تطرح الهجمات المسلحة المتصاعدة في منطقة الساحل، خصوصا في مالي، نفسها كأحد أبرز مؤشرات التحولات الأمنية والسياسية الجارية في الإقليم، في ظل إعادة تشكل موازين القوى.
ويأتي هذا التصعيد في سياق تزامن لافت مع مواقف سيادية جديدة اتخذتها بعض الدول، من بينها اعتراف مالي بمغربية الصحراء، ما يثير تساؤلات حول خلفيات التوقيت ودلالاته السياسية والأمنية.
ويعكس تداخل المسارين الأمني والسياسي تعقيد الوضع في المنطقة، خاصة مع غياب معطيات رسمية حاسمة وتعدد الروايات المتداولة، الأمر الذي يفتح المجال أمام قراءات متباينة بشأن الجهات المستفيدة من استمرار التوتر.
♦التزامن الدال بين الاعتراف والهجوم
يؤكد الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الصحراء، أحمد نور الدين، أن تزامن اعتراف باماكو بمغربية الصحراء في أبريل الماضي مع أكبر هجوم منسق تشهده مالي ليس حدثا عابرا، بل يحمل مؤشرات قوية على ترابط السياقات السياسية والأمنية في منطقة الساحل والصحراء.
ويرى أحمد نور الدين في مقال رأي، أن هذا التطور يكشف عن محاولة واضحة لمعاقبة مالي على خياراتها السيادية الجديدة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.
وشدد المتحدث على أن الهجوم الذي استهدف مالي لم يكن عملا معزولا، بل جاء نتيجة تحالف مركب يضم حركات انفصالية أزوادية وتنظيمات إرهابية تنشط في شمال البلاد، من بينها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة في الصحراء الكبرى.
وأبرز أن هذا التنظيم ظل، منذ نشأته، تحت تأثير عناصر متطرفة جزائرية ارتبطت أسماؤها بتاريخ طويل من العنف، مثل عبد المالك درودكال والمختار بلمختار وعبد الرزاق البارا والعنابي، وغيرهم ممن أعادوا تشكيل التنظيمات الإرهابية بأسماء متعددة دون تغيير جوهرها.
وأفاد أن تعدد مسميات هذه التنظيمات، من “الجماعة الإسلامية المسلحة” إلى “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” ثم “الموقعون بالدم” و“الموجاو” و“أنصار الدين” وصولا إلى “داعش”، يعكس استراتيجية قائمة على إعادة التموضع وليس القطيعة، ما يجعل من المشهد الأمني في الساحل امتدادا لبنية إرهابية واحدة تتكيف مع الظروف دون أن تتخلى عن أهدافها.
♦مؤشرات الصمت ودلالات الموقف
ولفت إلى أن صمت الجزائر الرسمي خلال الأيام الأولى من الهجمات يثير أكثر من علامة استفهام، خصوصا بالنظر إلى سجلها المعروف بكثافة البيانات الرسمية حتى في قضايا أقل أهمية.
واعتبر أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن طبيعة الأحداث، بل يعكس حرجا سياسيا مرتبطا بمآلات المخطط الذي كان ينتظر منه تحقيق أهداف معينة.
وأوضح أن الجزائر لم تصدر موقفا رسميا إلا بعد مرور ثلاثة أيام، عبر تصريحات لوزير خارجيتها أحمد عطاف، اكتفى فيها بالتعبير عن الوقوف إلى جانب “وحدة أراضي مالي” دون الإشارة الصريحة إلى دعم الدولة المالية أو إدانة العملية الإرهابية بشكل مباشر، وهو ما يراه خطابا ملتبسا يحاول التوفيق بين إظهار موقف رسمي وتفادي تحميل المسؤوليات.
واستنتج أن هذا الخطاب يشبه محاولة إخفاء معالم موقف حقيقي خلف عبارات عامة، خاصة في ظل ما وصفه بالدور الذي لعبه الإعلام الجزائري، سواء الرسمي أو الموازي، خلال الأيام الأولى للهجوم، حيث اتجه إلى تبرير ما حدث وربطه بخيارات مالي السياسية، في إشارة ضمنية إلى تقاربها مع المغرب.
ورصد أن هذا السلوك الإعلامي ترافق مع تهديدات متكررة لمالي بسبب انسحابها من اتفاق الجزائر لسنة 2015، الذي وصفه بأنه “ولد ميتا”، مؤكدا أن الخطاب الجزائري ظل يتضمن إشارات إلى أن باماكو ستدفع ثمن تحالفاتها الجديدة.
♦سجل التدخلات والفرص الاستراتيجية
يستحضر أحمد نور الدين سلسلة من التصريحات السابقة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي اعتبر فيها أن حل الأزمة في مالي لا يمكن أن يتم دون الجزائر، معتبرا أن مثل هذه المواقف تعكس توجها نحو فرض وصاية سياسية على دولة ذات سيادة، وهو ما قوبل برفض مالي واضح في حينه.
وتوقف المتحدث عند تصريحات أخرى أدلى بها تبون لوسائل إعلام دولية، أكد فيها أن الدستور الجزائري يسمح بتدخل الجيش خارج الحدود، مردفا أن هذا الطرح يعزز المخاوف من توجهات تدخلية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، خصوصا عندما يقترن بانتقاد منظمات إقليمية مثل “الإيكواس” بسبب تحركاتها داخل مالي.
وأكد أن تراكم هذه المعطيات، إلى جانب وقائع مثل إسقاط طائرة مسيرة مالية داخل التراب المالي سنة 2025، وما تلاه من شكاوى رسمية أمام الأمم المتحدة، يعزز فرضية وجود توتر عميق يتجاوز الخلافات السياسية إلى مستويات أمنية خطيرة.
وأشار إلى أن استحضار هذه الوقائع ليس مجرد استرجاع تاريخي، بل يهدف إلى إبراز نمط متكرر في التعامل مع دول المنطقة، يقوم على الضغط والابتزاز عبر أدوات متعددة، من بينها الجماعات المسلحة الناشطة على الحدود.
ودعا في هذا السياق إلى عدم تفويت ما وصفه ب“الفرصة الاستراتيجية”، عبر اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تبدأ بدعم مالي بشكل ذكي وغير مباشر، من خلال التكنولوجيا الحديثة والقدرات الاستخباراتية وتكوين الكفاءات، دون الانخراط في تدخل ميداني مباشر قد يحمل مخاطر معقدة.
واقترح تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بربط دول الساحل بالموانئ الأطلسية، مبينا أن تجسيد هذه المشاريع على أرض الواقع سيعزز الاستقرار ويخلق توازنا استراتيجيا جديدا في المنطقة.
وشدد في على ضرورة إطلاق تحرك دبلوماسي واسع النطاق، بتنسيق مع شركاء إقليميين ودوليين، بهدف إعادة تشكيل الرأي العام حول طبيعة التهديدات التي تواجهها المنطقة، مستندا إلى معطيات موثقة يمكن أن تدعم مرافعة سياسية وقانونية داخل المؤسسات القارية والدولية.
وتساءل أحمد نور الدين بحول مدى قدرة الفاعلين على استثمار هذه اللحظة المفصلية، معتبرا أن تكرار تفويت الفرص سيؤدي إلى استمرار نفس التحديات، في حين أن التحرك الحاسم قد يفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

