كشفت ظاهرة “الصحة بسرعتين” عن اختلالات عميقة في المنظومة الصحية المغربية، وحولت الحق في العلاج إلى امتياز غير متكافئ بين المواطنين.
ونبهت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، بمناسبة اليوم العالمي للصحة الموافق لـ7 أبريل من كل سنة، إلى أن شعار هذه السنة “معا من أجل الصحة.. ادعموا العلم” فرض اعتماد مقاربة شمولية قائمة على مفهوم “الصحة الواحدة” الذي يدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة، ويركز على المحددات الاجتماعية للصحة والعدالة المجالية.
وأكدت الشبكة في بلاغ لها، أن دعم العلم لم يكن مقتصرا على الاستثمار في التكنولوجيا، بل استوجب ضمان الولوج العادل إلى التشخيص والعلاج وتأمين نهاية كريمة للحياة، عبر معالجة قضايا السكن والتعليم والشغل والأمن الغذائي والماء والبيئة، وتقليص الفوارق بين الحواضر والبوادي.
وحذرت من أن المغرب سار في اتجاهين متناقضين، إذ بدل تقليص الفجوات ترسخ نموذج “الصحة بسرعتين”، حيث تحولت الخدمات الصحية من حق دستوري إلى سلعة تحددها القدرة الشرائية والانتماء المجالي.
وأبرزت أن التفاوتات في المحددات الاجتماعية للصحة لم تعد مجرد مؤشرات، بل أضحت أسبابا مباشرة لتدهور الوضع الصحي، خاصة في المناطق القروية والهامشية، في ظل ضعف البنيات التحتية وارتفاع الفقر ونقص الأمن الغذائي، ما أدى إلى إضعاف المناعة وارتفاع قابلية الإصابة بالأمراض.
وشددت على أن هذه الاختلالات من خلال ارتفاع وفيات الأمهات والأطفال في العالم القروي إلى الضعف مقارنة بالمدن، وتراجع متوسط العمر المتوقع بخمس سنوات.
وأشارت إلى أن المنظومة الصحية العمومية كانت على حافة الانهيار، في وقت رفع فيه العالم شعار “الصحة الواحدة”، بينما كرس الواقع الوطني منطق “الصحة بسرعتين”، حيث خضع الولوج للعلاج لمنطق الربح والقدرة على الأداء.
وكشفت معطيات تقارير المجلس الأعلى للحسابات عن اختلال بنيوي في تمويل المنظومة الصحية، حيث استحوذ القطاع الخاص على 91 في المائة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المائة فقط للمستشفيات العمومية، كما استفاد من جزء مهم من النفقات العمومية الموجهة لنظام “أمو تضامن”، ما زاد من هشاشة تمويل المرفق العمومي.
وسجلت الشبكة أن نحو 30 في المائة من المغاربة، أي حوالي 11 مليون شخص، لم يكونوا يتوفرون على تغطية صحية، واعتمدوا أساسا على المستشفيات العمومية رغم محدودية مواردها، مبرزة أنه رغم التوسع في البنيات التحتية الصحية، ظل الإشكال مرتبطا بضعف التمويل والحكامة، حيث بقيت الميزانية المخصصة للصحة دون المعايير الدولية، مع توجيه جزء كبير منها للأجور والبرامج الوقائية مقابل محدودية الدعم المباشر للمستشفيات.
كما رصدت عجزا حادا في الموارد البشرية تجاوز 32 ألف طبيب و65 ألف ممرض، إلى جانب سوء توزيع جغرافي واستقطاب القطاع الخاص لنسبة مهمة من الأطر الصحية بفوارق كبيرة في الأجور.
وأوضحت أن المستشفيات العمومية عانت من تقادم التجهيزات وسوء الصيانة، ما أدى إلى تأخر مواعيد العمليات والفحوصات المتخصصة لفترات طويلة قد تصل إلى سنة، في حين شهد القطاع الخاص توسعا متسارعا واستثمارا في التكنولوجيا المتقدمة، ما عمق الفوارق في جودة الخدمات.
كما سجلت تفاوتاً حاداً في جودة التكوين بين القطاعين العام والخاص، حيث استفادت الكليات الخاصة من تأطير أفضل وتجهيزات حديثة، مقابل اكتظاظ وضعف الإمكانيات في المؤسسات العمومية، وهو ما خلق فجوة معرفية داخل المهنة الواحدة وهدد مستقبل السيادة الصحية.
وطالبت الشبكة بإقرار قانون إطار استعجالي يؤسس لنظام صحي عادل يضمن المساواة في الولوج إلى العلاج، مع تفعيل هيئة عليا للصحة، وإحداث آليات مستقلة لضبط تسعيرة الخدمات الصحية ومراقبة مصاريف المصحات الخاصة.
كما دعت إلى تأهيل المستشفى العمومي عبر توجيه استثمارات كافية لتحسين جاذبيته وتقليص الفوارق المجالية، وإصلاح منظومة التكوين الطبي والتمريضي من خلال تحديث المناهج ودمج التكنولوجيات الحديثة، إلى جانب تحسين أوضاع الأطر الصحية للحد من هجرة الكفاءات.
وخلصت الشبكة إلى أن دعم العلم لم يكن يعني تكديس التكنولوجيا داخل المصحات الخاصة، بل اقتضى ضمان العدالة في الولوج إلى المعرفة والعلاج، مؤكدة أن أي تقدم تكنولوجي يفقد معناه ما دامت جودة الخدمات الصحية مرتبطة بالقدرة الشرائية بدل الحق في الحياة.

