عقد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، اليوم الخميس بالعاصمة الروسية موسكو، جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خُصصت لاستعراض سبل توطيد التعاون الثنائي وتبادل الرؤى بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأفاد بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية بأن اللقاء أتاح للطرفين التأكيد على متانة العلاقات التي تجمع البلدين، وعلى الإرادة المشتركة لمواصلة تطويرها في مختلف المجالات.
وبيّن البيان أن المحادثات تمحورت حول تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين المغرب وروسيا، إذ أعرب الجانبان عن تطلعهما إلى رفع حجم التبادل التجاري وتكثيف الاستثمارات المتبادلة، مع الاتفاق على بحث التفاصيل التقنية خلال الاجتماع الثامن للجنة الحكومية المشتركة الروسية-المغربية للتعاون الاقتصادي والعلمي-التقني.
كما تطرّق الوزيران إلى ملفات التعاون الإنساني والتعليمي، حيث كشف لافروف أن نحو 4.250 طالبًا مغربيًا يتابعون دراستهم في روسيا، مؤكدًا دعم بلاده للطلب المتزايد على التعليم الروسي وتشجيع الطلبة المغاربة على الالتحاق بالمؤسسات الجامعية الروسية.
وشهد اللقاء أيضا تبادلا واسعا حول القضايا الدولية والإقليمية، من بينها تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، إضافة إلى قضية الصحراء المغربية في ضوء النقاشات الجارية بمجلس الأمن الدولي.
وأعرب الجانب الروسي عن تمسك موسكو بتسوية النزاعات الإقليمية والدولية بالوسائل السياسية والدبلوماسية، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشددًا على وجوب تطبيق هذه المبادئ واحترامها كاملة وبتكاملها المتبادل دون أي انتقائية.
وفي السياق نفسه، تناول الاجتماع مستجدات الوضع في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث أشاد لافروف بالدور الذي يضطلع به المغرب في دعم الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، مثمنًا جهود جلالة الملك محمد السادس بصفته رئيسًا للجنة القدس.
♦الموقف الروسي الواضح
يؤكد الدكتور إدريس قريش، الوزير المفوض في التقاعد ، أن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف خلال لقائه بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في موسكو، تُبرز تحولا دلاليا لافتا في موقف روسيا الاتحادية من قضية الصحراء المغربية.
وأوضح قريش في تصريح لجريدة “شفاف”، أن حديث لافروف عن الحكم الذاتي كخيار سياسي مشروع ومتعارف عليه في الأعراف الدولية يعكس انخراطا روسيا فعليا في دعم الرؤية المغربية، مشيرا إلى أن هذا الموقف نابع من تراكمات طويلة من الثقة المتبادلة والاحترام التاريخي بين البلدين.
ولفت إلى أن روسيا لم تُسجّل في أي محفل دولي موقفا معاديا لمصالح المغرب، سواء في الأمم المتحدة أو في مجلس الأمن، معتبرا أن موسكو دأبت على انتهاج حياد إيجابي يميل إلى الواقعية السياسية.
واسترسل موضحا أن السياسة الخارجية الروسية تتسم بالتحليل العقلاني والتعامل البراغماتي مع القضايا الحساسة، إذ تميل موسكو إلى تبني الحلول السياسية الواقعية بدل المواقف الإيديولوجية الجامدة.
وبيّن قريش أن الاجتماع الأخير بين بوريطة ولافروف أبرز تقاطعا في وجهات النظر إزاء القضايا الإقليمية والدولية، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الإقليمي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، معتبرا أن تصريحات لافروف تشكل دعما غير مباشر للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، حتى وإن لم تُعلن روسيا ذلك بوضوح.
وأبرز أن التحفظ الروسي في بعض المداولات السابقة لم يكن رفضًا للمغرب، بل تعبيرًا عن موقف مبدئي ضد هيمنة بعض القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على صياغة القرارات الأممية ذات الصلة.
وذهب إن روسيا اليوم تمضي خطوة إضافية في اتجاه التقارب مع الموقف الدولي الداعم للمقاربة المغربية، مبرزا أن هذا التحول يعكس تطورا نوعيا في السياسة الروسية تجاه الملف.
♦الجذور التاريخية العميقة
استعرض قريش المسار التاريخي للعلاقات المغربية الروسية، مبرزا أنها تمتد إلى القرن الثامن عشر، حين أبرم السلطان محمد الثالث سنة 1777 اتفاقية مع القيصرة كاترين الثانية تضمنت بنودا إنسانية رائدة.
وسرد أن الاتفاقية سمحت للسفن الروسية، التي يتوفى أحد بحّارتها على متنها، بدفن موتاهم في التراب المغربي، في حين كانت الدولة العثمانية تمنع ذلك في مناطق نفوذها.
وأبان أن هذا الموقف الإنساني ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الروسية ورسّخ صورة المغرب كبلد متسامح ومنفتح يقدّم القيم الإنسانية على المصالح السياسية.
وأشار إلى أن هذا الإرث الإنساني أسس لعلاقة وجدانية متجذرة بين الشعبين، قائمة على الثقة والاحترام المتبادل لا على المصالح العابرة.
كما ذكّر بأن الزيارة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2016، وما أعقبها من توقيع اتفاقيات شراكة إستراتيجية، مثّلت محطة محورية في تعزيز العلاقات الثنائية وترسيخ الثقة السياسية بين البلدين.
وأردف قريش أن روسيا تعتمد في علاقاتها مع المغرب على مبادئ الوضوح والاحترام المتبادل، وتحافظ على نهج ثابت قوامه الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وهو ما يميّز تعاملها مع الرباط منذ قرون.
ونوّه إلى أن المقابر الروسية في الرباط والدار البيضاء، والكنيسة الأرثوذكسية التي شُيّدت بالمغرب، تشكل شواهد مادية على عمق هذه الروابط، مؤكدا أن موسكو تنظر إلى المغرب كدولة ذات شرعية حضارية وتاريخ عريق.
واستطرد أن العلاقات بين البلدين ظلت متوازنة حتى خلال الحقبة السوفياتية رغم اختلاف المرجعيات، معتبرًا أن هذا الثبات دليل على عمق الودّ والثقة التي تجمع الطرفين.
وكشف أن هذا البعد التاريخي يفسّر تمسّك روسيا بموقفها المتزن من قضية الصحراء المغربية، إذ تتعامل معها كقضية سياسية قابلة للحوار، لا كملف صراع بين القوى الكبرى.
♦التحولات الجيوسياسية والأفق الإفريقي المشترك
حلّل قريش التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم موازين القوى في شمال إفريقيا، معتبرًا أن اللقاء المغربي الروسي الأخير يأتي في سياق بلورة توازن جديد في المنطقة.
وأظهر المتحدث أن موسكو باتت تدرك أهمية المغرب كفاعل مستقر ومؤثر في القارة الإفريقية، وتسعى إلى توسيع تعاونها معه في مجالات الأمن والطاقة والزراعة والاقتصاد.
وسجل أن روسيا تتعامل مع المغرب كشريك استراتيجي، فيما تتعامل مع الجزائر كزبون عسكري، موضحًا أن الأخيرة تستورد نحو 80 في المائة من تجهيزاتها من الصناعات الروسية دون أن تحظى بثقة سياسية مماثلة في نظر موسكو.
وأورد أن الجزائر فقدت الكثير من مكانتها الدبلوماسية بسبب انغلاق نظامها السياسي واستمرار اعتماده على خطاب عدائي تجاه المغرب، معتبرًا أن هذا الخطاب لم يعد سوى وسيلة لتغطية أزماتها الداخلية، بعدما أنفقت قرابة 700 مليار دولار لدعم جبهة البوليساريو، في واحدة من أكثر المغامرات السياسية كلفة في تاريخ المنطقة.
وشدد قريش أن المغرب اختار نهج الحكمة وضبط النفس، متمسكا بوحدته الترابية ورافضا الانجرار إلى أي مواجهة، مشيرا إلى أن جلالة الملك محمد السادس عبّر مرارا عن استعداد المغرب للحوار الصادق مع الجزائر، غير أن النظام العسكري لا يزال يصرّ على القطيعة.
وتابع أن الاتجاه الدولي بات يميل إلى تبني الحل السياسي الواقعي المتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبرًا أن الموقف الروسي الجديد ينسجم مع هذا التحول العالمي ويُظهر دعمًا ضمنيًا لمبادرة الرباط.
ونبه إلى أن المغرب يمثل بالنسبة لروسيا بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، وأن موسكو تراهن على شراكته لبناء حضور متوازن في القارة، مستفيدة من خبرة المملكة في الوساطات السياسية والتنمية الإقليمية.
وخلص قريش إلى أن زيارة بوريطة إلى موسكو شكلت محطة نوعية في مسار العلاقات الثنائية، وعلامة فارقة في الموقف الروسي من قضية الصحراء المغربية، بما يمهّد لمرحلة جديدة قد تشهد تسوية سياسية نهائية في إطار الشرعية الدولية ومبادئ الواقعية الدبلوماسية.

