يعيش طفل يبلغ من العمر سبع سنوات في نواحي مدينة بني ملال وضعية صعبة تستدعي تدخل السلطات المختصة بشكل عاجل. الطفل، الذي وُلد في ظروف استثنائية نتيجة اعتداء جنسي على والدته، والتي تعاني من إعاقة ذهنية متقدمة، يواجه مخاطر جسدية ونفسية كبيرة بسبب ضعف الحماية الأسرية المحيطة به.
وتزداد صعوبة الوضع نتيجة الحالة الاجتماعية والاقتصادية للطفل وأمه، ما يجعل التدخل الرسمي ضروريا لإيوائه في مؤسسة للرعاية الاجتماعية، وضمان متابعة مستمرة تشمل الجوانب الصحية والنفسية والتعليمية.
وفي هذا الإطار، دعت عدة جهات مدنية ومؤسسات مختصة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الطفل وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، تتيح له التمتع بحقوقه الأساسية بعيداً عن أي تهديد محتمل على صحته أو نموه النفسي.
وبالتالي، كيف يمكن للسلطات والمجتمع المدني العمل بشكل فعال لضمان حماية الطفل ومتابعة وضعيته في ظل ضعف الأطر الأسرية والاجتماعية المحيطة به، وما هي التدابير العاجلة التي يمكن اعتمادها لتأمين بيئة آمنة ومستقرة تضمن له نموه النفسي والاجتماعي بشكل سليم؟
♦وضعية اجتماعية شديدة الهشاشة
سلّط الفاعل الجمعوي بمدينة تنجداد يحيى بولمان الضوء على الحالة الحرجة التي يعيشها الطفل ياسين، مبرزا أن هذا الأخير يوجد خارج المنظومة التعليمية بشكل كلي، رغم بلوغه سن التمدرس الإجباري، وهو ما يشكل خرقا واضحا لحق أساسي تكفله المقتضيات الدستورية، وتؤطره القوانين الوطنية، كما تؤكد عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل.
وأوضح يحيى بولمان في تصريح لجريدة “شفاف”؛ أن استمرار هذا الوضع يعكس اختلالا عميقا في آليات الرصد والتدخل المبكر، ويطرح تساؤلات جدية حول نجاعة منظومة حماية الطفولة في التعامل مع الحالات الأكثر هشاشة.
وأشار بولمان إلى أن الطفل ينحدر من أسرة تعيش أوضاعا اجتماعية بالغة الصعوبة، حيث تعاني والدته من إعاقة ذهنية تحدّ من قدرتها على تحمل مسؤوليات الرعاية والتوجيه، كما أن ظروف إنجاب الطفل تعود، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى اعتداءات جنسية سابقة، لم يتم إلى حدود الساعة الكشف عن ملابساتها الكاملة، أو تحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عنها.
واعتبر أن هذا المعطى يضاعف من تعقيد الوضع، ويستدعي مقاربة متعددة الأبعاد، تراعي الجوانب الاجتماعية والنفسية والقانونية في آن واحد.
وأضاف المتحدث أن غياب الأب، وعدم اضطلاع أي جهة بدور الرعاية البديلة، فاقم من هشاشة الوضع الأسري، وجعل الطفل يعيش في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار والأمان.
وأفاد أن أفراد الأسرة يقطنون في سكن تقليدي هش، يفتقد للتجهيزات الأساسية، ويعانون من اكتظاظ واضح، ما يحدّ بشكل كبير من قدرتهم على تأمين حاجياتهم الضرورية المرتبطة بالإيواء والتغذية والعلاج.
كما لفت إلى أن الشخص الوحيد الذي يتولى تدبير شؤون الأسرة يعاني بدوره من مرض السرطان، وهو ما يحد بشكل كبير من قدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية، ويجعل الأسرة في وضعية عجز شبه تام عن ضمان متطلبات الحياة اليومية.
♦الإقصاء التعليمي ومخاطره العميقة
في تحليله لأبعاد بقاء الطفل خارج المدرسة، أكد الفاعل الجمعوي أن الأمر لا يقتصر على حرمانه من حق التعلم واكتساب المعارف الأساسية، بل يتجاوز ذلك إلى تعريضه لحالة فراغ خطيرة، قد تفتح الباب أمام مسارات الانحراف أو التعرض لمخاطر متعددة، في غياب التأطير الأسري والمؤسساتي.
ورأى أن الإقصاء المبكر من التعليم يشكل، في كثير من الحالات، نقطة انطلاق لمسار طويل من التهميش الاجتماعي، يصعب تداركه في مراحل لاحقة من العمر، حتى مع توفر برامج الإدماج أو الدعم.
وأبان بولمان أن الطفل يعيش مرحلة عمرية تتراوح بين ست وسبع سنوات، وهي مرحلة مفصلية في البناء النفسي والتربوي، تتشكل خلالها ملامح الشخصية الأولى، وتُرسى فيها أسس التفاعل الاجتماعي والتعلم النظامي.
وشدد على أن أي تأخير في إدماج الطفل في مسار تعليمي وتربوي سليم قد تكون له آثار سلبية عميقة، تمتد إلى المدى المتوسط والبعيد، سواء على مستوى التحصيل الدراسي أو الاستقرار النفسي والسلوكي.
وانتقل المتحدث إلى التذكير بالمراسلة التي سبق أن تقدمت بها إحدى الفاعلات الحقوقيات إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف ببني ملال، والتي التمست فيها التدخل من أجل إيجاد مركز ملائم أو مؤسسة رعاية قادرة على احتضان الطفل، وتمكينه من الولوج إلى التعليم، أسوة بباقي الأطفال، مع مراعاة وضعيته الاجتماعية والنفسية الخاصة.
وأظهر المتحدث أن هذه المبادرة تعكس وعيا مدنيا بضرورة التحرك المؤسساتي، غير أن غياب تجاوب فعلي وسريع، بحسب تعبيره، يظل مصدر قلق حقيقي.
وأشار بولمان إلى أن ترك الطفل في وضعية انتظار مفتوحة، دون قرار واضح، يجعله عرضة لمختلف أشكال الهشاشة، ويكرس الإحساس بالإقصاء، كما يقوض مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يضمنه النظام التعليمي.
واعتبر أن المدرسة، إلى جانب دورها التربوي، تشكل فضاء للحماية الاجتماعية، وأداة أساسية للوقاية من الانحراف والاستغلال، وهو ما يجعل غيابها عاملا مضاعفا للمخاطر.
♦دعوة عاجلة لتدخل مؤسساتي
في تقييمه لتداعيات الوضع الراهن، شدد يحيى بولمان على أن الطفل يعيش ما وصفه بـ”موت بطيء”، نتيجة غياب التأطير والحماية، وعدم وجود رؤية واضحة لمستقبله، معتبرا أن هذا الواقع يفرض تدخلا استعجاليا من مختلف الجهات المختصة، سواء القضائية أو الاجتماعية أو التربوية، قبل فوات الأوان.
وأكد أن التأخر في اتخاذ قرار عملي قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن تداركها لاحقا، خاصة في ظل هشاشة الإطار الأسري، وغياب بدائل داعمة.
وحذر المتحدث من المخاطر المحدقة بالطفل في ظل غياب الرعاية المؤسساتية، لاسيما بالنظر إلى التجارب السابقة التي عاشتها والدته، معتبرا أن ترك الطفل دون حماية فعالة يجعله عرضة لشتى أشكال الاستغلال أو الاعتداء، في بيئة تفتقر إلى شروط السلامة والأمان.
وأبرز أن حماية الطفولة ليست مجرد التزام أخلاقي، بل مسؤولية قانونية ومؤسساتية، تقتضي تفعيل الآليات المتاحة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، وجه الفاعل الجمعوي نداء مباشرا إلى الوكيل العام للملك، وإلى مختلف الهيئات المعنية بحماية الطفولة، من أجل التعجيل باتخاذ قرار عملي وفعال يضع حدا لمعاناة الطفل، ويضمن له حقه في التعليم والحماية والرعاية النفسية والاجتماعية، كما دعا إلى اعتماد مقاربة شمولية، تراعي خصوصية الحالة، وتستحضر مصلحة الطفل الفضلى، باعتبارها المبدأ المؤطر لكل تدخل.
وعبر بولمان عن أمله في أن تحظى هذه القضية بالاهتمام اللازم، وأن يتم التعامل معها بالجدية والاستعجال اللذين تفرضهما، مؤكدا أن إنقاذ طفل واحد من الهدر والإقصاء هو في حد ذاته استثمار في مستقبل المجتمع، ورسالة قوية حول التزام المؤسسات بحماية الفئات الأكثر هشاشة.

