في خضم الجدل الذي أثارته التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن احتمال وجود مفاوضات بين الجزائر والمغرب، نفى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لينفي بشكل قاطع أي اتصالات أو محادثات مع الرباط، مؤكداً أن ما تم تداوله لا يعكس الموقف الرسمي لبلاده ولا يرتبط بأي مسار دبلوماسي قائم حاليا.
وتثير هذه التصريحات إشكالية كيفية توازن الجهود الدولية لدعم السلام في المنطقة مع المواقف الرسمية للبلدين، خصوصا في ظل استمرار التوترات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب.
الوساطة الأمريكية بين المغرب والجزائر… فرصة لفتح صفحة جديدة أم مبادرة ستُجهضها حسابات الماضي؟
♦تحولات إقليمية مؤثرة
يشير محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المهتم بقضية الصحراء ورئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، إلى أن تصريح وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بخصوص نفي تلقي الجزائر أي وساطة أمريكية لإعادة العلاقات مع المغرب، لا يمكن التعامل معه كخطوة معزولة، بل كجزء من سياق إقليمي يشهد تغيرات واضحة في موازين القوة داخل المنطقة المغاربية.
وأكد الباحث المهتم بقضية الصحراء في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المجتمع الدولي بات مقتنعا أكثر من أي وقت مضى بضرورة تخفيف التوتر بين الرباط والجزائر، خاصة بعدما ازدادت المخاطر الأمنية في منطقة الساحل وارتفعت كلفة الصراع بين البلدين على أمن المنطقة ككل.
وأوضح عبد الفتاح أن تصريح عطاف لا يعبر عن موقف دبلوماسي بسيط، بل يكشف استمرار النهج الجزائري القائم على تعطيل أي مبادرة تهدف إلى تهدئة الأجواء داخل المنطقة المغاربية، مبرزا أن الجزائر تحاول تجنب أي نقاش حقيقي حول قرارها الأحادي بقطع العلاقات سنة 2021، رغم المساعي الدولية التي تنظر إلى التهدئة باعتبارها ضرورة استراتيجية للأمن الإقليمي.
في ظل التقارب الأمريكي الفرنسي .. هل تتجه المينورسو نحو تغيير جذري ؟
وبيّن أن هذا التصريح جاء في لحظة تؤكد فيها واشنطن وبروكسيل وعدد من الدول المؤثرة أهمية استقرار شمال إفريقيا، بينما يواصل المغرب نهجه البراغماتي في تقوية شراكاته الأمنية والدبلوماسية، وإبداء استعداد دائم لأي مبادرة من شأنها إحياء البناء المغاربي، في حين تتعامل الجزائر بمنطق الرفض والإنكار تجاه الوساطات المطروحة.
♦تعطيل مستمر للحل السياسي
كشف عبد الفتاح أن الموقف الجزائري كما عبّر عنه وزير خارجيتها لا يقتصر على رفض الوساطة، بل يندرج ضمن استراتيجية ممتدة تهدف إلى تعطيل المسار السياسي الذي تتبناه الأمم المتحدة من خلال المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وأشار إلى أن الجزائر تربط كل آليات الحوار الإقليمي بملف الصحراء، رغم أن قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة تؤكد بوضوح أنها طرف رئيسي في النزاع، وليست مجرد “دولة مراقبة” كما تحاول تقديم نفسها للرأي العام.
وشدد أن تقارير الأمم المتحدة دعت الجزائر بالاسم إلى الانخراط الجدي في المفاوضات، وأن محاولة التملص من هذا الدور لا تهدف إلا إلى تأجيل اللحظة التي سيكون عليها قبول الحل الواقعي المعتمد دوليا.
وأظهر أن رفض الجزائر لأي وساطة أو مقاربة جديدة يسعى إلى تجميد النقاش حول مسؤوليتها المباشرة في تعقيد المسار السياسي، خاصة بعد أن أصبحت أغلب القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تعتبر الحكم الذاتي الإطار الوحيد القابل للتفاوض.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
وأضاف أن هذا الخطاب القائم على النفي يعكس هشاشة داخلية في بنية القرار الجزائري، ورغبة في تجنب أي إشارة تُفهم على أنها استعداد للمراجعة أو الانفتاح، رغم أن الظروف الإقليمية والدولية تضغط بقوة باتجاه تغيير هذا الموقف.
♦انفتاح مغربي مقابل انغلاق جزائري
ركّز عبد الفتاح على التباين الواضح بين مقاربة المغرب والجزائر، مبينا أن المغرب يعبر باستمرار عن انفتاحه على أي مبادرة تهدف إلى إصلاح العلاقات الثنائية، شريطة احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ويؤكد التزامه بالحلول الواقعية التي تتماشى مع الشرعية الدولية.
ولفت إلى أن الرباط تتعامل مع موضوع العلاقات بمنطق مؤسساتي ومسؤول، بينما تستمر الجزائر في سياسة تعطيل المبادرات الدولية، بما فيها تلك الصادرة عن قوى كبرى، وهو ما يؤكد أن قرار استمرار القطيعة قرار سياسي داخلي لا يرتبط بأسس دبلوماسية أو أمنية حقيقية.
وذهب كذلك إلى أن المغرب يتصرف ببراغماتية واضحة، ويرسخ صورته كشريك موثوق لدى المجتمع الدولي، في حين تبدو الجزائر عاجزة عن مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، وتستمر في إنتاج خطاب متناقض لا يقدم حلولاً ولا يفتح آفاقًا جديدة.
وأفاد أن المنطقة، التي تواجه تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، تحتاج إلى تعاون ملموس بدل الاستمرار في خلق العراقيل أمام الوساطات، مظهرا على أن هذا التباين، بحسبه، يعزز موقع المغرب إقليميًا ويضاعف عزلة الجزائر التي تظل في موقع دفاعي أمام دينامية دبلوماسية عالمية تتحرك باتجاه تثبيت الحل السياسي.
♦انعكاسات المشهد الدبلوماسي
يرى عبد الفتاح أن المشهد الدبلوماسي الحالي يضع الجزائر أمام مسؤوليات جديدة، خصوصا بعدما أصبحت أغلب الدول المؤثرة تتعامل مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الواقعي الوحيد لإنهاء النزاع.
وأورد أن استمرار الجزائر في خطاب النفي والرفض لن يؤدي سوى إلى زيادة عزلتها إقليميا ودوليا، بينما يواصل المغرب تعزيز موقعه من خلال الاستقرار السياسي والوضوح الدبلوماسي والالتزام بالحلول المتوازنة.
وتابع إلى أن الموقف الجزائري المتسم بالإنكار لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الدبلوماسية التي تفرضها التطورات الإقليمية، وأن الخطاب المغربي المتزن يعزز الثقة الدولية في قدرة المملكة على الإسهام في استقرار المنطقة.
الدبلوماسية الأمريكية والصحراء المغربية… كيف ستؤثر التحركات الأخيرة على موازين القوى الإقليمية؟
وأوضح أن المجتمع الدولي بات يدرك أن الاستمرار في القطيعة يضر بالمنطقة كلها، وأن الجزائر مطالبة بتجاوز خطاب التجاهل والانخراط في مسار سياسي يعكس مسؤوليتها باعتبارها طرفًا رئيسيًا في النزاع المفتعل حول الصحراء.
وخلص عبد الفتاح إلى أن المغرب يرسخ، من خلال وضوح مواقفه ومسؤوليته الدبلوماسية، موقعه كفاعل إيجابي، في حين يكرس الموقف الجزائري حالة الانحصار السياسي ويؤكد أن استمرار القطيعة قرار داخلي لا يرتبط بالمعطيات الواقعية.

