استعرض المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) في ورقة تحليلية محيّنة حصيلة تدبير فيضانات حوض اللوكوس والقصر الكبير، مسجلا نجاحا عملياتيا في حماية الأرواح، مقابل رصد اختلالات بنيوية في منظومة حكامة الماء، والوقاية، والتعمير، والشفافية.
ووثق التقرير أن الفيضانات التي شهدها شمال-غرب المغرب أواخر يناير وبداية فبراير 2026 استدعت تنفيذ عمليات إجلاء استباقي واسعة شملت ما يزيد عن 154 ألف شخص على مستوى الأقاليم المتضررة، ما مكن من تفادي خسائر بشرية داخل محيط الإجلاء، لكنه كشف في الوقت نفسه عن محدودية الجاهزية البنيوية في شبكات التصريف ومنشآت الحماية.
وسجل المركز أن قرار الإجلاء الاستباقي عكس تحوّلا في مقاربة تدبير المخاطر من منطق رد الفعل إلى منطق تقليل الخسائر قبل وقوعها، مدعوما بتنسيق ميداني بين السلطات المحلية، والوقاية المدنية، والقوات المسلحة الملكية، ومختلف الأجهزة، إضافة إلى تضامن مجتمعي ساهم في امتصاص الصدمة الاجتماعية.
ورصد التقرير، في المقابل، ضعف الاستثمار في الوقاية البنيوية، واستمرار البناء في مناطق مصنفة عالية الخطورة، وغياب تواصل استباقي مبسّط حول القرارات التقنية الحساسة مثل إطلاقات السدود، ما ساهم في خلق ارتباك معلوماتي وتغذية الإشاعات.
وأبرز التحليل أن الشفافية المعلوماتية، من خلال المنصات الرسمية وتحيين المعطيات بشكل يومي، شكّلت عاملا حاسما في دعم القرار وطمأنة الرأي العام، لكنه شدد على ضرورة تطوير منظومة وطنية للبيانات المائية المفتوحة تتيح الولوج إلى المعلومة في الزمن الحقيقي.
واقترح المركز خمس توصيات مفصلية للانتقال إلى الاستباق المؤسسي، شملت إحداث هيئة وطنية للماء بصلاحيات واسعة، وإطلاق صندوق وطني للأمن المائي لتمويل البنية التحتية الوقائية، وفرض إلزامية خرائط المخاطر في وثائق التعمير، وبناء منصة وطنية للشفافية المائية، وتصميم بروتوكولات دعم اقتصادي تلقائية لحماية سبل العيش بالعالم القروي.
وأكد التقرير أن نجاح تدبير الأزمات المستقبلية لن يقاس بعدد عمليات الإجلاء، بل بمدى تقليص الحاجة إليها عبر إصلاح عميق لمنظومات الحكامة والتمويل والتخطيط الحضري، بما رسخ انتقال الدولة من منطق “الإنقاذ بعد الكارثة” إلى منطق “الحماية قبل وقوعها”.

