أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات جديدة أعاد فيها طرح ما وصفه بـ”الرابطة الفكرية” المرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، معتبرا أن هذا التصور يحمل بعدا تاريخيا ورمزيا في إطار الدفاع عن الأمن والهوية.
وأوضح نتنياهو أن بلاده تواصل العمل على تعزيز مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، من بينها مشروع E1 الذي يشمل آلاف الوحدات السكنية الجديدة، مؤكدا أن هذه الخطوات تأتي في سياق حماية المصالح الإسرائيلية وتثبيت حقائق على الأرضي، مشددا على أن السياسات المتبعة تعكس موقفا سياديا يهدف إلى تأمين العمق الاستراتيجي لإسرائيل، في وقت تواجه فيه تحديات متصاعدة من محيطها الإقليمي.
وربط نتنياهو هذه التوجهات بخيار الحفاظ على “قوة الردع” في مواجهة الأطراف المعادية، معتبرا أن إسرائيل تتحرك ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد تستجيب للمتغيرات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وفيما يتعلق بالمواقف الدولية الرافضة للتوسع الاستيطاني، اعتبر نتنياهو أن إسرائيل ستواصل الدفاع عن حقها في اتخاذ القرارات التي تضمن أمنها واستقرارها، مشيرا إلى أن السياسات الحالية تندرج ضمن رؤية أشمل لإدارة الصراع وفق مقاربة تحفظ المصالح الإسرائيلية الأساسية.
♦تصعيد خطابي ووقائع ميدانية
شدد المحلل السياسي هشام معتضد على أن تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة حول “الرابطة الفكرية” برؤية “إسرائيل الكبرى” تمثل تصعيدا محسوبا يهدف إلى رفع سقف التوقعات وترسيخ إطار أيديولوجي يمنح شرعية لتوسيع السيطرة الإسرائيلية، بوصفه “رسالة تاريخية”.
وأكد معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الخطاب أثار ردودا عربية ودولية غاضبة لأنه يوحي بتجاوز الضفة إلى أجزاء من دول مجاورة، حتى وإن لم يطرح كخطة تنفيذية واضحة، معتبرا أن هذا التموضع الرمزي يُغذي قاعدة الحكومة اليمينية ويمنحها هامش مناورة أوسع في متاهة الأمن والسياسة.
وفي الاتجاه ذاته، ذهب مشيج القرقري، الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، على أن هذه المرة ليست الأولى التي تصدر فيها تصريحات عن مسؤول حكومي رفيع المستوى بشأن ما يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، موضحاً أن تحويل المفهوم من إطار ديني ضيق إلى مشروع سياسي قائم، لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب أسس السلم والأمن الإقليمي والدولي.
وأشار الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن استمرار سياسة الإبادة الجماعية في غزة، وما يرافقها من تهجير قسري وتوسيع للاستيطان، سيقود المنطقة نحو انفجار أكبر، ويرسم ملامح عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام استمرار دوامة العنف.
وأبان القرقري أن ما عبر عنه بنيامين نتنياهو لا يحظى بإجماع داخل إسرائيل، إذ يظل موقفا خاصا باليمين المتطرف في ظل ضعف التيارات اليسارية والتقدمية، داعيا المجتمع الدولي إلى دعم هذه الحركات لخلق توازن سياسي حقيقي.
♦الضم الزاحف يهدد الاستقرار
أوضح معتضد أن خلف البلاغة، تتجسد وقائع مؤسِسة على الأرض، مثل تصويت كنيست غير ملزم يدعو إلى ضمّ الضفة، وإعادة إحياء مشروع E1 لبناء ما يفوق 3,000 وحدة استيطانية، وهو ما يقطع أوصال الضفة ويعزل القدس الشرقية، مبينا أن هذه الخطوات المؤسساتية تُحوّل التصعيد من لغة إلى بنية مكانية وإدارية تقارب الضمّ الزاحف، أي خرائط تُرسم بالإسمنت والحواجز.
ولفت المتحدث إلى أن الإقليم يقرأ الرسالة بوصفها تهديدا مباشرا لسيادة دول مثل الأردن ومصر، ما دفع إلى اعتراضات حادة وسريعة، وهو ما لا يُنهي الفكرة لكنه يرفع كلفة تحويلها إلى واقع عبر ردع سياسي واقتصادي وأمني متعدد المصادر.
وخلص إلى أن الطموح الخطابي بلغ ذروته، لكن “العتبات الصلبة” الإقليمية والدولية لا تزال قائمة، مما يجعل توسيع الخرائط على حساب دول الجوار مجرد أداة ضغط ورمز أيديولوجي أكثر من كونه مشروعاً عملانياً في المدى المنظور.
♦تقويض حل الدولتين
أكد معتضد أن مشروع E1 يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة بطريقة تُقزّم إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، إذ يشطر الضفة فعليا ويطوّق القدس الشرقية، مبرزا أن الإدانات الأوروبية والدولية ركزت على خطورة المشروع لأنه يقوض أسس حل الدولتين قانونيا وعمليا، ومحولا الحل إلى مجرد صيغة ديبلوماسية بلا حامل جغرافي.
وأظهر أن موجة الإدانات والتحركات الأوروبية المؤيدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية تعكس أن السردية القانونية لقرارات الأمم المتحدة ما تزال حية، لكنها تصطدم بجرافات الوقائع اليومية، ملفتا إلى أن دولاً مثل إسبانيا اعتبرت التوسع الاستيطاني خرقاً للقانون الدولي ويغلق نافذة التسوية، ومبرزا على أن الشرعية السياسية تتوسع، لكن الحيّز الجغرافي يتلاشى.
وأضاف أن تمرير مخططات بناء جديدة وإدارة مدنية يمسك بها وزراء متشددون ينقل مركز الثقل من “عملية سلام” إلى “إدارة صراع” طويلة الأمد، ما يحول أي مفاوضات لاحقة إلى إدارة لكانتونات لا دولة.
واعتبر أن الأفق لا ينعدم كليا، إذ إن الأزمات الكبرى قادرة على إنتاج اختراقات حين تتراكم الكُلف الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية على صانع القرار، مبينا على أن أي انعطافة جدية تستلزم فرملة فورية لمشاريع التقسيم، وتجميدا للتوسع، وحماية للسكان، ومسارا سياسيا بجدول زمني محدد.
♦رسائل داخلية وخارجية
كشف معتضد أن الرسائل الإسرائيلية تحمل أبعادا داخلية وخارجية متشابكة، معتبرا أن رفع شعار “إسرائيل الكبرى” داخليا يُعبئ القاعدة اليمينية ويزايد على الشركاء الأكثر تطرفا، مع الدفع بقرارات إجرائية في الضفة، وذلك بهدف تحصين الائتلاف وإعادة ضبط الأجندة بعيداً عن الأزمات القضائية والشعبية، ومضيفا أن هذه السياسة تسعى إلى خلق انطباع بأن إسرائيل تتحرك بثقة رغم الضغوط، وأن ميزان الردع لم يتآكل، في محاولة لتكريس سردية “الوقت يعمل لصالحنا”.
أما خارجيا، أكد المتحدث أن الرسائل تتوزع بين ردع محور إيران–حزب الله وسوريا ولبنان، من جهة، وإرسال إشارات مساومة إلى الولايات المتحدة والفاعلين الغربيين، من جهة ثانية، حيث يجري رفع السقف الرمزي للتفاوض لاحقاً على “الحد الأدنى العملي”.
ووفق قول معتضد، تحمل رسائل نتنياهو بُعدا سياديا تجاه الجوار العربي، خصوصا الأردن ومصر، لاختبار خطوطهما الحمراء ومآلات ردود الفعل الدبلوماسية، مبينا أن الضجيج الذي رافق خطاب “إسرائيل الكبرى” هو جزء من حسابات الضغط ورسم حدود الردع، وليس بالضرورة خطة عمل جغرافية فورية.
واستطرد معتضد بأن السيناريو الأقرب على المدى القريب هو استمرار الضمّ الزاحف داخل الضفة مع تصاعد كلفة إدارته، فيما يبقى توسيع الخرائط على حساب دول الجوار سقفاً تفاوضيا وردعيا تصطدم به عتبات إقليمية وقانونية صلبة.
♦إسرائيل الكبرى تهديد عالمي
شدد القرقري على أن تحدي إسرائيل للقانون الدولي، ومحاولة إسقاطه، يعيد العالم برمته إلى زمن الفوضى وهيمنة منطق القوة على حساب المبادئ الكونية المرتبطة بحقوق الإنسان، وهو ما ينسف جميع الاتفاقيات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.
وتابع الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، أن المجتمع الدولي والعواصم الكبرى مدعوة إلى الخروج من حالة السُبات، ووضع العالم أمام حقيقة الأوضاع التي يدفع في اتجاهها حلم عنصري وشوفيني مرفوض من قبل البشرية جمعاء.
وأظهر القرقري أن الحق الفلسطيني لن يسقط أمام المشروع الإسرائيلي ومحاولات طمس حل الدولتين بتهديدات مرفوضة، مشيرا إلى أن الدول العربية والإسلامية وقياداتها وشعوبها واعية تماماً بخطر استمرار اليمين المتطرف في جر المنطقة نحو مزيد من التوتر، وهو ما يفرض اعتماد الحزم في مواجهة هذه السياسات، ومعتبرا أن نتنياهو نفسه بات رهينة بين فكره المتطرف وحساباته الانتخابية، وهو ما يعمّق الأزمة داخلياً ويزيد من تعقيد المشهد إقليمياً ودولياً.

