في مشهد صادم أعاد إلى الواجهة إشكالية تدبير مشاريع ترميم المواقع الأثرية، برزت تطورات مقلقة بموقع سجلماسة بعد تسجيل تدخلات ميدانية أثارت جدلا واسعا في أوساط المهتمين بالتراث الثقافي.
وأثار لجوء المقاولة المكلفة بالأشغال إلى استعمال الجرافات لهدم أجزاء من الأسوار التاريخية موجة استنكار، بالنظر إلى حساسية الموقع وهشاشة مكوناته التي تعود لقرون.
واعتبرت فعاليات مدنية أن ما جرى يمس بجوهر الذاكرة التاريخية، خاصة في ظل رصد ميزانية مهمة كان يفترض أن تسخر للحفاظ على الموقع وتعزيز قيمته الحضارية.
وطرحت هذه الواقعة تساؤلات ملحة حول مدى احترام المعايير العلمية والتقنية المعتمدة في ترميم المعالم الأثرية، وحول نجاعة آليات المراقبة والتتبع الميداني.
وحذر خبراء من أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يؤدي إلى أضرار غير قابلة للتدارك، داعين إلى تدخل عاجل لإعادة تقييم الأشغال وضمان حماية ما تبقى من هذا الإرث التاريخي.

♦تحذير معماري صارخ
وفي السياق ذاته، حذر العالم يوسف بوكبوط من أن مشروع تسقيف موقع سجلماسة الأثري يمثل تهديدا حقيقيا لهويته التاريخية، معتبرا أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد تدخل تقني لحماية الآثار، بل هو مسار قد يؤدي إلى طمس معالمها الأصلية بشكل تدريجي.
وأكد بوكبوط في تصريح لجريدة “شفاف”، أن السقف الحديدي المقترح، رغم ما قد يوفره من حماية ظاهرية، يحمل في طياته خطرا أكبر يتمثل في محو روح المكان، إذ “يمكن أن يحمي سجلماسة لكنه سيمحوها قبل أن يحميها”.
وأوضح أن إدخال عنصر معماري ضخم وغريب وسط فضاء أثري دقيق يشكل نشازا بصريا يقطع مع سكون الموقع وعراقته، ويحول تجربة الزائر من تفاعل مع التاريخ إلى مواجهة مع بنية حديثة طاغية.

واعتبر أن هذا التوجه يختزل سجلماسة في مشروع هندسي، بدل الحفاظ عليها كذاكرة حضارية مفتوحة تعكس تعاقب الأزمنة وتفاعل الإنسان مع مجاله.
♦هيمنة الحداثة على الذاكرة
أبرز بوكبوط أن الخطر يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى الفلسفة المعمارية التي تحكم المشروع، والتي تقوم على إبراز الحداثة والبهرجة العمرانية على حساب الأصالة.
وأبان أن هذا المنطق سيجعل من السقف الحديدي العنصر الأكثر بروزا في الموقع، بحيث يتحول إلى “الحدث” الرئيسي الذي يجذب الانتباه، بينما تتوارى سجلماسة العتيقة بهدوئها وتفاصيلها الدقيقة في الخلفية.
وأضاف أن الزائر، في ظل هذا التحول، لن يرى المدينة التاريخية كما هي، بل سيختزلها في صورة سقف ضخم يحاكي التصاميم المعمارية الحديثة من حيث الشكل والفلسفة، ما يفقد المكان معناه الحقيقي.

وأشار إلى أن فقدان الإحساس بالسماء المفتوحة والضوء الطبيعي، اللذين كانا يشكلان جزءا أساسيا من تجربة الموقع، سيؤدي إلى تراجع ذلك الشعور بالسكينة والارتباط بالمكان، وهو ما لا يمكن تعويضه بأي إنجاز معماري معاصر.
وشدد على أن تحويل سجلماسة إلى فضاء يستقطب عشاق الحداثة لذاتها، لا لما تختزنه من تاريخ، يمثل انحرافا خطيرا في طريقة التعامل مع التراث.
♦اختلالات تقنية ومالية
أثار بوكبوط تساؤلات جدية حول الكلفة المالية للمشروع، والتي تبلغ 16 مليار سنتيم لتسقيف مساحة تقدر ب3300 متر مربع، معتبرا أن هذا الرقم يستدعي تدقيقا شفافا في طبيعة الأشغال وجودتها.
ولفت إلى أن الصور المتداولة من داخل الورش تكشف عن ممارسات تقترب من أوراش البناء العادية، أكثر مما تعكس تدخلا أثريا دقيقا يتطلب تقنيات خاصة وخبرة متخصصة.
وسجل استخدام جرافات ثقيلة تتحرك داخل الموقع الأثري، إلى جانب اعتماد طرق بدائية في تثبيت الأعمدة، واستعمال دعامات خشبية لحماية بعض الأجزاء، فضلا عن اللجوء إلى رافعات وشاحنات تقليدية، وأعمدة فولاذية سميكة يتم تلحيمها بطرق عادية.

واعتبر أن هذه المعطيات تطرح علامات استفهام حول احترام المعايير العلمية المعتمدة في صيانة المواقع الأثرية، والتي تقوم على تقليل التدخلات الميكانيكية والحفاظ على هشاشة البنية الأصلية.
وجدد التأكيد على أن ما يجري يعطي الانطباع بأننا أمام ورش بناء حديث كباقي الأوراش، وليس أمام تدخل جراحي دقيق داخل موقع أثري حساس، ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول الكلفة الحقيقية للمشروع ومدى تناسبها مع جودة التنفيذ.
♦تشويه الهوية التراثية
انتقد بوكبوط المقاربة المعمارية المعتمدة، معتبرا أنها تفرض منطق الخرسانة والحديد على موقع شيد في الأصل بمواد محلية بسيطة تنسجم مع البيئة والمناخ.
وأظهر أن غرس هياكل إسمنتية وأعمدة فولاذية ضخمة وسط بقايا مدينة تاريخية عمرها قرون يخلق مشهدا صادما، يوحي وكأننا أمام ورش صناعي لا أمام أحد أبرز المواقع الأثرية بالمغرب.
وأضاف أن هذه الأعمدة البيضاء الغريبة عن روح المكان لا تعكس هوية سجلماسة، بل تشوه المشهد البصري وتقطع الصلة بين الأثر وبيئته الأصلية، ما يفقد الموقع جزءا كبيرا من قيمته الجمالية والرمزية.
وأفاد أن ما يحدث لا يمكن اعتباره تثمينا للتراث، بل هو فرض لنموذج عمراني دخيل على ذاكرة حضارية عريقة شيدت بالتراب المدكوك والمواد المحلية.

وشدد على أن البديل كان يكمن في توظيف تقنيات ترميم تحترم خصوصية الموقع، وتعتمد على التدعيم الهادئ والمخفي، مع إعادة الاعتبار للعناصر المعمارية الأصلية كالسور والأبراج والأبواب وفق نماذج تحاكي العمارة السجلماسية.
وذهب إلى أن تحويل الموقع إلى فضاء تهيمن عليه الهياكل الخرسانية والحديدية يبعث برسالة سلبية مفادها أن منطق السرعة والصفقات يتقدم على احترام التاريخ، مشددا على أن سجلماسة ليست أرضا فارغة لتجريب الحلول الجاهزة، بل ذاكرة أمة تستحق مقاربة تحافظ على قيمتها الحضارية والجمالية.

