضبط الأسعار، أم أن الإكراهات اللوجستية وهيكلة سلسلة التوزيع تفرض منطقًا مختلفًا.
❖ بنية القطيع
يشير هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، إلى أنه لا يمكن التعامل مع أرقام وفرة الماشية ككتلة واحدة، لأن الواقع يكشف وجود نوعين مختلفين من القطيع؛ الغنم من جهة، والأبقار أو ما يعرف مهنيًا بـ“البكري” من جانب آخر.
وأكد الجوابري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المعطيات الرسمية نفسها تقر بوجود خصاص في قطيع الأبقار يناهز حوالي 30 %، في مقابل وفرة ملحوظة في أعداد الأغنام التي تتجاوز 23 مليون رأس، من بينها نسبة كبيرة من الإناث.
بين رهانات الأمن الغذائي وتحديات الاستدامة.. هل يكفي الإحصاء ودعم الدولة لإنقاذ القطيع الوطني؟
وهذا التفاوت البنيوي بحسب الجوابري، هو الذي يفسر جزئيًا أسباب عدم انعكاس وفرة الغنم إيجابًا على السوق بالشكل المتوقع، مبرزًا أن السوق الوطنية لا تعتمد فقط على لحوم الأغنام، بل إن لحوم الأبقار تشكل مكونًا أساسيًا في الاستهلاك اليومي للأسر والمطاعم والمهنيين.
وأردف الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أنه عندما يكون هذا الصنف تحديدًا في وضعية خصاص (البقر)، فإن الضغط السعري يبقى قائمًا حتى لو توفرت كميات كبيرة من صنف آخر.
واستطرد أن القطيع الغنمي رغم وفرته العددية، لا يتحول بالضرورة إلى عرض فوري في الأسواق، لأن جزءًا كبيرًا منه يبقى خارج دائرة الذبح والتسويق لأسباب مرتبطة بسلوك الكسابين وتوقعاتهم الموسمية، وهو ما يعمق الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع المعاش داخل المجازر وأسواق الجملة.
❖ منطق الأسعار
على مستوى الأثمان، يقدم الجوابري صورة دقيقة عن وضعية سوق الجملة، مؤكدًا أن الأسعار تشهد استقرارًا نسبيًا في الأسابيع الأخيرة، دون تسجيل انخفاضات أو ارتفاعات ملحوظة.
وتابع أنه بالنسبة للحوم الغنم، تتراوح الأثمنة في أسواق الجملة ما بين 110 و115 درهمًا للكيلوغرام الواحد، وهي مستويات يعتبرها مرتفعة نسبيًا عندما تنتقل إلى مرحلة البيع بالتقسيط للمستهلك النهائي.
وأضاف أن لحوم الأبقار تخضع لتفاوت واضح حسب المصدر والنوعية، مشيرًا إلى أن الأسعار تبدأ من حوالي 70 درهمًا للكيلوغرام بالنسبة لبعض الأصناف المستوردة، وقد تصل إلى حدود 92 درهمًا بالنسبة للأصناف المحلية أو المستوردة من دول أخرى كالأوروغواي، مع بقاء هامش محدود للحوم الإسبانية التي ما تزال حاضرة بشكل جزئي في السوق.
رغم إلغاء شعيرة الأضحية والإعفاءات الجمركية والضريبية.. لماذا تواصل أسعار اللحوم الحمراء الارتفاع؟
وأوضح أن هذا الاستقرار، ليس مؤشرًا على توازن صحي للسوق بقدر ما هو نتيجة مباشرة لاستمرار تدفق الاستيراد ضمن حدود معينة.
ولفت إلى أن هذه الأثمنة تستقر بفضل الاستيراد، وليس لأن الكلفة الداخلية انخفضت، رافضًا الرهان على الاستيراد كآلية لخفض الأسعار بشكل جذري، معتبرًا أن أقصى ما يمكن أن يحققه هو منع انفلاتها إلى مستويات أعلى.
وشدد على أن المستهلكين أصبحوا مع مرور الوقت أكثر تقبلاً للحوم المستوردة؛ خاصة بعد تجربة السنة الماضية التي أظهرت حساسية أقل تجاه هذه الأصناف، ما جعلها عنصرًا دائمًا داخل العرض الوطني، وليس مجرد حل ظرفي.
❖ كلفة الاستيراد
في حديثه عن الاستيراد، يسلط الجوابري الضوء على جانب غالبًا ما يغيب عن النقاش العمومي، وهو الكلفة الحقيقية لجلب اللحوم أو المواشي من الخارج، مبرزًا أن الأمر لا يتعلق فقط بثمن الكيلوغرام في بلد المنشأ، بل بسلسلة طويلة من التكاليف اللوجستية والتجارية.
وضرب مثالاً بالاستيراد من البرازيل، حيث تستغرق البواخر ما بين 14 و15 يومًا للوصول إلى الموانئ المغربية، وهي فترة تترتب عنها مصاريف كبيرة مرتبطة بالنقل والتخزين والتأمين والتجهيزات الصحية والبيطرية.
وإلى جانب ذلك، يشير إلى أن الأسواق العالمية نفسها تشهد موجة غلاء في قطاع اللحوم، ما ينعكس تلقائيًا على الأسعار النهائية في السوق الوطنية.
ومن هذا المنطلق، يرى الجوابري أن التعويل على الاستيراد لخفض الأسعار هو رهان غير واقعي، لأن الكلفة البنيوية للعملية تجعل من المستحيل تقريبًا الوصول إلى مستويات سعرية أقل بكثير مما هو معمول به حاليًا.
ولفت الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، إلى أن الاستيراد في أحسن الأحوال، يضبط الإيقاع ويمنع الارتفاع الحاد، لكنه لا يصنع انخفاضًا مستدامًا.
❖ رهانات المواسم
مع اقتراب شهر رمضان ثم عيد الأضحى، يزداد تعقيد المشهد في نظر الجوابري، لأن سلوك المنتجين، وخاصة الكسابين، يتأثر بشكل مباشر بهذه المحطات.
وأكد أن التساقطات المطرية الأخيرة لعبت دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة ساهمت في تحسين وضعية المراعي وتوفير الكلأ بشكل شبه مجاني، ما شجع الكسابين على الاحتفاظ بقطعانهم وعدم طرحها في السوق.
وأردف الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أنه من جانب ثاني؛ عززت الأمل في موسم فلاحي جيد، ما زاد من منسوب الترقب والطموح لدى المنتجين.
وأضاف أن اقتراب عيد الأضحى يدفع عددًا كبيرًا من الفلاحين والكسابة إلى الاحتفاظ بالأغنام الموجهة لهذه المناسبة، باعتبارها تشكل فرصة لتحقيق مداخيل أفضل مقارنة بالبيع في فترات أخرى من السنة.
وأوضح أن هذا السلوك، وإن كان مفهومًا من زاوية المنتج، يحد من العرض في السوق خلال مرحلة تزداد فيها وتيرة الطلب؛ خاصة في رمضان، ما يساهم في الحفاظ على الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وأشار إلى أن وضعية الأبقار تختلف جذريًا؛ إذ لا تخضع للمنطق الموسمي نفسه، بل تعاني من خصاص بنيوي يجعل العرض محدودًا بشكل دائم، بغض النظر عن الظرفية المناخية أو الدينية.
❖ دور الدولة
على مستوى السياسات العمومية، يتوقف الجوابري عند نظام “الكوطا” الذي اعتمدته الدولة لاستيراد الأبقار، والذي يحدد سقفًا في حدود 300 ألف رأس.
ويرى الكاتب الجهوي لتجار اللحوم بالجملة والمجازر الحضرية بالدار البيضاء، أن هذا الإجراء يساهم في تحقيق قدر من الاستقرار في السوق، لكنه يظل غير كافٍ لمعالجة الإشكال من جذوره.
وعبَّر عن أمله في أن تكون هذه “الكوطا” كافية لتغطية حاجيات السنة الجارية، محذرًا من أن أي عجز في هذا الإطار قد يؤدي إلى موجة جديدة من الارتفاع في الأسعار.
وفي الوقت ذاته، يراهن على أن يتم في السنوات المقبلة توسيع هذه الحصص أو تعزيز برامج استيراد الأبقار الولود، بهدف تقوية القطيع المحلي وإعادة بناء قدرته الإنتاجية على المدى المتوسط.
وبالنسبة له، لا يكمن الخلل الأساسي في ضعف فعالية الإجراءات الظرفية، بل في واقع أن القطيع المحلي من الأبقار “لم يعد كافيًا” لتلبية الطلب الوطني.
وأكد على أن هذا الوضع، لا يمكن تجاوزه في سنة أو سنتين، لأنه يتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات متواصلة في التربية والتغذية والتناسل الخاص بالأبقار.
❖ أفق الاستدامة
يرسم الجوابري أفقًا بعيد المدى لمعالجة معضلة أسعار اللحوم، يقوم على رهان أساسي هو استدامة القطيع الوطني؛ خاصة في شقه المتعلق بالأبقار.
ويرى أن الحل يكمن في الجمع بين تحسن الظروف المناخية، واستمرار الاستيراد الموجه للأبقار الولود، بما يسمح بتكثير القطيع محليًا وبناء قاعدة إنتاجية قوية.
وأشار إلى أن التحسن المرتقب في هذا الجانب؛ مشروط في أن تعرف البلاد سنتين أو ثلاثًا من التساقطات المطرية المتتالية، ما من شأنه أن يعيد “العافية” للقطيع، ويخفف من الاعتماد على الخارج.
واستطرد أنه حينها فقط؛ يمكن الحديث عن اكتفاء نسبي بالمحلي، وعن إمكانية حقيقية لضبط الأسعار بشكل يخدم مصلحة المستهلك والمهني في آن واحد.

