كشفت نتائج تحليل وضعية الأطفال في المغرب لسنة 2024، الذي تم تقديمه في 10 من أبريل الجاري، بالرباط، ضمن شراكة بين الاتحاد الأوروبي، وبرنامج التعاون من أجل التنمية PCDE، عن واقع مركب يطبع حياة ملايين الأطفال المغاربة.
ويستند هذا التقرير إلى مقاربة تشاركية ضمت مقابلات نوعية مع المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، بالإضافة إلى ورشات فنية موجهة للأطفال واستبيانات ميدانية.
ويسلط التقرير الضوء على غياب بيانات حديثة ومفصلة حسب المناطق، إضافة إلى نقص في آليات التتبع والتقييم المتعلقة بالحماية، وندرة الدراسات الدورية حول العنف ضد الأطفال، فضلاً عن غياب المعطيات بشأن الأطفال في وضعيات هشّة، كالأطفال المهاجرين واللاجئين أو الأطفال في وضعية شارع.
♦مؤشرات ديمغرافية مقلقة وتراجع في البنية الأسرية
يقول التقرير أنه رغم انخفاض نسبة الأطفال بالمغرب، يظل حضورهم قوياً في الوسط القروي مقارنة بالمدن (29.5% مقابل 24.8% سنة 2024).
وتبرز المعطيات تقلصًا في الحجم المتوسط للأسر المغربية، الذي انتقل من 5.2 أفراد سنة 2004 إلى 3.9 سنة 2024. ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين المناطق الريفية والحضرية واسعة، خاصة فيما يتعلق بالولوج إلى الخدمات الأساسية.
ورغم التطورات المسجلة في مجالات التعليم والصحة، يظهر التقرير، أن خمسة أقاليم فقط تتمتع بمستويات معيشية تفوق المعدل الوطني، وهي: الداخلة واد الذهب، الدار البيضاء سطات، الرباط سلا القنيطرة، العيون الساقية الحمراء، وطنجة تطوان الحسيمة.
وقد زادت حدة التفاوتات الاجتماعية، وفق المصدر ذاته، منذ سنة 2019 بفعل جائحة كوفيد-19 والتضخم، ليتضاعف معدل الاستهلاك السنوي بين أغنى 20% من السكان (49.634 درهم) وأفقر 20% (6.943 درهم) بفارق بلغ 7.1 مرات سنة 2022، بعدما كان 6.2 مرات في 2019.
♦فقر متعدد الأبعاد وتأنيث للهشاشة
يتناول التقرير الفقر من زاوية متعددة الأبعاد، تشمل إلى جانب الدخل، معايير التعليم والولوج إلى البنيات التحتية.
كما يبرز التقرير واقعًا مقلقًا يتمثل في تركيز عبء الرعاية على الأمهات، حيث تخصص النساء 79% من وقتهن للمهام المنزلية مقابل 12% للرجال.
ويبلغ الدخل السنوي للنساء 2.968 دولارًا حسب تعادل القدرة الشرائية، مقابل 12.876 دولارًا للرجال. أما في سوق الشغل، فـ33.2% فقط من النساء الحاصلات على شهادات يشاركن في النشاط الاقتصادي، مقابل 92.2% للرجال. وتصل نسبة النساء ضحايا العنف (بأنواعه) إلى 56.5%.
وفي دراسة ميدانية بمدينة الدار البيضاء، عبّر 63.2% من التلاميذ عن قناعتهم بأن المرأة يجب أن تكرّس حياتها لزوجها وأطفالها، و48.1% اعتبروا أن المرأة خُلقت لأعمال المنزل فقط.
♦فجوات قانونية وتفاوت بين النصوص والممارسة
رغم التزام المغرب باتفاقية حقوق الطفل منذ 1993، إلا أن التقرير أشار إلى ثغرات قانونية بارزة، من بينها عدم المصادقة على بروتوكول الشكاوى الفردية ولا على ميثاق الاتحاد الإفريقي لحقوق الطفل.
كما أن القوانين المغربية، وفق التقرير، رغم استلهامها لمبادئ عدم التمييز والمصلحة الفضلى للطفل، تفتقر إلى الإجراءات التطبيقية لتحديد وتقييم هذه المبادئ.
كما تنتقد الوثيقة استخدام مصطلحات مهينة مثل “أطفال غير شرعيين” و”معتوهين”، مما يُكرّس التمييز القانوني ضد الأطفال في وضعيات خاصة، كأبناء الأمهات العازبات أو الأطفال في كفالة. ويعتبر التقرير الاعتراف بالأبوة عبر الحمض النووي إحدى المطالب الجوهرية للمجتمع المدني، الذي يدعو أيضًا إلى منع الزواج المبكر بدون استثناء.
♦واقع تربوي متباين ونظام تعليم بسرعتين
سجّل التقرير ارتفاعًا في نسب التمدرس، لا سيما في التعليم الأولي، غير أن التعليم الإعدادي لا يزال يمثل نقطة انقطاع حرجة، خاصة في القرى، إذ حوالي 250.000 طفل يغادرون المدرسة سنويًا، في وقت تظل فيه جودة التعليم ضعيفة، كما أبرز ذلك تقييم PISA لسنة 2022، حيث عبّر 29% من التلاميذ المغاربة عن شعورهم بعدم الأمان داخل المدرسة، مقارنة بـ10% فقط في بلدان منظمة التعاون والتنمية.
وتصل نسبة ضحايا العنف الجسدي من طرف المدرسين إلى 19% في التعليم الثانوي الإعدادي، و12% في الابتدائي.
كما تكشف الإحصاءات أن التلاميذ الذين تعرضوا للعنف سجلوا معدلات أقل تصل إلى 27 نقطة في بعض المواد.
أما التعليم الدامج للأطفال في وضعية إعاقة، فما زال يشهد عوائق هيكلية، رغم الارتفاع في عدد التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة من 5.905 سنة 2018 إلى 42.125 سنة 2024، إذ يبقى الولوج إلى الأقسام الدامجة والخدمات التربوية المناسبة محدودًا في الوسط القروي.
♦واقع تشريعي هش أمام انتهاكات الحماية
سجل التقرير فراغًا قانونيًا في تجريم بعض الانتهاكات، كالعنف الإلكتروني والاغتصاب الموجه للذكور، مع تخفيف العقوبات أو عدم تطبيقها في بعض الحالات.
وتمت وفق التقرير متابعة 29.000 طفل في حالات نزاع مع القانون، من بينهم 3.000 أودعوا السجن، بينما سُجلت أكثر من 12.000 حالة عنف ضد الأطفال خلال الفترة بين 2020 و2022، بينها 2.492 حالة “إهمال عائلي”.
كما كشف التقرير عن تسجيل أكثر من 524.000 حالة زواج أطفال منذ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ سنة 2004، 99% منها تخص الفتيات. في المقابل، يشتغل حوالي 110.000 طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة، 63.3% منهم في أعمال خطيرة، خاصة في البناء والفلاحة.
♦أطفال بلا هوية
سُجل سنة 2022، حسب التقرير، ما مجموعه 9.788 طفلًا داخل مؤسسات الحماية الاجتماعية، 60% منهم ذكور.
وتُظهر الأرقام أن 1.574 بالغًا يعيشون داخل هذه المؤسسات الموجهة أصلًا للأطفال، وهو ما يُبرز إشكالية تداخل الفئات، وتفاوتت كلفة الرعاية لكل طفل ما بين 2.188 درهم و107.143 درهم سنويًا حسب المؤسسة.
كما رصد التقرير وجود 21.468 طفلًا مهاجرًا بالمغرب، غالبيتهم من إفريقيا.
وأبرزت بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن 29 طفلًا غير مصحوب تمت إعادتهم طواعية لبلدانهم الأصلية سنة 2023.
♦فوضى في تدبير الحماية المؤسسية
أشار التقرير إلى غياب قيادة واضحة لنظام حماية الطفولة، حيث تتداخل مسؤوليات وزارات ومؤسسات متعددة، دون تحديد واضح للجهة المسؤولة عن الطفل في حالات الطوارئ أو الإهمال أو التشرد.
وأكدت شهادات لجمعيات ميدانية أن “كل طرف يعتبر نفسه مسؤولًا”، مما يخلق حالة من الفوضى المؤسسية.
♦ميزانية غير كافية ونماذج أسرية لا تعكس الواقع
يكشف التقرير أن الميزانية العمومية المخصصة لحقوق الطفل تقدر بمستويات متواضعة وغير موحدة، وتُبنى البرامج الاجتماعية على تصور نمطي للأسر، يرتكز على الأب كمستفيد رئيسي، وهو ما يُقصي الأسر الأحادية أو المعيلة من طرف الأمهات. ويمثل ذلك إحدى أسباب فقدان الثقة المجتمعية في البرامج الاجتماعية.
♦توصيات واضحة ومباشرة للبرلمان والمؤسسات
دعا التقرير البرلمان المغربي إلى اعتماد “مدونة للطفل” تكرس الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، وتضمن آليات التتبع، وتجريم كافة أشكال العنف، بما في ذلك العنف الرقمي والعنف الجنسي ضد الذكور.
كما أوصى التقرير باعتماد اختبارات الحمض النووي كوسيلة قانونية لإثبات الأبوة، ومنع زواج القاصرات دون استثناء.
وطالب التقرير بضرورة تعزيز المشاركة الفعلية للأطفال في السياسات العمومية، وتأسيس مجالس استشارية من الأطفال على الصعيدين الوطني والمحلي. منبها إلى أهمية تطوير آليات بديلة للرعاية، كالأسر الحاضنة، بدلاً من الإيواء المؤسسي طويل الأمد.
ودعا التقرير إلى تعميم التربية الدامجة، وتحسين التكوين البيداغوجي للمدرسين، واعتماد إجراءات حازمة لمكافحة الهدر المدرسي والعنف القائم على النوع، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين المتدخلين في قطاع الحماية، وتوفير بيانات دقيقة ومحينة لتتبع مؤشرات الطفولة.
♦أزمة حماية أكثر من أزمة تشريع
وفي الأخير، خلص التقرير أن الوضعية الراهنة للأطفال في المغرب لا تتطلب فقط تعديلات قانونية، بل إعادة نظر شاملة في كيفية تصور الطفولة ضمن السياسات العمومية، وتحويل المقاربة من “الرعاية” إلى “التمكين”، بما يعكس كون الطفل فاعلًا كامل الحقوق، وليس مجرد تابع لسلطة الأسرة أو الدولة.

