تستضيف واشنطن اليوم وغدا جولة محادثات حول ملف الصحراء الغربية، في إطار تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة تنشيط المسار السياسي بعد فترة من الجمود. وتهدف هذه الجولة إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية وتسريع وتيرة المشاورات نحو تسوية النزاع.
ووفق مصادر إعلامية، وُجهت الدعوة إلى وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إضافة إلى ممثل عن جبهة البوليساريو، بإشراف مباشر من مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس.
وهذه المبادرة جاءت بعد أسبوعين فقط من لقاء مماثل في مدريد، حضره المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، ما يعكس وجود إرادة دولية لتسريع المشاورات وتفادي العودة إلى حالة الجمود التي شهدها الملف خلال الأشهر الماضية.
♦تسارع المفاوضات والحل النهائي
يرى المحلل السياسي مشيج القرقري أن تسارع وتيرة المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقال النقاش من المبادئ السياسية العامة إلى التفاصيل التقنية الدقيقة، يؤشر على أن النزاع المفتعل قد دخل مراحله الختامية، معتبرا أن مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد خيار مطروح للنقاش، بل أصبح الإطار الوحيد والعملي لتنزيل الحل النهائي على أرض الواقع.
ويؤكد مشيج القرقري، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المؤشر الأبرز على جدية المرحلة الراهنة يتمثل في الكثافة غير المسبوقة لجولات المفاوضات؛ إذ شهد شهر واحد عقد ثلاث جولات مفصلية، انطلقت الأولى من واشنطن، ثم انتقلت إلى السفارة الأمريكية في مدريد، قبل أن تعود مجددا إلى العاصمة الأمريكية عبر جلسات استمرت يومين كاملين.
ويعتبر القرقري أن هذا الإيقاع المتسارع يعكس حرصا دوليا تقوده الولايات المتحدة، بتنسيق مع الأمم المتحدة، على طي هذا الملف بشكل نهائي وتجاوز حالة الجمود التي طبعت العقود الماضية.
ويشير إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي قد تجاوزت مرحلة “البحث عن القبول” لتصل إلى مرحلة “التنزيل الإجرائي”، مستدلا بما تداولته وسائل إعلام دولية وازنة حول تقديم المغرب لوثيقة تقنية شاملة تتكون من 40 صفحة.
ويبرز أن هذه الوثيقة تتضمن رؤية تفصيلية لكيفية ممارسة الصلاحيات وتدبير الشؤون المحلية تحت السيادة المغربية، مما يعني أن الدولة المغربية انتقلت من الدفاع عن عدالة موقفها إلى طرح خارطة طريق مؤسساتية وقانونية واضحة المعالم، وهو ما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد دائماً على جدية وواقعية المقترح المغربي.
ويشدد المحلل السياسي على أن النقاش الدولي اليوم أصبح تقنيا بامتياز، حيث يتم الحديث عن لجان مشتركة وتفاصيل إدارية وتنفيذية، وهذا بحد ذاته حسم للملف سياسيا، مبينا أن الدول لا تشرع في مناقشة “الكيفيات التقنية” إلا بعد أن تكون قد حسمت موقفها من “المبدأ السياسي”، وهو ما يفسر الصمت الذي يلوذ به خصوم الوحدة الترابية، أو اندماجهم التدريجي في مسار لا رجعة فيه، يعترف بوقائع الميدان وبالإجماع الدولي المتزايد حول مغربية الصحراء.
ويذهب القرقري إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 قد وضع الإطار القانوني والزمني لهذا التحول، حيث يطالب بضرورة التوصل إلى حل واقعي وقابل للتطبيق، مبرزا أن مقترح الحكم الذاتي هو الوحيد الذي يتسم بهذه الصفات، فإن المفاوضات الحالية تتركز حول مواءمة هذا المقترح مع الظرفية الدولية الراهنة، مع الحفاظ على الخصوصية المغربية وتوسيع هامش المشاركة السياسية للمواطنين في الأقاليم الجنوبية، لضمان استقرار دائم وتنمية شاملة في المنطقة.
♦التحولات الجيوسياسية والموقف الدولي
يبرز القرقري عناصر القوة التي تمنح المغرب أفضلية تفاوضية خلال هذه الجولة، مشيرا إلى أن التحولات الجيوسياسية الكبرى عززت موقع المقاربة المغربية على الساحة الدولية، مؤكدا أن الدعم المعلن من قوى دولية وازنة، من قبيل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، إلى جانب مواقف الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية والأفريقية، أسهم في توسيع دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي.
ويوضح أن هذا التراكم الدبلوماسي أفرز دينامية دولية ترى في مقترح الحكم الذاتي إطارا واقعيا لتسوية النزاع، ومدخلا لتعزيز الاستقرار والأمن في منطقة الساحل والصحراء وشمال أفريقيا.
ويكشف الباحث في الشؤون السياسية أن المواقف الدولية التقليدية التي كانت تراهن عليها الأطراف الأخرى شهدت تحولات ملحوظة، مشيرا إلى أنه بالنظر إلى موقف كل من روسيا والصين خلال التصويت على القرار 2797، يتبين وجود توجه نحو ما يمكن وصفه بـ«التوازن الإيجابي»، بما لا يعرقل المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.
ويظهر القرقري أن روسيا، كقوة دائمة العضوية، أصبحت تنظر إلى هذا النزاع الإقليمي كملف ثانوي مقارنة بانشغالاتها الاستراتيجية في شرق أوروبا وأوكرانيا وعلاقاتها المتوترة مع الغرب، مما جعلها تكتفي بالحرص على تطبيق مقتضيات الأمم المتحدة دون الدخول في مواجهة لعرقلة المقترح المغربي.
ويبين القرقري أن الموقف الإسباني الأخير كان بمثابة “حجر الزاوية” الذي غير موازين القوى في القارة الأوروبية، حيث إن اعتراف القوة الاستعمارية السابقة بجدية ومصداقية الحكم الذاتي قد نزع أي شرعية قانونية أو تاريخية عن الأطراف المطالبة بالانفصال.
وتابع أن هذا التحول لم يكن مجرد موقف ديبلوماسي، بل كان اعترافا بالدور الريادي للمملكة المغربية كشريك استراتيجي لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن المتوسطي، وهو ما عزز من ثقة المنتظم الدولي في الرؤية المغربية.
ويستعرض القرقري حالة الارتباك في جبهة الخصوم إرهاصات داخل مخيمات تندوف تشير إلى استعداد متزايد وقناعة لدى المحتجزين بضرورة قبول حل الحكم الذاتي كسبيل وحيد لإنهاء المعاناة الإنسانية والعودة إلى الوطن الأم.
وأفاد أن هذا الضغط الداخلي، الموازي للضغط الديبلوماسي الخارجي، يضع الجزائر وصنيعتها البوليساريو في زاوية ضيقة، ويجعل من استمرار النزاع استنزافا لم يعد بمقدورهم تحمله في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية الإقليمية الراهنة.
♦آفاق التطبيق ومستقبل المنطقة
يتوقع مشيج القرقري أن تصل خطوات تطبيق الحكم الذاتي إلى مراحلها النهائية قبل نهاية عام 2026، معتبرا أن هذا التاريخ يمثل سقفا زمنيا منطقيا بالنظر إلى وتيرة “المرحلة التقنية” التي نعيشها اليوم.
ويربط القرقري بين هذا التوقع وبين مصير بعثة “المينورسو”، مؤكدا أن هذه البعثة، التي أُنشئت في الأصل لتنظيم استفتاء أصبح “متجاوزا ومستحيلا” في أدبيات الأمم المتحدة، قد فقدت مبرر وجودها العملي، ومن المرجح أن يتم سحبها نهائياً مع دخول اتفاق الحكم الذاتي حيز التنفيذ.
ويخلص القرقري إلى أن الانتقال من لغة الحرب والتهديد إلى لغة المفاوضات التقنية الجادة يعني أن المنطقة ستدخل قريبا مرحلة الاستقرار العسكري الكامل، مبينا أن المغرب، بفضل السياسة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس على مدى 26 سنة من الحكم، وبفضل صبر استراتيجي دام لأكثر من نصف قرن، استطاع أن يثبت للعالم أن “الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه” ليست مجرد شعار، بل حقيقة جغرافية وتاريخية وسياسية يتم الآن صياغة تفاصيلها الإدارية والقانونية.
ويثمن المحلل السياسي الدور الأمريكي الفاعل، مبرزا أن إشراك وفود رفيعة المستوى يقودها مساعدو الرئيس الأمريكي ومسؤولون مطلعون بدقة على تفاصيل الملف، يضفي طابعا من الجدية والالتزام الدولي بحماية هذا الحل، مبينا أن واشنطن، باعترافها الصريح بسيادة المغرب على صحرائه، لم تعد وسيطا محايدا بالمعنى التقليدي، بل أصبحت طرفا ضامنا لاستقرار المنطقة عبر دعم المقاربة المغربية الواقعية التي تنهي مخاطر “الدولة الفاشلة” في منطقة حساسة تربط أفريقيا بأوروبا.
ويرجح القرقري في ختام تصحيحه أن يشهد العالم قريبا ولادة نموذج تدبيري متطور في الصحراء المغربية، يجمع بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي الموسع، مما سيجعل من الأقاليم الجنوبية قطبا اقتصاديا عالميا ومنصة للتعاون جنوب-جنوب.
ويضيف إن نجاح المغرب في حسم هذا الملف هو انتصار للمنطق التاريخي وللشرعية الدولية، وهو ثمرة لتمسك المغاربة قاطبة بحقهم المشروع في وحدتهم الترابية، وإيمانهم بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا مغربيا، وبإرادة مغربية، وفي إطار السيادة المغربية الكاملة.

