يواصل ميناء الناظور غرب المتوسط ترسيخ موقعه كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها المغرب لتعزيز حضوره البحري والطاقي داخل الفضاء المتوسطي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
ويطرح المشروع رهانات اقتصادية ولوجستيكية واسعة تتجاوز البعد المينائي التقليدي، من خلال السعي إلى تحويل الجهة الشرقية إلى قطب استثماري وصناعي قادر على استقطاب الأنشطة المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية والخدمات اللوجستيكية.
ويواكب الميناء الدينامية العالمية المرتبطة بالطاقات المتجددة، خاصة مع انطلاق مؤشرات النشاط التجاري واستقبال عمليات صناعية مرتبطة بمكونات الطاقة الريحية، بما يعكس توجه المغرب نحو تعزيز موقعه داخل الاقتصاد الأخضر.
♦تحولات الطاقة العالمية
أكد بدرالدين الرواص، أستاذ باحث متخصص في جغرافية الموانئ، أن ميناء ميناء الناظور غرب المتوسط يمثل تحولا استراتيجيا في السياسة البحرية والطاقية للمغرب، بالنظر إلى موقعه الجغرافي المطل على الواجهة المتوسطية والقريب من أهم خطوط الملاحة الدولية.
وأوضح الرواص في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المشروع لا يرتبط فقط بتطوير البنيات التحتية المينائية، بل يندرج ضمن رؤية مغربية أوسع تهدف إلى تعزيز السيادة البحرية والطاقية والرفع من قدرة المملكة على التموقع داخل شبكات الإمدادات الدولية الخاصة بالمحروقات والطاقة.
وأضاف الرواص أن التحولات التي شهدها سوق الطاقة العالمي بعد الأزمة الأوكرانية أعادت رسم خريطة التزود بالمحروقات داخل أوروبا، وهو ما خلق فرصا جديدة للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط من أجل لعب أدوار لوجستيكية واستراتيجية أكثر تأثيرا.
وأبرز أن المغرب يملك اليوم مؤهلات جغرافية وتقنية تسمح له بأن يصبح فاعلا أساسيا في خدمات مسافنة المحروقات وتأمينها، خاصة مع تزايد الحاجة الأوروبية إلى تنويع منافذ الإمداد وتقليص التبعية للمسارات التقليدية.
وأشار المتحدث إلى أن ميناء الناظور غرب المتوسط سيمكن المغرب من الاندماج بشكل أكبر في سلاسل النقل البحري العالمية المرتبطة بالطاقة، خصوصا الإمدادات القادمة من الخليج العربي عبر مضيق جبل طارق.
واعتبر أن هذا الموقع يمنح المملكة أفضلية تنافسية كبيرة مقارنة بعدد من الموانئ المتوسطية، لأن الأمر يتعلق بمنصة قادرة على استقبال السفن الكبرى وتقديم خدمات التخزين والتحويل والتوزيع في اتجاه الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وشدد الرواص على أن الرهان الطاقي لم يعد مقتصرا على الإنتاج فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بالتحكم في الممرات البحرية وشبكات الإمداد والخدمات اللوجستيكية المواكبة لها.
ويرى أن المغرب يشتغل على بناء منظومة بحرية متكاملة تجعل من موانئه أدوات استراتيجية لحماية المصالح الاقتصادية الوطنية وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية.
♦رهانات التنمية الترابية
أفاد الرواص أن مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لا يمكن اختزاله في بعده المينائي فقط، لأن الدولة تراهن من خلاله على إعادة تشكيل الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للجهة الشرقية بكاملها.
وأظهر أن هذه المنطقة ظلت لسنوات مرتبطة بصورة المجال الحدودي المعزول، غير أن المشاريع الكبرى التي تشهدها اليوم تعكس توجها جديدا يرمي إلى تحويلها إلى قطب اقتصادي ولوجستيكي متكامل.
وأورد أن دمج الميناء مع محيطه الجغرافي والبشري يشكل أحد أهم عناصر نجاح المشروع، لأن التجارب الدولية تؤكد أن الموانئ الكبرى لا تحقق آثارها الاقتصادية الحقيقية إلا عندما ترتبط بشبكات النقل والصناعة والخدمات والتكوين.
واسترسل أن المغرب يسعى إلى خلق منظومة اقتصادية متكاملة بالجهة الشرقية تشمل المناطق الصناعية والبنيات الطرقية والسككية والخدمات اللوجستيكية، بما يسمح بجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية وخلق فرص شغل جديدة.
ولفت المتحدث إلى أن ميناء الناظور غرب المتوسط يمكن أن يساهم في تقليص الفوارق المجالية بين الجهات المغربية، خاصة وأن الجهة الشرقية ظلت لسنوات تعاني من محدودية الاستثمارات الصناعية الكبرى مقارنة بمناطق أخرى.
وجدد التأكيد على أن تحويل المنطقة إلى منصة لوجستيكية عالمية سيمنحها قدرة أكبر على الاندماج في الاقتصاد الدولي وربطها بمسارات التجارة البحرية العالمية، منبها إلى أن الرهان الحقيقي لا يرتبط فقط بالبنية التحتية، بل أيضا بمدى قدرة الفاعلين المحليين على الاستفادة من الدينامية الاقتصادية الجديدة.
وأوضح أن نجاح المشروع يتطلب مواكبة التكوين المهني والجامعي لحاجيات سوق الشغل المرتبطة بالمهن البحرية واللوجستيكية والصناعية، حتى تتحول التنمية المنتظرة إلى مكاسب اجتماعية فعلية لفائدة ساكنة المنطقة.
♦انطلاقة النشاط التجاري
كشف الرواص أن سنة 2026 تمثل محطة مهمة في المسار التشغيلي لميناء الناظور غرب المتوسط، بعدما تقرر استقبال السفينة الإسبانية “Super Fast Levante” لشحن الشفرات الهوائية المخصصة لأعمدة الطاقة الريحية، المصنعة من طرف شركة Aeolon، معتبرا أن هذه العملية تحمل دلالات اقتصادية وصناعية قوية، لأنها تعكس بداية النشاط التجاري الفعلي للميناء ودخوله مرحلة الاستغلال العملي.
وأبان أن اختيار الميناء لاستقبال هذا النوع من الأنشطة المرتبطة بالطاقة الريحية يعكس التوجه العالمي المتزايد نحو الطاقات المتجددة، كما يؤكد قدرة المغرب على جذب الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي العالمي.
وتابع أن تصنيع وشحن مكونات الطاقة الريحية يتطلب تجهيزات لوجستيكية متطورة وبنيات مينائية قادرة على التعامل مع المعدات الصناعية الضخمة، وهو ما يوفره ميناء الناظور غرب المتوسط.
وذهب المتحدث إلى أن هذه العملية تشكل مؤشرا على قابلية الميناء لاستقطاب استثمارات صناعية إضافية مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، خاصة وأن المغرب أصبح خلال السنوات الأخيرة من بين الدول التي تراهن بقوة على الطاقات المتجددة باعتبارها قطاعا استراتيجيا للمستقبل.
ويرى الرواص أن الميناء قد يتحول مستقبلا إلى مركز إقليمي لتصدير المعدات الصناعية المرتبطة بالطاقة النظيفة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية، مؤكدا أن انطلاق النشاط التجاري بالميناء يبعث أيضا رسائل إيجابية للمستثمرين الدوليين حول جاهزية البنيات التحتية المغربية وقدرتها على مواكبة المشاريع الصناعية الكبرى.
وأردف أن نجاح العمليات الأولى سيكون عاملا حاسما في تعزيز جاذبية الميناء واستقطاب شركات عالمية جديدة تبحث عن منصات لوجستيكية مستقرة وقريبة من الأسواق الأوروبية.
♦موقع استراتيجي متوسطي
اعتبر الرواص أن الموقع الجغرافي لميناء الناظور غرب المتوسط يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية داخل الفضاء المتوسطي، بالنظر إلى قربه من مضيق جبل طارق الذي يعد أحد أهم المعابر البحرية في العالم، مبينا أن التحكم في جزء من حركة الملاحة المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية يمنح المغرب إمكانيات كبيرة لتعزيز حضوره الاقتصادي والجيوسياسي داخل المنطقة.
وأفاد أن المنافسة بين الموانئ المتوسطية أصبحت ترتبط بشكل أساسي بسرعة الخدمات وجودة البنيات التحتية والقدرة على استقطاب الخطوط البحرية الدولية، وهو ما يدفع المغرب إلى تطوير نموذج مينائي حديث قادر على مواكبة التحولات المتسارعة في قطاع النقل البحري العالمي، مشيرا إلى أن ميناء الناظور غرب المتوسط يأتي في سياق استراتيجية وطنية شاملة لتقوية مكانة المملكة كمحور بحري بين أوروبا وإفريقيا.
وسجل المتحدث أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة خبرة مهمة في تدبير المشاريع المينائية الكبرى، وهو ما ساهم في تعزيز تنافسية الموانئ المغربية على المستوى الدولي، مبينا أن ميناء الناظور غرب المتوسط سيشكل إضافة نوعية لهذه المنظومة، خاصة في ما يتعلق بخدمات الطاقة والصناعات اللوجستيكية المرتبطة بها.
وخلص الرواص إلى أن المشروع لا يمثل فقط بنية تحتية اقتصادية جديدة، بل يعكس تحولا في رؤية المغرب لدوره البحري داخل المجال المتوسطي والإفريقي، موضحا أن المملكة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الاقتصاد البحري كرافعة استراتيجية للتنمية وتعزيز النفوذ الاقتصادي، ومعتبرا أن ميناء الناظور غرب المتوسط مرشح ليكون أحد أبرز المشاريع المهيكلة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

