تشهد العلاقات المغربية-الأمريكية دينامية متصاعدة تعكس انتقالها إلى مستوى أكثر تقدمًا من التنسيق الاستراتيجي، بالتزامن مع اقتراب السفير الأمريكي الجديد، ديوك بوكان، من مباشرة مهامه الرسمية بالرباط عقب أدائه مراسيم القسم، في خطوة تؤشر على حرص واشنطن على تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي بالمملكة، وجاء هذا التطور في سياق شراكة تاريخية ممتدة لأكثر من 250 عامًا، تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية، وتتجسد في تكثيف التعاون الثنائي وتثبيت موقع المغرب كشريك محوري للولايات المتحدة بشمال إفريقيا.
ويتزامن هذا المسار الدبلوماسي مع إخطار البنتاغون (وزارة الدفاع) للكونغرس الأمريكي بصفقة تسلح ضخمة لفائدة المغرب، تشمل صواريخ “ستينغر” بقيمة 825 مليون دولار، بما يفتح أفقًا واسعًا لقراءة أبعاد هذا التقارب المتسارع، ومعرفة إن كان يعكس هذا التلازم انتقال العلاقات إلى مستوى أعلى من الثقة الاستراتيجية، ومدى ارتباطه بتغيرات أعمق في مقاربة واشنطن للأمن الإقليمي، وعن إمكانية اندراج هذا التعاون في إطار إعادة ترتيب موازين القوة وتعزيز أدوار الحلفاء خارج حلف “الناتو” في محيط جيوسياسي شديد التحول.
❖ رسائل التزامن
يرى هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية، والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن التزامن بين تعيين سفير أمريكي جديد بالرباط وتمرير صفقة تسلح نوعية لفائدة المغرب لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة إدارية أو إجراء بروتوكولي معزول، بل يعكس رسالة سياسية مدروسة بعناية من طرف واشنطن.
وأوضح معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن العلاقة مع المغرب وفق هذا المنظور، لم تعد تدار بمنطق التسيير الروتيني أو الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون، وإنما ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تمزج بين البعدين الدبلوماسي والأمني في آن واحد.
وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن وجود سفير جديد في لحظة توسيع التعاون العسكري يشكل ضمانة سياسية لتأطير هذا التحول، وتأمين قناة دبلوماسية رفيعة المستوى قادرة على مواكبة دينامية التعاون الدفاعي المتسارع.
وأردف أن واشنطن من خلال هذه الخطوة، تسعى إلى تحقيق انسجام كامل بين رسائل وزارة الخارجية والبنتاغون، بما يعكس مستوى متقدما من الثقة المؤسسية في الشريك المغربي، ويحد من أي تباين محتمل في المقاربات أو الأولويات.
ومن زاوية جيوسياسية أعمق، يشدد معتضد على أن صفقة صواريخ “ستينغر” لا تقرأ فقط كعملية بيع سلاح تقليدية، بل كاستثمار أمريكي طويل المدى في قدرة المغرب على الاضطلاع بدور “الموازن الإقليمي” في فضاء يتسم بتزايد الهشاشة وعدم الاستقرار.
ولفت إلى أن هذه المنظومات الدفاعية المحمولة تعزز قدرات الدفاع الجوي القصير المدى، وتكتسي أهمية خاصة في ظل تصاعد تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ غير المتماثلة، التي باتت تشكل أحد أبرز ملامح الحروب الحديثة في الإقليم.
❖ موقع الحليف
يبرز هشام معتضد أن تصنيف المغرب كحليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمنحه وضعًا خاصًا داخل المنظومة الأمنية الأمريكية؛ يجعله أقرب إلى “شريك وظيفي” منه إلى مجرد حليف تقليدي.
وأشار إلى أن هذا التصنيف يفتح أمام الرباط أبوابًا واسعة للولوج إلى منظومات تسليح متقدمة، وبرامج تدريب نوعية، وآليات تبادل استخباراتي عالية الحساسية، ما يعزز قابلية القوات المسلحة الملكية للعمل وفق المعايير العملياتية الغربية.
المناورات البحرية المغربية ـ الأمريكية.. هل تعزز أمن الموانئ أم تعكس تنافسًا إقليميًا متصاعدًا؟
وعلى المستوى الإقليمي، يُنظر إلى المغرب بحسب الخبير في العلاقات الدولية، باعتباره نقطة ارتكاز مستقرة داخل فضاء يعاني من هشاشة بنيوية متفاقمة؛ خاصة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
واستطرد أن الولايات المتحدة لا تراهن على الرباط كقوة تدخل عسكري مباشر، بل كفاعل قادر على لعب أدوار مركبة تشمل الدعم اللوجستي، والتنسيق الاستخباراتي، وتكوين الشركاء الأفارقة، والمساهمة في ضبط التهديدات العابرة للحدود.
وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، على أن هذا الموقع المتقدم يمنح المغرب هامشًا دبلوماسيًا أوسع، يسمح له بالاستفادة من المظلة الأمريكية دون الانخراط في منطق الاصطفاف الصلب.
وأبرز أن المملكة المغربية بحكم هذا التصنيف؛ قادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية أخرى، مع الاحتفاظ بثقة واشنطن، وهو ما يشكل مكسبًا نادرًا في نظام دولي يتجه بشكل متسارع نحو الاستقطاب الحاد وإعادة تشكيل التحالفات.
❖ الأثر الإقليمي
يشير معتضد إلى أن التزامن بين الدبلوماسية والتسلح يحمل أيضًا بُعدًا ردعيًا غير مباشر، موجهًا لمحيط إقليمي يعرف اختلالات واضحة في التوازن العسكري، مبرزًا أن الرسالة الأمريكية، وإن كانت غير تصعيدية في ظاهرها، تبقى واضحة في مضمونها، المتمثل في أن أمن المغرب جزء لا يتجزأ من معادلة الاستقرار التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في شمال إفريقيا، دون الانخراط المباشر في منطق عسكرة المنطقة.
وأضاف الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا النهج يعكس تحولاً في المقاربة الأمريكية، يقوم على تمكين الحلفاء القادرين على ضبط محيطهم الذاتي، بدل التدخل العسكري المباشر المكلف سياسيا وبشريا.
بين الصيني والأمريكي-الأوروبي.. أي ممر اقتصادي يخدم المغرب في سباق الربط مع إفريقيا؟
وأضاف أنه في هذا السياق، يُنظر إلى المغرب كشريك يمتلك الشرعية الإقليمية، والاستقرار المؤسساتي والقدرة العملياتية، ما يجعله مؤهلاً للاضطلاع بأدوار أمنية متقدمة دون إثارة حساسيات إقليمية حادة.
واعتبر أن تعزيز القدرات الدفاعية المغربية يساهم في تحصين البنى التحتية الحيوية والمجال الجوي الوطني، وهو عنصر أساسي في بيئة إقليمية تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالتهديدات غير التقليدية، بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية المرتبطة بالمنظومات العسكرية.
❖ رهانات الشراكة
من منظور تاريخي، يوضح هشام معتضد أن التعاون العسكري غالبًا ما يشكل مدخلاً لإعادة هيكلة الشراكات الشاملة بين الدول، والمغرب ليس استثناء من هذه القاعدة، مبرزًا أن تعميق التعاون الدفاعي يخلق شبكة مصالح متداخلة تشمل الصناعة الدفاعية ونقل التكنولوجيا والتكوين والصيانة، وهو ما يفتح المجال أمام شراكات اقتصادية موازية في مجالات استراتيجية أخرى.
ولفت إلى أنه سياسيا، يمنح هذا التعاون المتقدم المغرب رصيدًا تفاوضيًا أكبر داخل دوائر القرار الأمريكية؛ سواءً على مستوى الكونغرس أو مراكز التفكير المؤثرة، معتبرًا أن الدولة التي تُنظر إليها كشريك أمني موثوق تصبح أكثر حضورًا في حسابات السياسة الخارجية الأمريكية، ويُؤخذ موقفها بعين الاعتبار في الملفات الإقليمية الحساسة، من الساحل الإفريقي إلى حوض المتوسط.
وفي الجانب الاقتصادي، يرى الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا المسار قد يشكل رافعة لتعزيز موقع المغرب كمنصة إقليمية للاستثمار الأمريكي في إفريقيا.
وأشار إلى أن الأمن والاستقرار عنصران حاسمين في قرارات الاستثمار، وأن تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة بدعم أمريكي مباشر، يبعث برسالة طمأنة واضحة للأسواق والشركات الدولية، مفادها أن الرباط ليست فقط شريكًا أمنيًا موثوقًا، بل فضاء آمنًا لتقاطع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية على المدى الطويل.

