جدد المغرب من خلال الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في قمة “إفريقيا من أجل المحيط” المنعقدة بنيس الفرنسية، تأكيده على أهمية إعادة التفكير في الدور البحري الإفريقي، عبر رؤية تقوم على ثلاثة محاور استراتيجية: النمو الأزرق، والتعاون جنوب-جنوب، وتكامل السياسات البحرية في الفضاء الأطلسي، حيث إن هذه الدعوة، التي تترجمها مبادرات كبرى من قبيل المبادرة الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، والمشاريع المينائية المهيكلة، تأتي لتعزيز تموقع القارة على الساحة الدولية، وتحويل سواحلها إلى رافعة تنموية وركيزة للاندماج القاري.
وفي ظل التحديات البيئية والطاقية، وتزايد الاهتمام الدولي بالمجالات البحرية، تطرح هذه المبادرات تساؤلات حول مستقبل موازين القوة الإقليمية، ودور المغرب في إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية نحو المحيط الأطلسي، وإن كانت المملكة ستتمكن من جعل إفريقيا فاعلًا بحريًا موحدًا ومؤثرًا في المشهد الدولي، وعن كيفية استجابة الفاعلين الدوليين، مع هذا التوجه الذي يتجاوز مجرد الشراكات التقليدية ليؤسس لمنظومة بحرية متكاملة تنطلق من الجنوب، ومدى إمكانية استثمار الرباط في موقعه الجغرافي وسواحله الممتدة لتعزيز مكانته كجسر طاقي وتجاري بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
الملك يقترح محاور استراتيجية لتعزيز الدور البحري الإفريقي وتكامل السياسات الأطلسية
♦ إفريقيا والبحر.. تحول في الرؤية
يمثل الخطاب الملكي الذي ألقته الأميرة للا حسناء خلال قمة “إفريقيا من أجل المحيط” لحظة فارقة في تاريخ علاقة إفريقيا بفضائها البحري، فرؤية المغرب الجديدة لا تكتفي بإعادة التذكير بثروات السواحل الإفريقية، بل تتجاوز ذلك نحو تبني مفهوم استراتيجي أكثر عمقًا، يرتكز على “السيادة البحرية” باعتبارها حجر الزاوية في معادلات التنمية والأمن والتموقع الجيوسياسي العالمي.
في هذا السياق، يوضح الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، والأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، أن المغرب يدعو إلى انتقال ذهني ومؤسساتي من منطق “الإمكانات غير المستغلة” إلى منطق “التمكين السيادي المشترك”، وذلك في إطار مقاربة ثلاثية الأبعاد تدمج البعد البيئي، بالبُعد التنموي، والبعد الاستراتيجي.
وقال الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن أهمية هذا التحول تكمن في أنه يعيد تعريف البحر، ليس فقط كمصدر للثروة أو مجال بيئي، بل كمجال للسيادة المنتجة، وكعنصر أساسي في تماسك الدولة والمجتمع، وفي تعزيز الأمن الغذائي والطاقي والمناخي، بما يعكس نضج الرؤية المغربية التي أصبحت ترى في الأطلسي محيطًا لإفريقيا المستقبلية.
♦ السيادة البحرية المشتركة
يؤكد الروداني على أن المغرب يدفع باتجاه بلورة مفهوم “السيادة البحرية الإفريقية” كممارسة مهيكلة، لا كشعار سياسي عابر، مبرزا أن السيادة في هذه الحالة، ليست مقتصرة على حماية المجال البحري، بل تشمل القدرة على التحكم في الموارد البحرية، وفي سلاسل القيمة المرتبطة بالاستزراع المائي والطاقة والنقل، والاقتصاد الأزرق عامة.
لهذا، فإن المغرب، حسب الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، يركز على إقامة مشاريع بنيوية ضخمة، مثل ميناء الداخلة الأطلسي، وميناء الناظور غرب المتوسط، ومشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري، وغيرها من البنى التحتية التي تضمن ربط الداخل الإفريقي بالسواحل، وتمكين الدول غير الساحلية من منفذ سيادي إلى البحر.
وأبرز الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن مبادرة ممرات السيادة المشتركة ضمن هذا الإطار، تأتي باعتبارها تصورًا استراتيجيا جديدًا يضمن شراكة مؤسسية بين الدول الإفريقية الساحلية وغير الساحلية، ويضع الأمن البحري والتنمية المتوازنة في قلب التعاون القاري.
♦ الهندسة الأطلسية الإفريقية
من المبادرات البارزة التي سلط الشرقاوي الروداني الضوء عليها هي “الهندسة الأطلسية الإفريقية”، التي يُعرّفها كمقاربة مغربية تهدف إلى تحويل الواجهة الأطلسية لإفريقيا إلى مجال حيوي للتنمية والتكامل والدفاع الجماعي.
وأوضح الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن هذه الهندسة تأتي ضمن ما سماه بمفهوم ” Strait Belt” (مضيق الحزام)، الذي يجمع بين بعدين: الأول جيواقتصادي، والثاني جيوأمني.
الاقتصاد المينائي .. كيف عزز المغرب ريادته العالمية في الشحن البحري؟
واعتبر انخراط الدول الإفريقية الأطلسية في هذه الهندسة فرصة لبناء تكتل إقليمي متماسك، يستطيع من خلاله التفاوض بصوت موحد مع القوى الدولية، وإرساء نظام جديد للعلاقات الدولية، يقوم على منطق المصالح المشتركة، لا التبعية التاريخية.
وشدد على أن هذا التحول له دلالات عميقة، خصوصًا في ظل التوترات الحالية بين عدد من الدول الإفريقية والقوى الاستعمارية السابقة، ما يفرض على القارة إعادة التفكير في تموقعها داخل النظام العالمي، وتحرير قراراتها السيادية من منطق الاصطفافات التقليدية، نحو شراكات جنوب-جنوب براغماتية ومستقلة.
♦ شراكات بديلة ومستقلة
يرى الروداني أن المبادرة المغربية تمثل نموذجًا سياسيًا بديلًا، يسعى إلى القطع مع نمط العلاقات الدولية التي ارتبطت بالتبعية والوصاية، وذلك عبر تقديم الأطلسي كواجهة دبلوماسية جديدة لبناء قوة إفريقية موحدة، تتمتع بكلمة وازنة في المنتديات الدولية.
وأضاف أن المغرب من خلال هذه الرؤية، لا يطرح نفسه كوسيط فقط، بل كقوة دافعة لتشكيل توازنات جديدة؛ ففي وقت تشهد فيه بعض دول الساحل تحولات جذرية في أنظمتها وتحالفاتها الخارجية، تشكل المبادرة الأطلسية فضاءً للتهدئة والتنسيق بعيداً عن الاستقطابات الحادة بين الغرب وخصومه.
ولفت إلى أنه في هذا الإطار، فإن المشاريع التي يتبناها المغرب، مثل أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب، تمثل أدوات عملية لتجسيد هذا التحول في طبيعة الشراكات الإفريقية، ووسائل لبناء نموذج اقتصادي يكرّس الاستقلالية والتكامل الإفريقي–الإفريقي.
♦ إفريقيا نحو توازن جديد
من أبرز المكونات الجيوسياسية للمبادرة المغربية، كما يشير الروداني، هو ربط الفضاء الأطلسي بالقارة الإفريقية من منظور طاقي استراتيجي، لافتا إلى أن مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي ليس مجرد بنية تحتية، بل هو “رئة اقتصادية” تهدف إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا، وربطها بشبكة نقل طاقي إقليمية.
واستطرد الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، أن هذا المشروع يضع إفريقيا في صلب معادلة الغاز العالمية، ويمنحها قدرة تفاوضية جديدة، تمكنها من التموقع كفاعل محوري في سوق الطاقة، بدل أن تظل رهينة السياسات الطاقية للقوى الكبرى.
وزاد قائلا إن هذا التموقع الجديد يُعيد رسم الخريطة الاستثمارية للقارة، ويجعل منها فضاءً جذابًا برؤية قائمة على التكامل، لا على التنافس الداخلي، وذلك من خلال خلق أقطاب صناعية وتجارية مهيكلة على طول الواجهة الأطلسية.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
ويدعو الشرقاوي الروداني إلى فهم المبادرة المغربية في سياق أوسع من مجرد خطاب بيئي أو تنموي، بل كمشروع جيواستراتيجي شامل يسعى إلى إعادة تشكيل موقع إفريقيا في العالم، وتعزيز استقلالها السيادي، وتحصين أمنها البحري والطاقي، وبناء فضاء أطلسي إفريقي متكامل.
ولفت إلى أن من يمتلك أدوات السيادة البحرية، لا يحمي فقط حدوده، بل يرسم أيضًا موقعه في التوازنات الدولية، مشددا على أن هذا بالضبط ما تسعى إليه الرؤية المغربية من خلال جعل الأطلسي فضاءً للوحدة والنمو والتحرر من التبعية.

